إضراب المعلمين في ليبيا.. نقاط على الحروف

السنوسي بسيكري
قطاع التعليم هو الأكبر في الجهاز الحكومي من حيث عدد العاملين، إذ يضم قرابة 650 ألف كادر، وهو ما يمثل نحو ثلث القوة العاملة في البلاد.. إكس
قطاع التعليم هو الأكبر في الجهاز الحكومي من حيث عدد العاملين، إذ يضم قرابة 650 ألف كادر، وهو ما يمثل نحو ثلث القوة العاملة في البلاد.. إكس
شارك الخبر
أضرب عشرات الآلاف من المعلمين في ليبيا وامتنعوا عن التدريس، ويمر الأسبوع الثاني بعد الإعلان عن بدء العام الدراسي والمدارس العامة معطلة، ويطالب المعلمون برفع مرتباتهم وصرف الفروقات المالية الخاصة بهم وتنفيذ الميزات الممنوحة لهم.

قطاع التعليم هو الأكبر في الجهاز الحكومي من حيث عدد العاملين، إذ يضم قرابة 650 ألف كادر، وهو ما يمثل نحو ثلث القوة العاملة في البلاد، أو أقل بقليل، غير أن عدد المعلمين الفعليين المباشرين في المدارس والمضمنون بجداول التدريس يبلغ نحو 180 ألف فقط.

الجدل حول أضراب المعلمين كبير وتتجاذبه خيوط يختلط فيها الاقتصادي مع الفكري مع السياسي مع الإداري التنظيمي، فالواقع أن المعلم في ليبيا يتقاضى فعليا مرتبا متدنيا إذا قورن بمثيليه في دول أخرى، ذلك أن متوسط دخول الكادر التعليمي الشهري هو في حدود 1800 دينار ليبي، أي ما يعادل نحو 190 دولار أمريكي، وفق سعر الأخير في السوق الموازي للعملات، فالمعلم هو رافعة الاقتصاد بناء على النظريات الحديثة للتطوير والتحديث المجتمعي والمؤسساتي، وهو أحد أبرز مرتكزات التربية، وبالتالي فإن النهوض الاقتصادي والاجتماعي ينبغي أن يرتكز على تحسين ظروف المعلمين وتأمين حياتهم وتطويرهم بشكل جيد، وما يقع في ليبيا هو العكس تماما.

قطاع التعليم هو الأكبر في الجهاز الحكومي من حيث عدد العاملين، إذ يضم قرابة 650 ألف كادر، وهو ما يمثل نحو ثلث القوة العاملة في البلاد، أو أقل بقليل، غير أن عدد المعلمين الفعليين المباشرين في المدارس والمضمنون بجداول التدريس يبلغ نحو 180 ألف فقط.
للجدل حول الوضع الاقتصادي المعلمين وجه آخر، يقول به المعارضون لزيادة المرتبات والميزات، ففي رأي هؤلاء  أن أعدادا كبيرة من المنسبين لقطاع التعليم يتقاضون مرتبات دون أن يكون لهم أي إنتاجية، سواء بعدم مزاولتهم المهنة أصلا، أو بمشاركة محدودة وضعيفة مقاسة بمعايير التعليم والتربية الصحيحة، فزيادة مرتبات الشريحة الكبيرة غير المنتجة هو وجه من أوجه الهدر بل والفساد.

يضاف إلى النقطة السابقة الظروف المالية الصعبة في البلاد ومحدودية الإيرادات العامة في ظل زيادة مضطردة في النفقات، فبند المرتبات يقترب اليوم من 75 مليار دينار في العام، بنسبة تتخطى 50% من إجمالي الإنفاق العام، في مقابل سقف لم يتعد 30 مليار منذ بضع سنوات، والاستجابة لمطالب قطاع التعليم سيفتح الباب لمختلف القطاعات للمطالبة بزيادة أيضا، والنتيجة هي فاتورة إنفاق عالية وعجز يتراكم في شكل دين عام، وتضخم له تبعاته الكبيرة على الاقتصاد بشكل عام، وعلى القوة الشرائية للدينار تلتهم الزيادة التي يطالب بها المضربون.

