عاد طارق
رحمن، القائم بأعمال رئيس حزب
بنغلادش الوطني، الخميس، إلى البلاد بعد نحو 17 عاما قضاها في المنفى، في خطوة يراها الحزب محطة مفصلية لإعادة تعبئة أنصاره، وسط توقعات بأن يكون رحمن المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء في
الانتخابات المقررة في شباط/فبراير المقبل.
واصطف مئات الآلاف من مؤيدي الحزب على جانبي الطريق الممتد من مطار داكا إلى مكان الاستقبال الرسمي، ملوحين بأعلام الحزب وحاملين الزهور واللافتات، مرددين شعارات ترحيبية بعودة رحمن، الذي استقبل في المطار من قبل كبار قيادات حزب بنغلادش الوطني، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وفي لفتة رمزية، خلع رحمن حذاءه فور خروجه من المطار، وسار حافي القدمين على أرض بنغلادش، قبل أن يلتقط حفنة من تراب الوطن، في تعبير عن سعادته بالعودة بعد سنوات طويلة من الغياب.
ويقيم رحمن، البالغ من العمر 60 عاما، في لندن منذ عام 2008، ويشغل منصب القائم بأعمال رئيس حزب بنغلادش الوطني منذ عام 2018، وهو نجل رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء، التي تمر حاليا بوعكة صحية خطيرة.
عوائق قانونية زالت بعد سقوط حسينة
ولم يكن بمقدور رحمن العودة إلى البلاد طوال السنوات الماضية بسبب قضايا جنائية متعددة، إذ أدين غيابيا بتهم شملت غسل الأموال، وأخرى تتعلق بمؤامرة لاغتيال رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة. غير أن هذه الأحكام سقطت بعد الإطاحة بحسينة العام الماضي في انتفاضة شعبية قادها الطلاب، وهو ما أزال العقبات القانونية التي حالت دون عودته.
وكان رحمن قد كتب، قبيل عودته، على صفحته في فيسبوك أن عودته إلى بنغلادش "ليست بالكامل" بيده، في إشارة أثارت تكهنات حول احتمال وجود عراقيل سياسية أو قانونية، إلا أن الحكومة المؤقتة، برئاسة محمد يونس الحائز على جائزة نوبل، سارعت إلى التأكيد أنه "لا توجد قيود أو اعتراضات" على عودته.
دافع شخصي ومرحلة سياسية حساسة
وتحمل عودة رحمن بعدا شخصيا ملحا، إذ تعاني والدته، رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء، من حالة صحية حرجة منذ أشهر. وأفاد مسؤولون في الحزب بأنها نقلت إلى مستشفى خاص في داكا في 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بعد إصابتها بعدوى صدرية حادة أثرت على القلب والرئتين، مؤكدين أن رحمن سيتوجه لزيارتها عقب انتهاء مراسم الاستقبال.
ويأتي تدهور صحة خالدة ضياء في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لحزب بنغلادش الوطني، الذي استعاد زخمه السياسي بعد الإطاحة بالشيخة حسينة، منهيا بذلك عقودا من التناوب شبه المستمر بين الزعيمتين على رئاسة الحكومة.
مشهد سياسي متغير وانتخابات مرتقبة
وشهد المشهد السياسي في بنغلادش تحولات جذرية منذ إبعاد حسينة عن السلطة، في وقت تتجه فيه البلاد إلى انتخابات تشريعية تجرى تحت إشراف حكومة مؤقتة يقودها محمد يونس، وسط تعهدات رسمية بإجراء اقتراع حر وسلمي.
وأشار استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي، ومقره الولايات المتحدة، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، إلى أن حزب بنغلادش الوطني يتجه للفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، في ظل منافسة من حزب الجماعة الإسلامية.
غير أن مخاوف لا تزال قائمة، في ضوء الهجمات الأخيرة على وسائل الإعلام وأعمال العنف المتفرقة، ما يجعل عودة رحمن لحظة حاسمة ليس فقط بالنسبة لحزب بنغلادش الوطني، بل أيضا لمسار الانتقال السياسي الهش في البلاد.
اتهامات سابقة ومسيرة مثيرة للجدل
ورغم اعتباره مرشحا قويا لقيادة البلاد، فإن المسيرة السياسية لطارق رحمن لم تخل من الجدل، إذ ألقي القبض عليه عام 2007 بتهم فساد، ويقول إنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه. وبعد الإفراج عنه، غادر إلى لندن عام 2008 لتلقي العلاج، ولم يعد إلى البلاد منذ ذلك الحين.
وبعد سقوط حكومة حسينة، برئ رحمن من أخطر التهم الموجهة إليه، كما أُلغي حكم بالسجن المؤبد صدر بحقه غيابيا على خلفية تفجير بقنبلة يدوية عام 2004 خلال تجمع سياسي، وهي التهمة التي لطالما أنكرها.
وتعد انتخابات شباط/فبراير المقبلة الأولى منذ الانتفاضة الشعبية التي أنهت حكم الشيخة حسينة الذي استمر 15 عاما، ما يضفي على عودة طارق رحمن بعدا سياسيا يتجاوز كونه حدثا شخصيا أو حزبيا، ليصبح علامة فارقة في مستقبل بنغلادش السياسي.