الجزائر والإمارات.. القطيعة تفضح العبث..

رياض الشعيبي
إن قرار 10 سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد قطيعة دبلوماسية بين دولتين. بل هو، في جوهره، اختبار لحدود النفوذ في المغرب العربي وأفريقيا، واختبار لقدرة دول المنطقة على حماية قرارها الوطني من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين.
إن قرار 10 سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد قطيعة دبلوماسية بين دولتين. بل هو، في جوهره، اختبار لحدود النفوذ في المغرب العربي وأفريقيا، واختبار لقدرة دول المنطقة على حماية قرارها الوطني من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين.
شارك الخبر
يبدو أن قرار القطيعة الدبلوماسية الذي أعلنت عنه الجزائر اليوم مع دولة الإمارات العربية المتحدة لم يكن انفعالياً ولا وليد أزمة عابرة. بل، في تقديري، اللحظة التي انتهت فيها الجزائر إلى قناعة مفادها أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في المواقف من الملفات الإقليمية، وإنما أصبح يمسّ السيادة الجزائرية وحقها في حماية أمنها الوطني، وحدود النفوذ المقبول داخل مجالها الحيوي.

لهذا السبب تحديداً، يمكن قراءة القرار الجزائري خارج لغة "الأزمة بين دولتين" فالمسألة أعمق من ذلك وأكثر تعقيداً. إنها تبدو، في جانب منها، صراع بين تصورين للدور الإقليمي: تصور يرى أن استقرار المنطقة يبدأ من احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتصور آخر يقوم على بناء شبكات واسعة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، تمتد عبر الحدود وتعمل من خلال تحالفات متعددة وأطراف محلية متباينة.

لقد كانت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات، تاريخياً، علاقات طبيعية بل ودية. فقد انطلقت سنة 1976، وتطورت عبر آليات للتعاون ومؤسسات مشتركة. لكن هذه العلاقة لم تصمد أمام مسار طويل من التباعد في الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية، من تونس وليبيا إلى الساحل والصحراء، وصولاً إلى اتهامات جزائرية متزايدة لأبوظبي بالتدخل في شؤونها الداخلية.
من هذه الزاوية، تبدو الخطوة الجزائرية مهمة واستراتيجية، ليس للجزائر فقط، وإنما أيضاً للنقاش الأوسع حول حدود النفوذ الإقليمي وحصانة الدول العربية والأفريقية أمام محاولات التأثير في خياراتها السياسية والأمنية.

لقد كانت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات، تاريخياً، علاقات طبيعية بل ودية. فقد انطلقت سنة 1976، وتطورت عبر آليات للتعاون ومؤسسات مشتركة. لكن هذه العلاقة لم تصمد أمام مسار طويل من التباعد في الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية، من تونس وليبيا إلى الساحل والصحراء، وصولاً إلى اتهامات جزائرية متزايدة لأبوظبي بالتدخل في شؤونها الداخلية.

فخلال السنوات الأخيرة تراكمت مؤشرات على أن العلاقة دخلت مرحلة مختلفة. اذ تصاعد الخطاب الجزائري بشأن التدخلات الخارجية في شأنها الداخلي، وانتقلت الخلافات تدريجياً من المجال السياسي إلى ملفات عملية، فيما بدا أن محاولات احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية لم تعد كافية لإعادة العلاقة إلى مسارها السابق.

لكن اللافت أن الجزائر لم تبدأ بالقطيعة. فقد سبقتها مراحل من التحذير السياسي والتعبير عن القلق ومحاولات إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وحتى المساعي الأخيرة لإعادة احتواء الأزمة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لتجنب الوصول إلى هذه النقطة. لكن الدبلوماسية تنجح عندما يجد الطرفان مساحة مشتركة. أما حين تصبح الخلافات مرتبطة بتصورات متناقضة للأمن القومي، فإن المحافظة على العلاقات الدبلوماسية قد تتحول إلى غطاء لاستمرار المشكلة، بدلاً من أن تكون وسيلة لحلها.

