شهدت بلدان القرن الأفريقي خلال العام 2025 منعطفات سياسية وتحالفات وصفت بتحالفات الضرورة، وسط أزمات متعددة تغذيها عوامل داخلية وخارجية وتقاطع المصالح بين
القوى الدولية وتداخل الأجندات الإقليمية، وذلك نظرا لأهمية هذه المنطقة الأمنية والاستراتيجية.
ومنطقة القرن الأفريقي هي الجزء الواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن، وتشمل بمفهومها الواسع 8 دول في شرق
أفريقيا، هي: الصومال وجيبوتي وأريتريا وإثيوبيا، وكينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا.
وتعد بلدان القرن الأفريقي من أكثر المناطق نزاعا على النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، فموقع القرن الأفريقي يعتبر استراتيجيا وبالغ الأهمية بالنسبة للقوى الدولية، حيث تعج بلدان المنطقة بالموانئ وتعبر من خلالها حاملات النفط والغاز والسفن المحملة بالبضائع والأسلحة.
وتسعى العديد من بلدان العالم لتعزيز حضورها في هذه المنطقة، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك قواعد عسكرية هناك، وكذلك الصين والهند وتركيا التي افتتحت عام 2017 أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشو.
نذر حرب الموانئ
خيم التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، على المشهد العام في منطقة القرن الأفريقي طيلة العام 2025، حيث استمر البلدان في إطلاق تصريحات عدائية، دفعت مختصين للتحذير من أن البلدين باتا على شفا حرب قد تزيد أوضاع المنطقة سوء.
فقد أدت مطالب إثيوبيا الدولة الحبيسة بمنفذ لها إلى البحر الأحمر عبر إريتريا، إلى حرب تصريحات شرسة بين الطرفين، في ظل تأكيد إثيوبيا على أن الوصول إلى البحر الأحمر مسألة وجودية بالنسبة لها، بينما ترفض إريتريا ذلك وتصفه بالاستفزاز.
وكانت التصريحات الأكثر إثارة للجدل تلك التي أدلى بها قائد الجيش الإثيوبي المارشال بيرهانو زولا، التي تحدث فيها عن ملكية إثيوبيا لميناء عصب جنوبي إريتريا، على بعد 60 كيلومتراً من الحدود، ولمّح إلى رغبتهما في أخذه بالقوة.
وقال مخاطبا جنوده: "كونوا على استعداد لمقاتلة دولة منعت إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر، في إشارة إلى إريتريا.
وأضاف في تصريحات قبل شهرين: "عدد سكاننا اليوم 130 مليوناً وسيصل عددهم إلى 200 مليون في الـ15 سنة المقبلة. كيف لمصلحة مليونَين (إشارة إلى إريتريا) أن تلغي مصلحة 200 مليون؟".
وقد ردت إرتيريا في تصريحات وخرجات إعلامية متكررة لوزراء ومسؤولين حكوميين، بالتأكيد خطر "الأطماع الاثيوبية". وحذر وزير الاتصال يمان غبريمسكال من أن محاولة إضفاء الشرعية على "العدوان السافر" ستكون لها تبعات خطيرة على إثيوبيا وجيرانها، وأن ذلك "خط أحمر لا ينبغي تجاوزه".
كما حذّر قائد الجيش الإريتري في تصريحات له نوفمبر الماضي من أنه على القادة الإثيوبيين أن يتجنبوا الدفع بالشعب إلى مستنقع الحرب.
وعرفت العلاقات بين البلدين فترات من التوتر، فبعد حرب دامت 10 سنوات، حصلت إريتريا على استقلالها، وانفصلت عن إثيوبيا في 1993 وضمت حدودها شريطاً ساحلياً طوله 1350 كيلومتراً، بينما تركت إثيوبيا بلا منفذ بحري.
تفكيك العقدة المستعصية
شكل العام 2025 الاختبار الأبرز للدبلوماسية التركية في القرن الأفريقي، حيث قادت أنقرة وساطة لإنهاء التوتر بين إثيوبيا والصومال وسعت للمحافظة على سريان الاتفاق.
فقد نجحت تركيا مطلع العام 2025 في إقناع إثيوبيا والصومال بتوقيع اتفاق وصف بالتاريخي أكد على اعتراف الصومال بحق إثيوبيا (كدولة حبيسة) في الوصول إلى البحر الأحمر لأغراض تجارية، ولكن عبر القنوات الرسمية وتحت السيادة الصومالية، وتأكيد إثيوبيا على احترام وحدة الأراضي الصومالية وسيادتها الكاملة.
وتدهورت العلاقات بين الجارتين، إثيوبيا والصومال، منذ توقيع أديس أبابا عام 2023، اتفاقية مع "أرض الصومال" تسمح لها باستخدام سواحل الإقليم على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية، لمدة 50 عاماً مقابل اعتراف إثيوبيا باستقلال أرض الصومال، وسط رفض مصري - عربي – صومالي، تلاها إعلان مقديشو طرد السفير الإثيوبي من البلاد.
