سيرك إسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحدة

حسام شاكر
جيتي
جيتي
شارك الخبر
غريبة هي الأشياء التي اعتادت قيادة الاحتلال الإسرائيلي استعراضها فوق أبرز منصات الحديث الدولية، لكنّ ما أقدم عليه بنيامين نتنياهو في صعوده الأخير (25 سبتمبر/ أيلول 2026) فاق كل التوقعات.

ظهر المطلوب الأبرز للمحكمة الجنائية الدولية لإلقاء خطابه السنوي في دورة الجمعية العامة الحادية والثمانين حاملاً لوح استقبال فضائي، وبلغ به الأمر أن استعرض أداة تفجير تقنية على مرأى من العالم تبدو في هيئة جهاز اتصال محمول باليد.

ليس الأمر جديداً تماماً، فقد اعتاد نتنياهو سنة بعد سنة ممارسة فنون بهلوانية على منصّة الجمعية العامة للأمم المتحدة، فحمل إلى نيويورك في كلّ مرّة لوحات وصوراً ورسوماً دعائية مضامين مشفوعة بحبكات استعراضية مثيرة. لكنّ منصّة الحديث الدولية الأبرز لم تشهد حتى سبتمبر/ أيلول 2026 إبراز طبق استقبال فضائي على هذا النحو، ولا أن يجترئ ممثل دولة عضو على حمل أداة تفخيخ ظاهرة للعيان والتباهي بها.

صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي المنصة مستخدماً طبق "ستارلينك" ستاراً للاختباء خلفه من أنظار الاتهام العالمية التي توقّع مسبقاً أن تفارق القاعة الأممية كما فعلت معه في السنة المنصرمة، فعزم هذه المرّة على إخراج ما تبقى من أرانب من قبّعته السحرية، ليصرف الأنظار بها عن مدى الحرج البالغ الذي يتملّكه وهو يخاطب قاعة فارغة، دون أن يكفّ عن نزعته الاستعراضية المعهودة المشبّعة بالغطرسة والاستفزاز.

يعلم رئيس الوزراء الإسرائيلي أنّ أسلوبه هذا لا يتأهّل لإقناع العالم الذي يرى الواقع على الأرض، فمجرم الحرب الشهير ليس منشغلاً أساساً بكسب العقول والقلوب واستمالة ضمائر الأمم التي هالتها فظائع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وحقائق الاحتلال والاستيطان والغطرسة. أراد نتنياهو إشغال العالم بسردية مغايرة تماماً أتى بها من هوامش الواقع؛ أي قيود إيران الداخلية على تقنية الاستقبال الفضائية هذه، على أمل التعمية على الواقع الذي يشاهده العالم كلّه، متغاضياً بالطبع عن قيود شاملة يفرضها نظام الاحتلال والإبادة على "ستارلينك" في قطاع غزة مثلاً.

من مغزى هذه الإطلالة الاستعراضية أن يظهر المسؤول الإسرائيلي الأبرز في هيئة المتحدث بثقة بالغة وأنه ما زال قادراً على صناعة الحدث ونَظم الإيقاع مثل المايسترو والتحكّم بالسردية الدولية، فهو خطاب انتخابي داخلي أساساً، رغم أنه شوهد من جديد معزولاً وهو يخطب في القاعة العالمية التي فرغت معظم مقاعدها اعتراضاً على ظهوره، بينما انهمك الوفد الإسرائيلي بالتصفيق الحارّ له وقوفاً. ما يهمّ نتنياهو أن يظهر مجدداً في صور تختطف الأنظار وتكتسح صدارات الإعلام العالمي، من خلال مشهد استثنائي أخّاذ مع لوح استقبال فضائي على منصّة الجمعية العامة، يا لها من إثارة!.


حدّد نتنياهو عبر سنوات متلاحقة معالم المدرسة الإسرائيلية المتأخرة في مخاطبة المجتمع الدولي، التي لا تنفكّ عن الاستعراض المبالغ به والغطرسة والاستفزاز وإلقاء مواعظ أخلاقية، بعيداً عن تقاليد الرصانة ولباقة العبارة، علاوة على حشد اتهامات محبوكة تُطلق في وجه المجترئين على التذكير بالحقوق والعدالة والقانون الدولي، ومنهم زهران ممداني عمدة المدينة التي تحتضن مقرّ العمل الدولي الأبرز.