الجزائر تقول إنها استنفدت «كافة السبل» للحفاظ على العلاقات. وهذا يعني أن القيادة الجزائرية وصلت إلى تقدير مفاده أن كلفة استمرار العلاقة بالشكل السابق أصبحت أكبر من كلفة القطيعة.

المشكلة، في تقديري، تبدأ عندما يتحول النفوذ الخارجي من أداة للعلاقات الدولية إلى وسيلة لإعادة تشكيل البيئات السياسية والأمنية في دول أخرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول تعيش نزاعات داخلية، مثل ليبيا، أو هشاشة مؤسساتية وسياسية، مثل تونس. أما الجزائر فهي دولة ذات مساحة جغرافية شاسعة وحدود طويلة مع مناطق شديدة الاضطراب، وتجربة تاريخية جعلت مفهوم السيادة والاستقلال وعدم التدخل جزءاً أساسياً من عقيدتها السياسية والأمنية. فبالنسبة إلى الجزائر، ليبيا وتونس والساحل والصحراء ليست مجرد ملفات في السياسة الخارجية، بل هي امتداد مباشر لأمنها الوطني. ولهذا فإن ما قد يبدو من الخارج تنافساً عادياً على النفوذ، قد يبدو من الجزائر مختلفاً تماماً: محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها بطريقة يمكن أن تنتج، على المدى البعيد، تهديدات مباشرة لأمنها.

وهذا ما كنا نردده باستمرار طوال عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس: إن أي تهديد خارجي للاستقرار السياسي والمؤسساتي لن يتوقف بالضرورة عند حدود تونس، وإن العبث بتوازناتها يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوزها إلى محيطها الإقليمي. غير أن الحذر الجزائري الشديد والتحفظ إزاء التحولات السياسية في تونس حالا، في تقديري، دون إدراك مبكر بما يكفي لبعض هذه المخاطر. وبعد 25 جويلية 2021، وجدت الجزائر نفسها أمام واقع تونسي جديد يفرض عليها إعادة حساباتها الأمنية والسياسية تجاه جارها الشرقي.

وقد تحركت الجزائر منذ ذلك الوقت بقوة لحماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية. لكن، ورغم الأبعاد الاستراتيجية التي حكمت سياساتها تجاه تونس خلال السنوات الخمس الماضية، فإن كلفتها السياسية والأخلاقية والشعبية ما زالت، في تقديري، باهظة داخل جزء مهم من الرأي العام التونسي.

والأمر في ليبيا ليس مختلفاً كثيراً. فالجزائر التي طالما نظرت إلى وحدة ليبيا واستقرار مؤسساتها باعتبارهما جزءاً من أمنها القومي، لم تنجح دائماً في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات تحظى بالقدر نفسه من القبول لدى مختلف الأطراف الليبية. وذلك رغم أن الانخراط الإماراتي في دعم المعسكر الشرقي الليبي كان، ولا يزال، أحد أبرز عناصر التنافس الإقليمي حول مستقبل ليبيا. ومن منظور فئات واسعة في الداخل الليبي، تحولت الجزائر أحياناً إلى جزء من المشكلة عوض أن تكون جزءاً من الحل. فهي وإن ظلت تفضل الحل السياسي والحوار بين الليبيين وترفض تحويل ليبيا إلى ساحة مفتوحة للقوى الخارجية، فإن ثقة قطاعات من الليبيين اهتزت في الجار "الجنب" عندما شعروا بوجود انحياز جزائري غير مبرر إلى طرف على حساب توازنات أخرى داخل المشهد الليبي. قد يكون من المشروع أن تختلف الدول في تقييم القوى الليبية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى سياسة تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة هندسة التوازنات الداخلية على حساب استقرار ليبيا. فالجزائر كان عليها أن تتعامل مع ليبيا بمنطق الأمن الإقليمي المشترك. فما يحدث هناك يمكن أن ينتقل إلى الحدود الجزائرية، وإلى الساحل، وإلى شبكات السلاح والهجرة والجريمة المنظمة والإرهاب.

