أظهرت دراسة حديثة
أن تحسين جودة النوم، وبالأخص
النوم العميق المرتبط بموجات
الدماغ البطيئة، قد يقلل
بشكل ملموس من مستويات القلق لدى كبار السن، حتى مع التغيرات المرتبطة بتقدم العمر
وضمور بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المشاعر.
ونشر موقع "
ميديكال
إكسبرس" تقريرا للصحفية إنغريد فاديلي، قالت فيه إنه مع تقدم الإنسان في العمر،
قد يتغير استقراره العاطفي وأنماط نومه بشكل ملحوظ، على سبيل المثال، وجدت بعض الدراسات
السابقة أن العديد من كبار السن يجدون صعوبة أكبر في إدارة المشاعر السلبية، ويعانون
من مستويات أعلى من القلق، وينامون أقل مما كانوا عليه في مراحل حياتهم السابقة.
أجرى باحثون في جامعة
كاليفورنيا، بيركلي (UC Berkeley) مؤخرا دراسة استكشفت العلاقة بين النوم، وتقلص
حجم الدماغ، والقلق في مراحل العمر المتقدمة. تربط نتائجهم، المنشورة في مجلة علم النفس
التواصلي، بين رداءة جودة النوم، وخاصة انخفاض مستويات النوم العميق غير المصحوب بحركة
العين السريعة (NREM)، وبين زيادة القلق وضمور الدماغ.
وقالت الدكتورة إيتي
بن سيمون، المؤلفة الرئيسية للدراسة، لميديكال إكسبرس: "في دراستنا السابقة، أثبتنا
أن النوم العميق، وخاصة نشاط موجات الدماغ البطيئة المرتبط به، يمكن أن يدعم بقوة تنظيم
القلق لدى الشباب".
"وعلى وجه الخصوص، كلما زاد نشاط الموجات البطيئة
الذي سجلناه خلال الليل، قلّ شعور المشاركين بالقلق في صباح اليوم التالي. وقد أثار
ذلك تساؤلا هاما لدينا: هل لا تزال هذه العلاقة الوقائية بين النوم العميق والقلق قائمة
في سن
الشيخوخة، عندما يتعرض كل من النوم والدماغ لضغط متزايد؟"
العلاقة بين الشيخوخة
وضمور الدماغ والقلق
تشير الدراسات إلى
أنه مع تقدم الإنسان في العمر، يتراجع نومه العميق تدريجيا، وقد يتقلص حجم أنسجة دماغه
أو يفقد جزءا من حجمها. بالإضافة إلى ذلك، يبدأ العديد من كبار السن في تجربة أعراض
متعلقة بالصحة النفسية، مثل تدني المزاج وزيادة القلق.
يقول الدكتور ماثيو
ووكر، المؤلف الرئيسي للدراسة: "النوم العميق أشبه بمعالج نفسي ليلي للدماغ، يعمل
بهدوء طوال الليل حتى لا يتسلل القلق إلى صباح اليوم التالي".
ربطت أبحاث سابقة النوم
العميق بانخفاض القلق لدى البالغين، إلا أن القليل منها ركز تحديدا على كبار السن.
أرادت بن سيمون والدكتور ووكر وزملاؤهما دراسة إمكانية أن يُخفف النوم العميق من القلق
لدى كبار السن، بغض النظر عن أي ضمور للدماغ مرتبط بالعمر.
ولتحقيق ذلك، استعان
الباحثون بـ 61 شخصا بالغا يتمتعون بصحة جيدة، تزيد أعمارهم عن 65 عاما، ويعانون من
مستويات متفاوتة من القلق يوميا. فحص الفريق نشاط أدمغة المشاركين أثناء نومهم، وأجرى
لهم مسحا دماغيا في اليوم التالي، باستخدام تقنيتين مختلفتين هما تخطيط كهربية الدماغ (EEG) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).
وأوضح الدكتور ووكر
قائلا: "أمضى كل مشارك ليلة في مختبر النوم لدينا، حيث سجلنا نومه باستخدام أقطاب
تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لرصد نشاط دماغه طوال الليل، بما في ذلك موجات
الدماغ البطيئة. وفي صباح اليوم التالي، خضعوا لفحص بالرنين المغناطيسي (MRI) لنتمكن من تحديد كمية ضمور الدماغ في المناطق المعروفة بدعمها لتنظيم
ومعالجة المشاعر، وهي مناطق ذات صلة خاصة بحالات القلق المرتفع."