ويدور الجدل في بيئة شهدت تغيرا ليس بالضرورة إيجابي، إلا إنه تحول يعكس نفسه في مواقف وخطاب المؤيدين والرافضين للإضراب، فالعاملون في قطاع التعليم يرون أن التحول الذي شهدته البلاد بعد 2011م، وعبر عنه الإعلان الدستوري، يعطيهم الحق في الاضراب والاعتصام لاكتساب الحقوق المشروعة، في مقابل موقف معارض يتهم المعلمين بالانتهازية واستغلال الأوضاع المضطربة في البلاد، فلقد عانى المعلمون ظروفا معيشية صعبة زمن النظام السابق كرسها قانون رقم 15 لسنة 1981م، إذا لم تشهد مرتباتهم زيادة لسنوات طوال، بل وتتاخر لأشهر عدة، دون أن يجرأ أحد على الانتقاد فضلا عن الاعتراض والاضراب، وهو اليوم لا يعيرون الظروف التي تمر بها البلاد أي اعتبار.

كان ولا يزال التعجيل بالحل السياسي هو الأساس لترتيب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد، وأن الوضع مرشح لمزيد من الارتدادات الكبيرة والخطيرة إذا استمرت الطبقة السياسية في عبثها، وفشلت المكونات المجتمعية في تحمل مسؤوليتها في الدفع باتجاه تصحيح الأوضاع.
البعد السياسي في الموضوع يحكمه ويحركه الفساد الذي بدا اليوم مستشريا ويستنزف الموارد المالية الوطنية، ويتورط فيه ساسة معنيون باتخاذ القرارات، ومن حولهم شبكات فساد باتت تتسع كل يوم وتنهب مزيدا من الاموال، وإن كان الحال كذلك فلما يطالب المعلمون بالصمت وعدم السعي وراء ما يتعبرونه حقوقا مشروعة، فالمعلمون الذين يراقبون نقاشات أعضاء مجلس النواب حول زيادة مرتباتهم بمقدار الضعف أو الضعفين، وهم في الأصل يتقاضون مرتبات عالية جدا مقارنة بالمعلمين، ولا يقدمون شيئا في نظر قطاع واسع من الليبيين، يرون أنهم أحق من النواب برفع المرتبات.

يحجم المعنيون من المسؤولين عن اتخاذ قرارات جادة بالخصوص، ويتعللون بالواقع السياسي المتردي والذي يلقي بظلاله على الأداء المؤسسي والذي لا يسمح باتخاذ قرارات تصحح قطاع التعليم الذي يعج بالاختلالات والفساد، فالتقديرات الرسمية تفيد بأن نحو من 60% من الكادر التعليمي معطل وغير منتج، وبالتالي يصعب إقرار زيادة في المرتبات دون معالجة هذا الاختلال الكبير، الذي لا تجرؤ الحكومة على الخوض فيه، ما يعني حرمان الشريحة الفاعلة في القطاع من حقوقها المشروعة.

الأزمات في غياب الرشد والحلول الصائبة تفرخ أزمات هنا وهناك، وهي في بعد كبير منها صناعة محلية، المسؤولون عنها الطبقة المتنفذة والدوائر التي تحوم حولها وتسترزق من التحالف معاها أو الضغط عليها، فالنتيجة الطبيعية لاستمرار النزاع وتطاول عمر المسار السياسي لتسويته هي بروز بؤر تأزيم يختلط فيها الحق بالباطل، والمشروع بغير المبرر، حتى يعسر على المراقب تقييم بالمشهد والحكم عليه بمنطق وحكمة، وهذا ما يفسر الجدل الواسع اليوم حول إضراب المعلمين بين مؤيد ومعارض.

لهذا كان ولا يزال التعجيل بالحل السياسي هو الأساس لترتيب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد، وأن الوضع مرشح لمزيد من الارتدادات الكبيرة والخطيرة إذا استمرت الطبقة السياسية في عبثها، وفشلت المكونات المجتمعية في تحمل مسؤوليتها في الدفع باتجاه تصحيح الأوضاع.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل