ملفات وتقارير

تحالف "يوناني قبرصي إسرائيلي" لمواجهة تركيا.. مسرحه سوريا وغزة وبحر إيجه

من بحر إيجه إلى غزة.. تحالف يوناني–قبرصي–إسرائيلي ضد تركيا - الأناضول
في لحظة إقليمية شديدة السيولة، عقدت في القدس المحتلة، الاثنين، قمة ثلاثية جمعت رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، ورئيس قبرص نيكوس خريستودوليديس، في خطوة عكست تسارع وتيرة التنسيق السياسي والأمني بين الدول الثلاث، على وقع تحولات عميقة تشهدها المنطقة، مع تنامي القلق المشترك من تمدد الدور التركي على أكثر من مسرح جغرافي، من المتوسط إلى سوريا وغزة.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عبرية، ناقشت القمة ملفات إقليمية حساسة، تصدرها ملف العلاقة مع أنقرة، في ظل تباين الحسابات الاستراتيجية لكل من الاحتلال الإسرائيلي واليونان وقبرص في مقاربة النفوذ التركي المتصاعد، سواء في النزاعات البحرية وملفات الطاقة، أو في الترتيبات الأمنية المستقبلية في سوريا وقطاع غزة. 

تحالف ثلاثي في مواجهة الحضور التركي
ويأتي هذا التقارب الثلاثي في وقت تحاول فيه تل أبيب تثبيت معادلات ردع جديدة في محيطها الإقليمي، مستفيدة من شراكات أمنية ناشئة، في مقابل سعي أنقرة لتكريس حضورها كقوة إقليمية٬ لا سيما بعد تعميق علاقاتها مع الإدارة السورية الجديدة، واستعدادها للانخراط في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

وتكتسب القمة دلالات إضافية كونها الأولى من نوعها منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي ظل عزلة سياسية متزايدة يواجهها نتنياهو على الساحة الدولية، مقابل انفتاح يوناني–قبرصي متزايد على التعاون العسكري مع الاحتلال سواء في مجال تسليح الجزر، أو بحث إنشاء أطر تدخل سريع لحماية ما يسمى “البنى التحتية الحيوية” في شرق المتوسط. 

وبينما تصف تل أبيب هذا المسار بأنه ضرورة دفاعية في مواجهة “التهديدات الإقليمية”، ترى أنقرة فيه محاولة لمحاصرة نفوذها وخلق توازنات مضادة لها، ما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد وتنافس مناطق النفوذ.

وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية٬ فإن أي إطار أمني أو عسكري مشترك مع اليونان وقبرص قد يوفر لتل أبيب ما وصفته بـ"عمق استراتيجي إضافي" في مواجهة محاولات التمركز التركي في المنطقة، فيما تسعى اليونان وقبرص، وفق الصحيفة، إلى تحقيق مستوى من الردع في مواجهة ما تعتبرانه "التحدي التركي المتصاعد".



غزة.. قوات تركية محتملة ورفض تل أبيب
في قطاع غزة، تستعد تركيا لإرسال آلاف الجنود إلى قوة دولية ذات أغلبية مسلمة مدعومة من الولايات المتحدة، ضمن ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، بحسب مسؤولين أتراك نقلت عنهم وكالة بلومبرغ.

غير أن الاحتلال الإسرائيلي أعلن أكثر من مرة رفضه القاطع لمشاركة قوات تركية، إذ قالت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان إنه "لن يكون هناك جنود أتراك على الأرض في غزة".

وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن بلاده ترفض مشاركة تركيا بسبب "عداء الرئيس رجب طيب أردوغان الطويل لإسرائيل"، فيما شدد نتنياهو على أن تل أبيب وحدها من يحدد القوات "غير المقبولة" لديها.


مقاتلات "إف35" والضغوط الأمريكية
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، أعلن وزير الدفاع التركي يشار غولر أن الاحتلال الإسرائيلي واليونان يمارسان ضغوطا على الولايات المتحدة لمنع تزويد تركيا بمقاتلات "إف35".

وقال غولر إن أنقرة تواصل العمل لإلغاء عقوبات "كاتسا" المفروضة عليها بسبب شراء منظومة "إس400" الروسية. وأضاف: "نحن أيضًا نوقّع اتفاقيات مع العديد من الدول، لكننا لا نبرمها ضد أي دولة بعينها".

قمة ثلاثية تتجاهل الواقع وتشوه التاريخ
يرى الأكاديمي التركي٬ ورئيس مركز الدراسات الدولية للأزمات (USKAM) البروفيسور إسماعيل شاهين، أن القمة الثلاثية بين الاحتلال الإسرائيلي واليونان وقبرص لم تقتصر على أبعادها العسكرية والسياسية فحسب، بل تحمل كذلك أبعادا سردية واستراتيجية في بناء الإطار المعرفي والسياسي للعمل المشترك.

ويشير شاهين في تحليل سياسي لوكالة "الأناضول"٬ إلى أن الخطاب الإعلامي الرسمي للقادة الثلاثة اتسم بمحاولة ترويج القمة على أساس تاريخي وثقافي، من خلال تقديم القدس وأثينا على أنهما "أساس الحضارة الغربية"، وتسليط الضوء على كون هذه الدول تستضيف "شعوبا قديمة"، وقد خضعت لمراحل تاريخية من الفتوحات والإمبراطوريات قبل أن تنال استقلالها في العصر الحديث. 

هذه السردية، بحسب شاهين، تهدف إلى منح المشروع الثلاثي شرعية ثقافية وتاريخية، لكن بصورة مشوهة ومختزلة للواقع.

ويضيف أن هذا الخطاب يتجاهل تاريخ المنطقة متعدد الطبقات، فمدينة القدس تمثل إرثا مشتركا للإسلام والمسيحية الشرقية واليهودية، بينما يتم استخدام التراث الإغريقي القديم في أثينا لأغراض تسويغ المطالب الجيوسياسية الحالية، وهو ما يطرح قضية إقصاء الشعوب الأخرى في المنطقة مثل الفلسطينيين والأتراك والعرب من الحسابات السياسية الرسمية، ويجعل القمة وكأنها ترتيب طبيعي "يضع المنطقة تحت سيطرة الدول الثلاث".

ويؤكد شاهين أن المقارنة بين تجارب استقلال الاحتلال واليونان وقبرص تغفل الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل دولة، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعمليات الاحتلال والتهجير الجماعي، وهو ما يغلق الباب أمام تحليل شامل للتحديات الواقعية على الأرض.

في هذا السياق، يرى شاهين أن التحالف الثلاثي يسعى إلى محاصرة النفوذ التركي في شرق المتوسط، عبر مشاريع مشتركة للطاقة والتسليح العسكري، لكنه يذهب إلى أن إغفال الدور الجيوسياسي والتاريخي والاستراتيجي لتركيا في المنطقة يجعل من هذه الجهود محل شك في قدرتها على إنتاج استقرار دائم. فالقوة الجماعية وحدها، من دون الاعتراف بالحقائق الواقعية للمنطقة ووزن اللاعبين الأساسيين، قد تفضي إلى تصعيد التوترات بدلا من خلق بيئة سلام واستقرار.