ولا يتوقف الأمر عند تونس وليبيا. فالساحل الأفريقي يعيش بدوره واحدة من أعقد مراحل التحول الجيوسياسي منذ عقود: انقلابات عسكرية، تراجع النفوذ الفرنسي، صعود روسيا، أزمات أمنية، تمدد الجماعات المسلحة، وانهيار تدريجي لبعض أنماط التعاون الإقليمي التقليدي. والجزائر، بحكم موقعها، لا يمكن أن تنظر إلى هذه التحولات باعتبارها مجرد تنافس بعيد بين قوى خارجية. فهي تقع على تخوم هذا المجال، وتتحمل بصورة مباشرة تداعيات اضطرابه. ومن هنا يمكن فهم حساسيتها تجاه أي شبكة نفوذ جديدة تتحرك في الساحل أو شمال أفريقيا.

وبغض النظر عن تقييم كل اتهام على حدة، فإن المبدأ الذي يبدو أن الجزائر تنطلق منه واضح: لا تريد أن يتحول محيطها الأفريقي إلى مجال لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، أو إلى حزام هش يمكن أن تتسرب منه بواعث الاضطراب إلى أمنها الاستراتيجي.

ثم تأتي المسألة المغربية، فالجزائر والمغرب يعيشان منذ سنوات واحدة من أكثر حالات التوتر استدامة في المنطقة، وفي مركزها قضية الصحراء الغربية وتنافس جيوسياسي أوسع على موقع القيادة في المغرب العربي. في هذه البيئة، تبدو الجزائر شديدة الحساسية تجاه تعزيز دولة إقليمية أخرى لعلاقاتها مع المغرب، دون أن يعني ذلك ضرورة أن تكون أبوظبي مطالبة بتبني الموقف الجزائري من المغرب أو الصحراء الغربية حتى تنظر الجزائر بريبة إلى تحالفات إقليمية يمكن أن تسهم في تغيير ميزان القوى في المغرب العربي. هنا تتقاطع الجغرافيا مع الأمن والسياسة. فما تعتبره أبوظبي شراكة استراتيجية مع الرباط قد تراه الجزائر جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة في منطقة تعتبرها مجالها الاستراتيجي المباشر.

لكن أخطر ما في الأزمة الجزائرية ـ الإماراتية هو ما يتصل، وفق الاتهامات الجزائرية، بالملف الداخلي الجزائري، ولا سيما حركة "ماك" التي تنادي باستقلال منطقة القبائل والتي تصنفها السلطات الجزائرية تنظيماً إرهابياً. فلقد وجهت الجزائر إلى الإمارات اتهامات متكررة تتعلق بدعم أو احتضان قوى ترى فيها تهديداً لأمنها ووحدتها الوطنية. وسواء ثبتت هذه الاتهامات في تفاصيلها أم بقيت جزءاً من السجال السياسي بين الدولتين، فإن مجرد انتقال الخلاف إلى هذه المنطقة الحساسة يرفع مستوى الأزمة إلى درجة مختلفة تماماً.

فإذا كان الخلاف يتعلق بليبيا أو المغرب أو غيرهما، يمكن نظرياً اعتباره اختلافاً في السياسة الخارجية. أما إذا وصلت تقديرات الدولة الجزائرية إلى أن طرفاً خارجياً يتدخل في ملف يمس الوحدة الوطنية والأمن الداخلي، فإن القضية تنتقل إلى مستوى آخر تماماً، اذ يتعلق بالأمن القومي وسيادة الدولة ووحدتها. فالسيادة الوطنية والوحدة الترابية ليستا ورقة تفاوضية تستطيع الدولة أن تتنازل عنهما مقابل تحسين العلاقات الاقتصادية أو الحفاظ على المجاملات الدبلوماسية.

قد يبدو بديهياً فهم الموقف الجزائري باعتباره دفاعاً عن المصالح الوطنية الجزائرية. لكن هناك بعداً أوسع يستحق الانتباه. فإذا أصبحت الدول العربية والأفريقية الضعيفة أو المنقسمة ساحات مفتوحة أمام قوى إقليمية تستطيع تمويل أطراف محلية وتسليحها ودعمها سياسياً وإعلامياً، فإن النتيجة لن تكون استقراراً إقليمياً. وستكون النتيجة، في نهاية المطاف، إضعاف قدرة الدول على إدارة أزماتها بنفسها، وتحويل الخلافات الداخلية إلى ساحات لتنافس القوى الخارجية.

وهذا ما تأخرت الرؤية الجزائرية، في تقديري، في إدراكه والتحرك لحمايته. فالموقف الجزائري الرافض للتدخلات الخارجية في المنطقة موقف سليم من حيث المبدأ، حتى لو جاء متأخراً، وحتى لو كانت للجزائر نفسها أخطاء وتناقضات في طريقة إدارة بعض ملفات الإقليم.

خطر ما في الأزمة الجزائرية ـ الإماراتية هو ما يتصل، وفق الاتهامات الجزائرية، بالملف الداخلي الجزائري، ولا سيما حركة "ماك" التي تنادي باستقلال منطقة القبائل والتي تصنفها السلطات الجزائرية تنظيماً إرهابياً. فلقد وجهت الجزائر إلى الإمارات اتهامات متكررة تتعلق بدعم أو احتضان قوى ترى فيها تهديداً لأمنها ووحدتها الوطنية. وسواء ثبتت هذه الاتهامات في تفاصيلها أم بقيت جزءاً من السجال السياسي بين الدولتين، فإن مجرد انتقال الخلاف إلى هذه المنطقة الحساسة يرفع مستوى الأزمة إلى درجة مختلفة تماماً.
الإقليم العربي يعيش منذ سنوات انتقالاً من نظام التحالفات التقليدية إلى نظام أكثر تعقيداً، تتحرك فيه دول متوسطة الحجم بثقل يفوق أحياناً وزنها الجغرافي والديموغرافي، مستخدمة المال والاستثمار والشركات والشبكات الأمنية والتحالفات السياسية والإعلامية.

لكن السؤال المشروع الذي تطرحه مثل هذه القطيعة الجزائرية-الإماراتية هو: أين تنتهي الشراكة ويبدأ إعادة تشكيل القرار الداخلي للدول الأخرى ؟

هذا السؤال لا يخص الجزائر وحدها، بل يخص أيضاً تونس وليبيا والسودان ودول الساحل وغيرها. فتونس، على وجه الخصوص، لا تستطيع تجاهل حقيقة أن الجزائر هي جارها المباشر والأكثر اتصالاً بأمنها القومي، وأن أي اضطراب استراتيجي في المغرب العربي والساحل سينعكس عليها بصورة أو بأخرى.

أما مستقبل هذه الأزمة، فسيتوقف إلى حد كبير على مدى بقائها محصورة في العلاقات الثنائية بين الجزائر والإمارات. فإذا بقيت القطيعة في حدود العلاقات الدبلوماسية، فقد تنتهي في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية، كما حدث في أزمات دبلوماسية عديدة في المنطقة. أما إذا امتدت تداعياتها إلى ليبيا وتونس والساحل والسودان والمغرب العربي، فإنها قد تصبح علامة على انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي. وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال الحقيقي: من انتصر في الخلاف الجزائري ـ الإماراتي؟ بل أي نموذج سيحكم الإقليم مستقبلا؟ هل هو نموذج يقوم على احترام سيادة الدول، وترك مجتمعاتها تصنع توازناتها الداخلية، وقبول الاختلاف بين الأنظمة والمصالح؟ أم نموذج تتحول فيه القوة المالية والأمنية والإعلامية إلى أدوات لإعادة تشكيل المجال السياسي لدول أخرى من خارج حدودها؟

من هذه الزاوية، تبدو الجزائر وهي تدافع عن موقفها وكأنها تدافع عن مبدأ يتجاوز حدودها الوطنية. اذ لا استقرار حقيقياً في منطقة تُنتزع فيها سيادة الدول من الداخل باسم النفوذ الإقليمي.

ولذلك فإن قرار 10 سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد قطيعة دبلوماسية بين دولتين. بل هو، في جوهره، اختبار لحدود النفوذ في المغرب العربي وأفريقيا، واختبار لقدرة دول المنطقة على حماية قرارها الوطني من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس الآخرين.

*كاتب تونسي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل