في الذكرى الثالثة لحرب الإبادة الدموية
الإسرائيلية بحق 2.1 مليون فلسطيني في قطاع
غزة، والتي تحل الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، يثار التساؤل حول دور
مصر الجارة الغربية للقطاع خلال عامين من القصف الوحشي، وهل كان بإمكانها وقف حرب الإبادة تلك منذ بدايتها؟، وهل الشقيقة الكبرى كانت في وضع: العاجزة أم المتواطئة أم الخائفة؟.
الصورة الرسمية لمصر عقب "طوفان الأقصى"، بدت رافضة للحرب ولمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية، وداعية لتقديم المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، ودعم جهود الوساطة مع قطر والولايات المتحدة.
كما استضافت في وقت مبكر من الأزمة وبعد أسبوعين من "طوفان الأقصى"، قمة "القاهرة للسلام" بالعاصمة الجديدة وبحضور 30 دولة في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كما أنها ومع اجتياح إسرائيل محور "صلاح الدين" وغلق "معبر رفح" في أيار/مايو 2024، انضمت القاهرة لدعوى جنوب إفريقيا القضائية ضد إسرائيل أمام "محكمة العدل الدولية".
كما بدت المواقف المعلنة لرئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، مؤكدة على رفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء بعد 10 أيام من الحرب وفي 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023، الأمر الذي أعاد على تأكيده مرارا، ومنه أمام ضباط الجيش المصري 9 آذار/مارس 2024، وخلال القمة المصرية الأوروبية في 17 آذار/مارس 2024، وغيرها.
اظهار أخبار متعلقة
إلا أنه وطوال فترة الحرب التي امتدت لعامين على قطاع غزة، نقلت صحف ووسائل إعلام غربية مثل "بي بي سي"، و"رويترز"، و"لوموند" و"الغارديان" اتهامات وانتقادات فلسطينيين ومنظمات حقوقية، للسلطات المصرية، حول فرض رسوم باهظة على عبور الفلسطينيين العالقين والمرضى من معبر رفح البري (المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم).
ونقلت تحقيقات صحفية أجنبية شكاوى فلسطينيين تم إجبارهم على دفع مبالغ مالية باهظة تراوحت بين 5 و10 آلاف دولار مقابل عبور فرد واحد لشركة "هلا" التابعة لرجل الأعمال السيناوي إبراهيم العرجاني، القريب من جهات سيادية مصرية.
ثاني الانتقادات جاءت من بعض الأوساط الفلسطينية والحقوقية لتقول بفرض السلطات المصرية قيودا على دخول المساعدات أيضا، أو البطء في إدخالها وتنفيذ الشروط الإسرائيلية، مما أدى إلى تكدس مئات الشاحنات لأسابيع على الجانب المصري، بينما كان أهالي القطاع يعانون مع المجاعة، الأمر الذي تبعه اتهامات بأن السياسات الأمنية المصرية ساهمت في إحكام العزلة التي تفرضها إسرائيل على القطاع.
اظهار أخبار متعلقة
أيضا، اتهمت منظمات دولية مثل "صحفيون بلا حدود" السلطات المصرية بفرض تعتيم إعلامي على غزة، بإغلاق المعبر أمام الصحفيين الدوليين، ليأتي الرد الرسمي المصري، مؤكدا أن المعبر لم يُغلق قط من الجانب المصري منذ بداية الأزمة، وأن التعطيل كان ناتجا عن القصف الإسرائيلي المتكرر للجانب الفلسطيني من المعبر أو رفض إسرائيل التنسيق مع مصر بعد سيطرتها العسكرية على المعبر في أيار/مايو 2024.
ونتيجة لقصف إسرائيلي لم يتوقف طوال عامين وبدعم أمريكي، وصمت دولي، استشهد أكثر من 74 ألف شهيد، بين طفل وامرأة ومسن، محيت من خلالهم عائلات بأكملها من السجل المدني، ليتعدى أعداد المصابين 175 ألف جريح، يعاني الآلاف منهم من إعاقات كاملة وحالات بتر للأطراف، إضافة إلى ما يفوق 11 مفقود لا يزالون مدفونين تحت ركام المباني والمنازل المهدمة.
