جراح 2006 تفتح من جديد.. شبح الترحيل القسري يطارد "عرب النيجر"

تراوحت تقديرات المستهدفين بالترحيل عام 2006 بين 100 و150 ألف شخص- الأناضول
تراوحت تقديرات المستهدفين بالترحيل عام 2006 بين 100 و150 ألف شخص- الأناضول
شارك الخبر
بعد 20 عاما على محاولة إبعادهم القسري التي أثارت أزمة إقليمية كبرى، يعود شبح الترحيل ليطارد عرب النيجر المعروفين بـ"المحاميد" في منطقة ديفا جنوب شرق البلاد.

وطفت على السطح خلال الأسابيع الأخيرة تسريبات عن قرارات أمنية تستهدف تجريد أفراد هذه المجموعات العربية من جنسيتهم وترحيلهم إلى تشاد، في خطوة تأتي وسط تصاعد لافت لخطاب التنافس على الموارد والاتهامات السياسية العابرة للحدود، مما يضع التماسك الاجتماعي للنيجر أمام اختبار هو الأصعب منذ الانقلاب العسكري الأخير.

هذا الملف المعقد، الذي تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، والتنافس على الموارد بالتوترات الأمنية العابرة للحدود، فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعايش العرقي في منطقة حوض بحيرة تشاد، وحول التوازن الذي تحاول نيامي إرساءه بين مقتضيات الأمن القومي والحفاظ على السلم الأهلي في بيئة توصف بالهشاشة الشديدة.

خطة الترحيل


كشفت تقارير صحفية أفريقية مؤخرا أن وزارة الداخلية بالنيجر أصدرت تعليمات غير معلنة تقضي بالبدء في حصر وتحديد هويات أفراد من المجموعة العربية المعروفة بـ"المحاميد"، تمهيدا لسحب وثائق حالتهم المدنية وترحيلهم إلى تشاد.

ويأتي ذلك في سياق تصاعد التوترات المحلية حول استغلال الموارد الرعوية والزراعية في منطقة ديفا جنوب شرقي البلاد.

وعلى مدى السنوات الماضية فشلت النيجر في حسم الوضع القانوني للمحاميد، وظلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعتبر شريحة واسعة منهم "لاجئين تشاديين" بلا وثائق جنسية رسمية.

من هم "المحاميد"؟

يعود التواجد العربي في المنطقة إلى أواخر القرن التاسع عشر مع قبائل "أولاد سليمان" تلتها موجات نزوح لافتة لعشائر "المحاميد" إبان فترات الجفاف القاسية في الساحل والحروب التشادية في ثمانينيات القرن الماضي.

ويعتبر عرب النيجر امتداد لعشائر "الرزيقات" الممتدة بين السودان وتشاد، ورغم حضورهم الواضح في المشهد المحلي، إلا أن حجمهم الديموغرافي يظل موضع تباين في التقديرات.

 ووفقا لبيانات مستندة إلى التعداد العام للسكان في النيجر لعام 2012، يشكل العرب بكافة قبائلهم وتفرعاتهم نحو 1.53 في المئة من إجمالي السكان، أي ما يقارب 262 ألف شخص من أصل 17.1 مليون نسمة شكلوا التعداد الإجمالي للبلاد آنذاك.

اظهار أخبار متعلقة



ومع الإسقاطات السكانية للأمم المتحدة التي تقدر وصول سكان النيجر إلى نحو 28.8 مليون نسمة في منتصف عام 2026، تظل الأعداد الدقيقة لقبائل المحاميد تحديدا أقرب إلى التخمين، في ظل غياب إحصاء حديث يفصل بين المكونات العربية المختلفة.

التنافس على الموارد

تتميز منطقة ديفا في النيجر، بفسيفساء عرقية، حيث تتعايش فيها المجموعات العربية إلى جانب مجموعات من عرقيات التبو والفولاني والكانوري.

ويعتمد عرب المحاميد في نشاطهم الاقتصادي التقليدي بشكل شبه كامل على الترحال الرعوي، حيث يمتلكون قطعانا ضخمة من الإبل والأغنام والماعز، إلى جانب ممارستهم للتجارة البينية.

هذا الثراء الرعوي منحهم ثقلا اقتصاديا ملحوظا في أسواق ديفا الحيوية، لكنه في الوقت ذاته حولهم إلى طرف أساسي في معادلة الاحتكاك اليومي مع المزارعين والرعاة من المكونات العرقية الأخرى، في صراع على الآبار ومسارات عبور الحيوانات والمراعي المتقلصة.

وقد أخذت هذه الاحتكاكات منحى تصاعديا خطيرا مع تضافر عوامل بيئية وأمنية مستجدة.

فمن جهة، أدى التغير المناخي والزحف الصحراوي إلى تآكل المساحات الخضراء ومصادر المياه، ومن جهة أخرى، أسفر تمدد نشاط التنظيمات المسلحة في حوض بحيرة تشاد عن موجات نزوح واسعة، مما ضاعف الضغط على الموارد المحدودة في المناطق الآمنة نسبيا.

ورغم الجهود المحلية لاحتواء هذه التوترات، والتي توجت بتوقيع اتفاق سلام محلي في كانون الأول/ديسمبر 2018 بين رعاة المحاميد، ورعاة الفولاني، إلا أن هشاشة الوضع الأمني أبقت الباب مفتوحا أمام تجدد الصدامات، مما سهل على السلطات المتعاقبة توظيف هذه النزاعات الرعوية سياسيا وتأطيرها ضمن سياقات أمنية وعرقية تخدم أجنداتها.

ذاكرة التهجير القسري

ومع تجدد الحديث عن مساعي حكومة النيجر إلى ترحيلهم، بدأت المجموعة العربية (المحاميد) تستحضر الذاكرة المثقلة بصدمة عام 2006، والتي تمثل نقطة التحول السياسية الأبرز والأكثر إيلاما في تاريخ المحاميد داخل النيجر.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام، فجرت حكومة الرئيس الأسبق مامادو تانجا قنبلة سياسية بإعلان عزمها ترحيل عرب منطقة ديفا بالكامل إلى تشاد، بحجة أنهم "أجانب يهددون الأمن القومي والموارد الطبيعية".

وتراوحت التقديرات الحكومية والإعلامية حينها للمستهدفين بالقرار بين 100 و150 ألف شخص، قبل أن تتراجع نيامي لاحقا لتزعم أن المطلوب إبعادهم لا يتجاوزون 4 آلاف شخص لا يحملون أوراق إقامة قانونية.

اظهار أخبار متعلقة



ورافق هذا القرار اتهامات حكومية للمحاميد بحيازة أسلحة غير قانونية وتخريب مصادر المياه، وهي اتهامات رد عليها ممثلو المجموعة بأنها مجرد غطاء لتجريدهم من أراضيهم والاستيلاء على ثرواتهم الحيوانية.

ارتدادات انقلاب نيامي

لا يبدو المشهد الجديد - وفق متابعين- مجرد تكرار لأزمة رعوية، بل هو نتاج تقاطع معقد بين التحولات السياسية في النيجر والارتدادات الجيوسياسية لحرب السودان.

وشهدت النيجر صعودا سياسيا لافتا للمكون العربي تمثل في انتخاب محمد بازوم عام 2021 كأول رئيس للبلاد ينحدر من أصول عربية (من ديفا)، إلا أن الانقلاب العسكري الذي أطاح به في 26 تموز/يوليو 2023 أعاد خلط الأوراق جذريا، محولا الانتماء العربي من مصدر قوة ونفوذ إلى تهمة توظف في أروقة الصراع على السلطة.

كما تتحدث بعض التقارير عن وجود أكثر من 4 آلاف مقاتل من النيجر منخرطين ضمن صفوف "قوات الدعم السريع" السودانية، أغلبيتهم الساحقة من عرب المحاميد.

واستثمر جنرالات المجلس العسكري الحاكم في نيامي هذا المعطى لتوجيه اتهامات سياسية خطيرة للرئيس المعزول بازوم - الذي وصف البرلمان الأوروبي احتجازه بالتعسفي - بتسهيل وإرسال جنود من العرب للقتال في السودان.

ووجدت قبائل المحاميد نفسها عالقة بين مطرقة الصراع على الموارد، وسندان التجاذبات السياسية الإقليمية التي جعلت من هويتها العرقية ورقة ضغط في يد السلطات الحاكمة.
التعليقات (0)