يلتزم ممثلو "دبلوماسية" الاحتلال تعليمات مدرسة نتنياهو الاستعراضية في إطلالاتهم، ومنهم السفير داني دانون الذي ظهر في مقطع مرئي وهو يتبختر في ممرّات الجمعية العامّة بمعيّة كاميرا هاتف حملها أحد مرافقيه خلال جولة تحرّش لفظي استثنائي بالوفد الإيراني. حمل المُشاغِب دانون، هو الآخر، لوح "ستارلينك" ذاته، وألحّ على الوفد الإيراني في أخذه إلى طهران. إنّ هذا الاستفزاز الواضح مكرّس في الحقيقة لإظهار الموقف الإسرائيلي المعزول دولياً في هيئة واثقة بالذات وكأنّ لديه ما يقوله ويبادر به على مرأى من العالم، وأنّه ما زال مقتدراً على إلقاء مواعظ عن القيم وحرية التعبير، وأنه يواصل صناعة الأحداث وإشغال العالم بحكايات مثيرة؛ كأنّ إبادة جماعية لم تقع في غزة على رؤوس الأشهاد. لا يكفّ دانون عن أسلوب الغطرسة والاستفزاز حتى بحقّ شخصيات دولية، إلى درجة نعت فيها ممثل "الدبلوماسية الإسرائيلية" مقررة حقوق الإنسان الخاصة بالأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بأنها "ساحرة" بعد أن قدّمت تقريرها للجنة تابعة للجمعية العامة عن الإبادة الجماعية في غزة (28 أكتوبر/ تشرين الأول 2025). هاجم دانون ألبانيزي يومها بالقول: "أنت ساحرة، وهذا التقرير صفحة أخرى في كتاب تعاويذك".

لا جديد في الأمر، فقد اعتاد ممثلو "الدبلوماسية الإسرائيلية" شنّ هجمات لفظية حادّة على ممثلي الأمم المتحدة ذاتها، كما فعل مندوب إسرائيل السابق جلعاد إردان في هجماته المتكررة على أمين عام المنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش، فقال مثلاً إنه "فقد بوصلته الأخلاقية" (نوفمبر/ تشرين الثاني 2023)، واتهمه بـ"التعامي عن الإرهاب" (يناير/ كانون الثاني 2024)، وذهب إلى حد القول "إنّ الوحيد الذي ينبغي إدخاله القائمة السوداء هو الأمين العام الذي يشجِّع الإرهاب، الذي قراراته مدفوعة بالكراهية لإسرائيل" (يونيو/ حزيران 2024).

أمّا السابقة الدولية الأهمّ التي حملتها القيادة الإسرائيلية إلى منصّة الجمعية العامة في أعمال الدورة الحادية والثمانين فتمثّلت في إبراز نموذج من جهاز تفجير فتّاك والتباهي به على مرأى من العالم. استعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي أحد منجزات دولته، المتمثلة في تفخيخ أجهزة الاتصالات وتحويلها إلى أدوات قتل وإعاقة وإصابة على نطاق واسع لم يشهده العالم. أخرج نتنياهو جهاز "البيجر" من جيبه وتفاخر به، مستعرضاً قدرات الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على الاختراق التقني الفتّاك، غير مكترث بحقيقة أنّ هذه الأداة تحديداً تسبّبت في قتل وجرح وتشويه وترويع أطفال ونساء على نطاق واسع في لبنان.

ألمح نتنياهو في إطلالته هذه إلى تمادي قيادة الاحتلال الإسرائيلي في استغلال التقنيات المتاحة لأهداف السيطرة والاستهداف والقتل والتدمير، وهي رسالة "إنجاز" انتخابية موجّهة إلى الجمهور الإسرائيلي أساساً. ما لم يتفوّه به مجرم الحرب في هذا الموقف أنّ ما تبتكره البشرية من تطوّرات تقنية واتصالية وبرمجية يجري التسابق إلى تسخيره في خدمة برنامج الاحتلال والسيطرة والقهر والإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتسارع في فلسطين. لم يلتفت المجتمع الدولي بعد إلى حقيقة توظيف الذكاء الاصطناعي في اقتراف جرائم حرب على نحو غير مسبوق، وهذا بعض ما كشفت عنه تقارير وشهادات، منها الفيلم الوثائقي "نازا" الذي صنعه إسرائيليان حصلا بموجبه على جائزة تقديرية من مهرجان البندقية السينمائي مؤخراً وأوضح تفاصيل عملياتية دقيقة جرت في هذا الشأن.

لا ينبغي لجولات الاستفزاز والغطرسة التي يقدِّمها قادة الاحتلال الإسرائيلي في الأروقة الدبلوماسية أن تفاجئ المجتمع الدولي، طالما أنّه ما زال يسمح لمن داسوا المواثيق الإنسانية والقانون الدولي بالأقدام بأن يعتلوا منصّات الحديث الأبرز والمجاهرة بإلقاء الخطابات الاستعراضية من فوقها، بدل الزجّ بهم في أقفاص العدالة الدولية.

ترجمة خاصة إلى العربية عن "ميدل إيست مونيتور"


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)