وذلك إلى جانب التهجير القسري لـ90 بالمئة من سكان القطاع (قرابة مليوني فلسطيني)، يعيش أغلبهم في مخيمات ومراكز إيواء، بعد أن دمرت الآلة العسكرية للاحتلال بشكل كامل أكثر من 268 ألف وحدة سكنية، وتضرر مئات الآلاف من الوحدات الأخرى، مع مسح أحياء ومخيمات كاملة، وتدمير البنية التحتية من شبكات المياه والكهرباء والطرق والمشاريع الزراعية، ونحو 80 بالمئة من المدارس والمؤسسات التعليمية، ومئات المستشفيات والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية، فيما تقدر تكلفة إعادة الإعمار بـ70 مليار دولار.
ورغم أنه أُعلن عن هدنة ووقف إطلاق النار، وانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025 من مدينة شرم الشيخ المصرية برعاية أمريكية ومصرية وقطرية وتركية، إلا أنه لم تنتهِ الحرب في قطاع غزة بشكل تام أو شامل حتى الآن، حيث تواصل الآلة العسكرية الإسرائيلية عملياتها وخروقاتها وتواجدها العسكري في القطاع رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على "طوفان الأقصى".
والسؤال: هل كان بإمكان مصر وقف حرب الإبادة تلك منذ بدايتها؟، وهل الشقيقة الكبرى كانت في وضع: العاجزة أم المتواطئة أم الخائفة؟.
"الواقع أكثر تعقيدا"
وفي إجابته قال الكاتب الصحفي محمد الشبراوي: "هناك نقطة أريد التأكيد عليها، وهي: أعتقد أن السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة قبل الإجابة؛ لأن اختزال الموقف المصري في توصيفات عاجزة أم متواطئة أم خائفة يفترض مسبقًا أن أحد هذه التوصيفات الثلاثة هو التفسير الصحيح، بينما الواقع أكثر تعقيدًا".
الباحث المصري في الشؤون المصرية والإقليمية والدولية أكد في حديثه لـ"عربي21"، أن "مصر لم تكن تملك منفردةً القدرة على وقف الحرب، فالقرار العسكري والسياسي كان في الأساس بيد دولة الاحتلال الإسرائيلي، مع دعم سياسي وعسكري أمريكي واضح؛ إضافة إلى ذلك، كانت قدرة أي طرف إقليمي على فرض وقف الحرب محدودة للغاية، لذلك لا أرى أن القول إن مصر كان بإمكانها وقف الحرب يمكن إثباته بهذه البساطة".
ومن ناحية أخرى، أوضح أن "مصر لم تكن بلا أدوات تأثير؛ فموقع مصر الجغرافي، وحدودها مع غزة، ومعبر رفح، وعلاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، فضلًا عن دورها في الوساطة بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية، منحتها أوراقًا مهمة للتأثير في مسار الحرب، والمساعدات، والمفاوضات".
اظهار أخبار متعلقة
ويرى أنه "من هنا يصبح من المشروع السؤال عن حجم ما استخدمته القاهرة من هذه الأدوات، وعن حدود الضغط الذي مارسته، وعن كيفية توظيفها لأدوات التأثير المتاحة خلال الحرب".
ليست متواطئة ولا خائفة
وأكد أن "الانتقال من ذلك إلى وصف مصر بأنها متواطئة أمر لا يستقيم، ويحتاج إلى أدلة على وجود مشاركة أو تعمد في تمكين الحرب، وهو استنتاج مختلف تمامًا عن القول إن أداءها كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا؛ كما أن وصف القاهرة بأنها كانت خائفة فهو تفسير لدوافع القرار المصري، ولا أعتقد أن الوقائع المتاحة علنًا تكفي للجزم بهذا الوصف".
وذهب للقول: "لذلك، إذا أردنا توصيفًا موضوعيًا، فأنا لا أضع مصر أبدا في أي من الخانات الثلاث بصورة مطلقة، الأدق هو القول إن مصر كانت تملك أدوات تأثير حقيقية، لكنها لم تكن تملك وحدها قرار وقف الحرب، ويبقى النقاش الحقيقي حول مدى استخدام هذه الأدوات، وحدود قدرتها على الضغط، وما هي الحدود الفعلية لهامش التأثير الذي كان متاحًا لها في مختلف مراحل الحرب".
وختم حديثه مؤكدا أنه "بالتالي فالسؤال الأهم بالنسبة لي هو: ما الذي كان بإمكان مصر أن تقوم به فعليًا، وما الذي قامت به بالفعل، وما حدود قدرتها على التأثير في قرار الحرب ومسارها؟، هذا هو السؤال الذي يمكن أن يسمح بتقييم الدور المصري بعيدًا عن الأحكام المسبقة".