قام الباحثون بتحليل
جميع البيانات التي جمعوها لتحديد ما إذا كانت هناك علاقة بين جودة نوم المشاركين،
ومستويات قلقهم، وضمور مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المشاعر. ركزت تحليلاتهم على
نشاط الموجات البطيئة أثناء النوم، المعروف بارتباطه بالنوم العميق، وذلك بالرجوع إلى
فحوصات الدماغ التي أُجريت عند استيقاظ المشاركين والإبلاغ عن مستويات قلقهم.
تقول الدكتورة بن سيمون:
"أعطانا تخطيط كهربية الدماغ مؤشرا على قدرة الدماغ النائم على توليد موجات بطيئة
قوية، نعلم أنها ضرورية لتنظيم المشاعر، بينما أظهر لنا التصوير بالرنين المغناطيسي
التآكل الذي لحق بدوائره العاطفية. إن الجمع بين هذين العاملين سمح لنا برؤية كيف يتداخل
التقدم في السن والنوم والقلق".
الاستفادة من البحث
للعلاجات المستقبلية
تشير النتائج التي
جمعتها الدكتورة بن سيمون والدكتور ووكر وزملاؤهما إلى أن النوم العميق يعمل كمضاد
طبيعي للقلق، ليس فقط خلال مرحلتي البلوغ المبكر والمتوسط، بل أيضا في الشيخوخة. حتى
مع وجود تغيرات في بنية الدماغ، وخاصة في المناطق المسؤولة عن معالجة المشاعر، يبدو
أن النوم العميق لا يزال يساهم في خفض مستويات القلق.
أوضحت الدكتورة بن
سيمون قائلة: "عندما يتمكن كبار السن من توليد نشاط موجات بطيئة قوي أثناء الليل،
يبدو أن أدمغتهم أكثر قدرة على إعادة ضبط المشاعر والسيطرة على القلق في اليوم التالي".
وأضافت: "حتى
مع تقدم العمر، يظل النوم العميق الصحي هو المكان الذي يحدث فيه جزء كبير من الشفاء
العاطفي. وهذا يفتح فرصة قيّمة وقابلة للتطبيق: إذ يمكن استخدام الأساليب غير الجراحية
الحديثة لتعزيز نشاط الموجات البطيئة أثناء النوم كتدخلات موجهة للصحة النفسية لدى
كبار السن".
قد يكون لهذه الدراسة
آثار مهمة على علاج الاضطرابات النفسية والصعوبات العاطفية التي يواجهها كبار السن.
وفي المستقبل، يمكن أن تُسهم في تطوير مناهج أو تدخلات علاجية جديدة مصممة لتقليل القلق
لدى كبار السن من خلال تحسين أنماط نومهم.
علاوة على ذلك، من
المعروف أن القلق مرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف. ومن خلال تقليل القلق، يمكن للتدخلات
التي تستهدف النوم أن تُبطئ التدهور المعرفي.
وقال الدكتور ووكر:
"تُبرز نتائجنا أن النوم العميق ليس ترفا في الشيخوخة؛ بل هو جرعة ليلية من الدواء
العاطفي يصفها الدماغ لنفسه. نتطلع إلى الانتقال من مجرد رصد تأثيرات النوم إلى تحسينها،
تماما كزيادة مستوى صوت الدماغ الطبيعي المُضاد للقلق."
عادة ما يُعالج القلق
وغيره من أعراض الصحة النفسية لدى كبار السن باستخدام مُضادات القلق، أو مُضادات الاكتئاب،
أو أدوية أخرى. وتشير نتائج دراسة الفريق إلى أن التدخلات الأخرى التي تهدف إلى زيادة
النوم العميق قد تُساعد أيضا في خفض مستويات القلق.
وأضافت الدكتورة بن
سيمون: "ستكون خطوتنا التالية هي اختبار ما إذا كان تحسين نوم الموجات البطيئة
ليلا يُمكن أن يُقلل القلق بشكلٍ فعّال، بدءا بمشاركين أصحاء."
"نُخطط الآن لاستخدام تقنيات حديثة تُعزز نشاط
الموجات البطيئة أثناء النوم بلطف - مثل التحفيز غير الجراحي - ثم ندرس تأثيرها على
القلق في اليوم التالي. إذا أثبتت هذه الأساليب فعاليتها، فقد تُمهد الطريق لعلاجات
جديدة غير دوائية للعديد من اضطرابات القلق التي تُصاحبها اضطرابات نوم واضحة، بما
في ذلك اضطراب القلق العام واضطراب ما بعد الصدمة."
على المدى الطويل،
تأمل الدكتورة بن سيمون والدكتور ووكر وزملاؤهما في تحويل نوم الموجة البطيئة من مؤشر
سلبي لصحة الدماغ إلى هدف علاجي للحد من القلق.