الاقتصاد لا يُدار بالمنتديات

أشرف دوابة
"تقييم أثر السياسات على معيشة المواطن، هو الأجدر بأن يكون نقطة البداية"- عربي21
"تقييم أثر السياسات على معيشة المواطن، هو الأجدر بأن يكون نقطة البداية"- عربي21
شارك الخبر
تنعقد في مصر هذه الأيام فعاليات "منتدى مصر 2026"، خلال الفترة من 19 إلى 24 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، لمناقشة قضايا اقتصادية وتنموية، في مقدمتها موارد النقد وإدارة الدين، والاستثمار والإنتاج وفرص العمل، والطاقة والبرنامج الاقتصادي حتى عام 2030، وأثر السياسات على معيشة المواطن. وهي عناوين مهمة، لكنها تثير سؤالاً أكثر أهمية: هل يحتاج الاقتصاد المصري إلى منتدى جديد، أم إلى مراجعة جذرية للسياسات والأولويات وطريقة إدارة موارد الدولة؟

لقد شهدت مصر مؤتمرات اقتصادية عديدة، أبرزها مؤتمر شرم الشيخ عام 2015، الذي صاحبته وعود كبيرة بالاستثمارات والمشروعات وفرص العمل. ومع ذلك لا تزال الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري قائمة، وتتفاقم أعباء الديون والمعيشة. فأين ذهبت وعود المؤتمرات السابقة؟ وماذا تحقق منها؟ ولماذا تتكرر المشكلات نفسها رغم توالي الحديث عن الإصلاح والإنجاز؟

إن الاقتصاد لا يُدار بالمنتديات، ولا تُبنى الدول بالكلمات والتوصيات، وإنما بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، والسياسات الرشيدة والشفافية والمساءلة. ولا اعتراض على الحوار، لكن الحوار يفقد قيمته حين يتحول إلى مناسبة للاستهلاك الإعلامي، أو وسيلة لإعادة تسويق السياسات نفسها دون مراجعة أسباب إخفاقها ومحاسبة المسؤولين عنها.

لا اعتراض على الحوار، لكن الحوار يفقد قيمته حين يتحول إلى مناسبة للاستهلاك الإعلامي، أو وسيلة لإعادة تسويق السياسات نفسها دون مراجعة أسباب إخفاقها ومحاسبة المسؤولين عنها

ويأتي محور "موارد النقد وإدارة الدين" في المنتدى ليكشف جانباً من المأزق الاقتصادي المصري، بعدما أصبحت إدارة الديون واستحقاقاتها محوراً رئيساً للسياسة الاقتصادية، حتى بدا الاقتصاد وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الاقتراض والسداد وإعادة الاقتراض. فالاقتراض ليس عيباً اقتصاديا إذا وُجّه لتمويل التنمية، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح وسيلة لترقيع الاختلالات، وتدبير استحقاقات الديون السابقة بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية قادرة على خلق الثروة. والأخطر أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مطالبة بسداد التزامات لم تشارك في اتخاذ قراراتها، بينما تحمل الجيل الحالي بالفعل أعباء تفوق طاقته.

أما محور الاستثمار المنتج والصناعة وفرص العمل، فيصطدم بتناقض بين الأهداف المعلنة والواقع الاقتصادي. فكيف يمكن الحديث عن منافسة عادلة في ظل التوسع الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وما تتمتع به بعض كياناتها من امتيازات لا تتوافر للمستثمر المدني؟ وكيف ينمو القطاع الخاص في سوق لا تتكافأ فيها شروط المنافسة؟ وتزداد الإشكالية مع استخدام المجندين في بعض الأنشطة الاقتصادية والخدمية، بما يثير تساؤلات حول عدالة المنافسة وتكلفة العمل وحقوق العاملين. إن دور الجيش الأصيل حماية الوطن، لا مزاحمة المستثمرين في الأنشطة المدنية.

ولا يمكن فصل الاستثمار عن المناخ السياسي؛ فالاقتصاد لا ينمو نمواً صحياً ومستداماً في ظل الكبت والاستبداد وتقييد الحريات. وكيف يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية بينما تقبع عقول مفكرة وأصحاب خبرات خلف القضبان بسبب آرائهم، ويعيش آخرون خارج وطنهم بعدما ضاقت أمامهم مساحات الحرية والمشاركة؟ إن إقصاء الكفاءات واستنزاف رأس المال البشري خسارة اقتصادية قبل أن تكون قضية سياسية. فالحرية ليست ترفاً، وإنما ضرورة لكشف الأخطاء وتصحيح السياسات ومحاسبة المسؤولين، ولا يكفي فتح أبواب منتدى لأيام معدودة بينما تظل أبواب المشاركة الحرة موصدة.

ويفتح محور الطاقة والبرنامج الاقتصادي حتى عام 2030 باباً للتساؤل عن جدوى الخطط والاستراتيجيات المتعاقبة، في ظل الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. فالطاقة عنصر أساسي في تكلفة الإنتاج والمعيشة، وأي اختلال في إدارتها ينعكس على تنافسية الصناعة وأسعار السلع والخدمات. فما قيمة البرامج الاقتصادية إذا لم تتضح آليات تنفيذها، وكيفية توزيع أعبائها وعوائدها، ومن يحاسب المسؤولين عن إخفاقها؟

أما تقييم أثر السياسات على معيشة المواطن، فهو الأجدر بأن يكون نقطة البداية. لقد تحول الخطاب الاقتصادي الرسمي إلى مطالبة المواطن الدائمة بالصبر والتحمل والتضحية، فإلى متى يتحمل المواطن ارتفاع الأسعار والضرائب والرسوم وتآكل دخله؟ إن الأصل ليس أن يتحمل المواطن إخفاقات الحكومة، وإنما أن تتحمل الحكومة مسؤولية إدارة الاقتصاد بكفاءة، وتوفير الغذاء والمسكن والعلاج والتعليم والعمل والحياة الكريمة. فالحكومة وُجدت لخدمة المواطن، وليس المواطن لخدمة الحكومة.

الإصلاح يبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد للإنتاج، والحد من الاستدانة غير المنتجة، وإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على الأنشطة الاقتصادية المدنية، وإطلاق الحريات، والإفراج عن سجناء الرأي، وإخضاع القرارات الاقتصادية للمساءلة

ولا يجوز أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف التي تُلقى على كاهلها أعباء الأزمات، بينما تظل القرارات الكبرى وأولويات الإنفاق بعيدة عن المساءلة. فثروات الوطن وموارده ملك لجميع أبنائه، وليست حكراً على فئات أو مؤسسات بعينها، والعدالة الاقتصادية تقتضي الإنصاف في توزيع الفرص والأعباء والعوائد.

إن الوطن ليس مجرد تراب يُقبّل، ولا شعارات تُرفع، وإنما كرامة مصونة وحقوق مكفولة وحريات محترمة وحياة كريمة. والوطن الذي تضيق فيه سبل العيش وتُهدر فيه الطاقات وتُقيّد فيه الحريات، قد يتحول في وجدان أبنائه إلى غربة وهم يعيشون على أرضه. فالانتماء الحقيقي تعززه العدالة والكرامة، لا الخطب والشعارات.

إن مصر لا تعاني نقصاً في الموارد والعقول والإمكانات، وإنما خللاً في إدارتها وتوظيفها. والإصلاح يبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد للإنتاج، والحد من الاستدانة غير المنتجة، وإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على الأنشطة الاقتصادية المدنية، وإطلاق الحريات، والإفراج عن سجناء الرأي، وإخضاع القرارات الاقتصادية للمساءلة.

والسؤال الذي ينبغي أن يسبق المنتدى ليس عن عدد المشاركين والتوصيات، وإنما عن الاستعداد الحقيقي لتغيير السياسات التي أفضت إلى الأزمة. أما إذا استمرت السياسات ذاتها، فلن يكون المنتدى إلا حلقة جديدة من الوعود، بينما تتراكم الأزمات وتُرحّل أعباؤها إلى الأجيال القادمة.

فالاقتصاد مرة أخرى لا يُدار بالمنتديات، والوطن لا يُبنى على أكتاف مواطن أنهكته الأعباء، وإنما بحكومة تتحمل مسؤولياتها، واقتصاد يخدم الإنسان، لا إنسان تُستنزف حياته لخدمة اقتصاد لا يرى ثماره.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)