اتفاق غزة بين النصوص والواقع الميداني

عزات جمال
" نتحدث عن حوادث منفصلة، بل عن سياسة يومية متبعة في أرجاء القطاع المحاصر"- الأناضول
" نتحدث عن حوادث منفصلة، بل عن سياسة يومية متبعة في أرجاء القطاع المحاصر"- الأناضول
شارك الخبر
كثيرة هي وسائل الموت، وأدوات الإبادة والتجويع التي لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يستخدمها ضد السكان المدنيين المحاصرين في قطاع غزة، متجاهلاً اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، والذي نصّ على إلزام الأطراف بوقف إطلاق النار.

إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي أبعد ما يكون عن الالتزام ومراعاة ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، ومن أبرز تجليات هذا التنصل والاستخفاف استمرار إطلاق النار في كل وقت وحين.

وهنا لا نتحدث عن حوادث منفصلة، بل عن سياسة يومية متبعة في أرجاء القطاع المحاصر، تمتد جغرافياً على طول الحدود الشرقية والشمالية. هذه النيران تتسبب يومياً بسقوط شهداء وجرحى، وتبث حالة من الرعب، خاصة في المناطق المجاورة لما بات يُعرف بمنطقة "الخط الأصفر"، فضلاً عن عموم القطاع، في ظل تقلص المساحة المتاحة للسكان بعد استيلاء الاحتلال الإسرائيلي على مساحة واسعة من أرض غزة ورفضه الانسحاب منها.

الواقع الميداني يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي أبعد ما يكون عن الالتزام ومراعاة ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، ومن أبرز تجليات هذا التنصل والاستخفاف استمرار إطلاق النار في كل وقت وحين

وتؤكد الأرقام حجم هذه المأساة؛ إذ بلغ عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في هجمات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء وقف إطلاق النار 1580 شهيداً، وفق ما نشره مكتب الإعلام الحكومي حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كما صدر تحذير عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" من استمرار سقوط الأطفال ضحايا لهذه الهجمات، معلنةً ارتقاء ثمانية أطفال وإصابة عشرين آخرين خلال ستة أيام فقط من شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وهي أرقام تؤكد أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لم يضع حداً لنزيف الدماء، ولم يضمن الحماية للمدنيين، بمن فيهم الأطفال.

إن إطلاق النيران في منطقة تُعد من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، وفي ظل وجود ما يزيد على نصف السكان في أماكن غير محمية. ونحن هنا نتحدث عن خيام من الأقمشة والبلاستيك، لا يُعدّ فقط انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بل يمثل عقاباً جماعياً وإمعاناً في القتل والترويع للآمنين، بعدما شهدوا أبشع حرب إبادة عرفها التاريخ المعاصر.

وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقاريره العديدة المنشورة هذه الاعتداءات، وحذّر من استمرار سقوط الضحايا جراء هجمات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، مؤكداً أن قتل المدنيين يشكّل جريمة حرب. وهذا ما يضع العالم وحكوماته والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم القانونية والإنسانية، ليس فقط في توثيق الانتهاكات، وإنما في العمل على وقفها ومحاسبة المسؤولين عنها.

إن استمرار هذا الواقع المأساوي ينذر بسقوط المزيد والمزيد من الضحايا الأبرياء، إضافة إلى ما يفرضه من خوف ورعب على السكان وعائلاتهم التي تلتمس الأمن والأمان بعدما أنهكتهم حرب الإبادة والتجويع.

فما قيمة اتفاق وقف إطلاق النار إذا ظل المدنيون عرضة للرصاص والقصف، وإذا بقيت العائلات الفلسطينية تعيش تحت تهديد الموت في خيامها ومناطق نزوحها؟ إن وقف إطلاق النار لا يُقاس بتوقيع الاتفاقيات والإعلان عنها، وإنما بمدى الالتزام بها وانعكاسها على حياة الناس، وضمان حقهم في الأمن والأمان والحياة الكريمة. فمتى نشهد مساعي حقيقية لمحاسبة الاحتلال وإجباره على الالتزام؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)