الإرادة السياسية حال وُجدت
وفي رده على سؤال "عربي21"، يرى استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، أن "الإرادة السياسية العامل الأهم في اجابة السؤال المطروح"، مبينا أن "الإرادة السياسية عامل مستقل وحاسم في تحويل أدوات الدولة إلى نفوذ فعلي"، مؤكدا على أن "الحالة الأوضح هي بالفعل أزمة غزة عام 2012 في عهد الرئيس محمد مرسي".
وأشار إلى أنه "في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وبعد 8 أيام من القتال، نجحت الوساطة المصرية في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية؛ والأهم أن الأمر لم يكن مجرد إعلان مصري؛ فقد أشادت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون علناً بـ(القيادة الشخصية) لمرسي في خفض التصعيد وإنهاء العنف، كما شكره الرئيس باراك أوباما حينها على جهوده".
ولفت إلى أن "نص (اتفاق 2012) جعل مصر راعية الاتفاق وضامنة لمتابعة التزام الطرفين به، ونص على وقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية والفلسطينية وفتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع".
كان بإمكانها.. ولكن
ومما سبق خلص زويل للقول: "نعم، كان بإمكان مصر أن تؤثر في مسار الحرب بدرجة مهمة، وربما أن تساهم في وقفها في مراحل معينة؛ لكن القول إن مصر كانت قادرة بمفردها على وقف الحرب منذ اليوم الأول يتجاوز ما تسمح به موازين القوة والوقائع.
وقال إن "التمييز هنا مهم جداً"، وتساءل: "هل كانت مصر تمتلك أدوات ضغط؟"، ليجيب: "نعم"، ويوضح أن "مصر كانت طرفاً مركزياً بحكم موقعها وحدودها مع غزة، وعلاقاتها بإسرائيل والولايات المتحدة واتصالاتها مع حماس ودورها التاريخي في الوساطة، وهذا الدور لم يكن شكلياً؛ فقد شاركت القاهرة مع الدوحة وواشنطن في مفاوضات وقف إطلاق النار ووصلت هذه الجهود لاحقاً إلى اتفاق كانون الثاني/يناير 2025".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف: "كما أن واشنطن نفسها كانت تعتمد على القاهرة في إدارة جانب مهم من ملف غزة، ومصر كانت تمتلك أوراقاً تجاه الأطراف الفلسطينية والإقليمية فضلاً عن موقع رفح والمساعدات الإنسانية".
واستدرك متسائلا: "لكن هل تستطيع مصر (إجبار) إسرائيل على وقف الحرب؟"، ليجيب بقوله: "نعم، إن أرادت"، و"لا، إن لم تكن تملك قرارها وتستقل به منفردة"، مؤكدا أن "هذه هي النقطة التي يجب ألا نغفلها".
ولفت إلى أن "إسرائيل كانت صاحبة التفوق العسكري، وكانت تحصل على دعم سياسي وعسكري أمريكي وأوروبي واسع، ولذلك فإن القدرة على إجبار إسرائيل على وقف الحرب كانت تتطلب ضغطاً أمريكياً ودولياً كبيراً وليس مجرد قرار مصري".
وألمح إلى أنه "حتى مفاوضات وقف إطلاق النار التي شاركت فيها مصر وقطر والولايات المتحدة ظلت تتعثر بسبب الخلافات بين إسرائيل وحماس حول الانسحاب والرهائن، والضمانات، ومستقبل الحرب".
واستدرك مرة أخرى بقوله: "لكن هنا تبدأ المساءلة الحقيقية، إذا كان السؤال: هل كان بإمكان مصر وقف الحرب وحدها؟، فالجواب الأقرب للواقع المرير في ظل نظام مصري خاضع: لا، أما إذا كان السؤال: هل كان بإمكان مصر أن تفعل أكثر مما فعلت للضغط من أجل وقف الحرب وتقليل كلفتها الإنسانية؟، فالجواب: نعم".
وختم زويل، حديثه موضحا أن "امتلاك مصر لدور الوسيط المؤثر، وعلاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، وموقعها الجغرافي، جعل لديها هامشاً من أدوات التأثير؛ وقد استخدمتها بالفعل في ملفات التفاوض والمساعدات والتهدئة، لكن مقدار الضغط الذي كان يمكن استخدامها به، وحدوده، وما إذا كانت هناك أدوات إضافية قابلة للاستخدام، كلها مسائل تحتاج إلى تقييم مستقل لا إلى افتراض مسبق".