تعديلات دستورية
وفي جيبوتي الدولة المحورية في منطقة القرن الأفريقي، هيمن التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة على المشهد السياسي بشكل عام.
فقد صوّت البرلمان في جيبوتي بالإجماع، قبل شهرين على تعديل دستوري يلغي الحد الأقصى لسنّ الترشح للرئاسة، ما يمهّد الطريق أمام الرئيس إسماعيل عمر جيلي للترشح لولاية سادسة في انتخابات إبريل 2026.
ودافع رئيس البرلمان، دليتا محمد دليتا، عن قرار التعديل الدستوري، معتبراً أنه "ضرورة وطنية لضمان الاستقرار في منطقة مضطربة"، في إشارة إلى التوتر السياسي والأمني الذي تشهده دول الجوار كالصومال وإثيوبيا وإريتريا.
وأعلن الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، الذي يتولى الحكم منذ عام 1999، ترشحه رسميا لولاية رئاسية سادسة في الانتخابات المقررة في أبريل 2026.
ويُعد إسماعيل جيله ثاني رئيس لجيبوتي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1977، وقد شهدت البلاد في عهده تحولات اقتصادية وتنموية كبيرة، أبرزها تطوير البنية التحتية وتعزيز موقع البلاد الاستراتيجي كمركز لوجستي في منطقة القرن الأفريقي.
وعلى مدى العام 2025 واصلت جيبوتي عبر منظمة "إيغاد" جهودها الدبلوماسية لمحاولة حل الأزمات في السودان وإثيوبيا، مع التركيز على منع امتداد آثار هذه النزاعات إلى أراضيها.
وعموما كان العام 2025 عام الاستقرار في هذا البلد الأفريقي الواقع في واحدة من أخطر مناطق الملاحة الدولية في العالم.
أزمة مشار وسلفاكير
وفي دولة جنوب السودان، تطورت الأزمة بين رياك مشار وسلفاكير ميارديت، بشكل متسارع، ما جعل البلد الأفريقي على حافة العودة للحرب الأهلية من جديد.
فمطلع آذار/ مارس الماضي أقدمت قوات تابعة للرئيس سلفاكير ميارديت، على اعتقال رياك مشار النائب الأول للرئيس وتم وضعه قيد الإقامة الجبرية، بتهمة السعي إلى شن تمرد على الحكومة.
ومطلع أيلول/ سبتمبر الماضي أحيل مشار إلي القضاء، وبدأت محاكمته بتهمة الخيانة، فيما قالت النيابة العامة إنها ستقدّم وثائق وأدلة مادية تربط مشار بهجوم استولى خلاله "الجيش الأبيض" الذي يضم مقاتلين شبانا من قبيلة النوير المنتمي إليها مشار، على قاعدة عسكرية في ناصر شمال شرقي البلاد.
ويثير اتهام مشار بالقتل والخيانة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعزله من منصبه مخاوف من اندلاع نزاع جديد بعد نحو 7 سنوات على انتهاء حرب أهلية دارت بين أنصاره وأنصار الرئيس سلفاكير ميارديت، وأسفرت بين عامَي 2013 و2018 عن مقتل ما لا يقل عن 400 ألف شخص.
وأنهى اتّفاق سلام وقّع في عام 2018 النزاع الدامي، ونص على تقاسم السلطة بين الجانبين. غير أن أنصار مشار دعوا بعد اتهامه إلى التعبئة العسكرية من أجل "تغيير النظام" في جنوب السودان الذي انفصل عن السودان عام 2011.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 1800 مدني قُتلوا في جنوب السودان بين كانون الثاني/ يناير وأيلول/ سبتمبر 2025 بسبب التوتر السياسي في البلاد.
قمع المعارضة بأوغندا
وفي أوغندا تصاعدت حملات قمع المعارضين ووسائل إعلام مع قرب موعد الانتخابات العامة المقررة منتصف كانون الثاني/ يناير القادم.
وتحدثت تقارير للأمم المتحدة عن اعتقال ما لا يقل عن 550 شخصا منذ مطلع العام 2025، بينهم أعضاء ومؤيدون لحزب "منصة الوحدة الوطنية" المعارض. وما يزال أغلب هؤلاء المعارضين رهن الاحتجاز بتهم تتراوح بين "إثارة الشغب" و"مخالفة الأوامر القانونية" و"التحريض على العنف".
وتحدثت تقارير أممية عن نمط متصاعد من "الاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة" بما في ذلك نقل أناس في سيارات غير مميزة تُعرف محليا بـ"الدرونز" إلى مواقع احتجاز معزولة عن العالم الخارجي.