في الساعات الأولى
من صباح 21 آب/ أغسطس 2013، استيقظت مناطق في
الغوطة قرب دمشق على واحدة من أكثر الهجمات
دموية في الحرب السورية، بعدما تعرضت مناطق مأهولة لهجوم بالأسلحة الكيميائية أوقع
أعدادا كبيرة من الضحايا، بينهم أطفال.
الهجوم الذي استهدف
مناطق في الغوطة الشرقية والغوطة الغربية لم يكن مجرد حادث عسكري عابر، إذ أكدت بعثة
الأمم المتحدة التي وصلت إلى المنطقة أن أسلحة كيميائية استخدمت على نطاق واسع، وأن
المادة المستخدمة كانت
غاز السارين، وهو من غازات الأعصاب شديدة السمية.
وبعد أيام من الهجوم،
بدأت فرق التحقيق الدولية في جمع الأدلة من مواقع الإصابة، والاستماع إلى الناجين والعاملين
في المجال الطبي، وفحص عينات بيئية وطبية وبقايا الصواريخ المستخدمة، ورغم الظروف الأمنية
الصعبة، تمكنت البعثة من مقابلة أكثر من 50 ناجيا وعاملا طبيا ومسعفا، وإرسال العينات
إلى مختبرات معتمدة من منظمة حظر
الأسلحة الكيميائية.
ماذا حدث في الغوطة؟
بحسب نتائج التحقيق
الأممي، تعرضت مناطق عين ترما والمعضمية وزملكا لهجمات بصواريخ أرض-أرض تحمل غاز السارين.
وأظهرت الفحوصات أن 85 بالمئة من عينات الدم التي جرى تحليلها كانت إيجابية للتعرض
للسارين، فيما أكدت غالبية العينات البيئية وجود المادة نفسها، كما عُثر على بقايا
صواريخ تحمل السارين.
وأفاد ناجون ومسعفون
بأن الضحايا عانوا خلال فترة قصيرة من ضيق التنفس وفقدان الوعي والتشنجات والقيء وتهيج
العينين وتشوش الرؤية، بينما وصف الأطباء والمسعفون مشاهد لأشخاص سقطوا في الشوارع
دون إصابات خارجية واضحة، وبعضهم كان فاقدا للوعي أو قد فارق الحياة.
اظهار أخبار متعلقة
وساعدت الظروف الجوية
التي سادت في الساعات الأولى من ذلك اليوم على انتشار الغاز قرب سطح الأرض، ما زاد
من تأثيره داخل المباني والطوابق السفلية التي لجأ إليها مدنيون بحثا عن الأمان.
وقدرت الولايات المتحدة
في ذلك الوقت عدد الشهداء بأكثر من 1400 شخص، بينهم مئات الأطفال، بينما لم تتمكن بعثة
الأمم المتحدة من تحديد العدد الإجمالي للضحايا بشكل مستقل بسبب القيود الأمنية والميدانية.
التحقيق الدولي يحسم
مسألة السلاح
وخلصت البعثة إلى وجود
"أدلة واضحة ومقنعة" على استخدام صواريخ أرض-أرض تحمل غاز السارين في مناطق
من الغوطة.
لكن من المهم التمييز
بين إثبات استخدام السلاح وتحديد المسؤول عنه فمهمة بعثة الأمم المتحدة في ذلك الوقت
كانت إثبات ما إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد استخدمت، ولم تكن مخولة بتحديد الجهة
التي أطلقتها.
في المقابل، خلصت الولايات
المتحدة وعدد من الحكومات الغربية إلى أن القوات الحكومية السورية كانت مسؤولة عن الهجوم
وقالت واشنطن إن الأدلة التي جمعتها، إلى جانب نوعية الصواريخ ومساراتها، دعمت تقييمها
بأن الهجوم نفذته قوات النظام السوري، كما قالت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا
ودول أخرى إن الأدلة تشير إلى مسؤولية الحكومة السورية.
أما الحكومة السورية
وحليفتها روسيا، فرفضتا هذه الاتهامات، ووجّهتا المسؤولية إلى قوات المعارضة.
من التحقيق إلى أزمة
دولية
لم تتوقف تداعيات الغوطة
عند حدود
سوريا، بل وضعت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنذاك أمام اختبار صعب.
وكان أوباما قد تحدث
في 2012 عن استخدام الأسلحة الكيميائية باعتباره "خطا أحمر"، ولذلك أصبح
هجوم الغوطة اختبارا مباشرا لمدى استعداد واشنطن لتنفيذ تهديداتها.
وفي أيلول / سبتمبر
2013، أعلنت إدارة أوباما أنها تستعد لتحرك عسكري محدود ضد الحكومة السورية، بينما
كانت واشنطن وحلفاؤها يناقشون كيفية الرد على الهجوم.
اظهار أخبار متعلقة
ولكن المسار تغير عندما
طرحت روسيا خطة لوضع الترسانة الكيميائية السورية تحت الرقابة الدولية وتدميرها، وفي
14 أيلول / سبتمبر، توصلت واشنطن وموسكو إلى إطار لاتخاذ هذه الخطوة، بينما رحبت منظمة
حظر الأسلحة الكيميائية بالاتفاق وبدأ العمل على برنامج سريع لتدمير الترسانة السورية.
وفي تشرين الأول /
أكتوبر من العام نفسه، دخل انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية حيز التنفيذ،
وأصبحت دمشق الدولة رقم 190 المنضمة إلى الاتفاقية، كما تأسست بعثة مشتركة بين الأمم
المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للإشراف على عملية التخلص من البرنامج الكيميائي
السوري.
هل انتهى ملف الأسلحة
الكيميائية؟
فالهجوم الذي وقع في
الغوطة لم يصبح آخر استخدام للأسلحة الكيميائية في سوريا، إذ شهدت السنوات التالية
اتهامات وهجمات أخرى، بينها هجوم خان شيخون عام 2017 وهجوم دوما عام 2018، كما واصلت
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التحقيق في حوادث أخرى وتحديد المسؤولين عنها.
ومع مرور السنوات،
ظهرت أدلة جديدة أثارت أسئلة حول مدى اكتمال إعلان سوريا عن ترسانتها الكيميائية التي
قدمته بعد هجوم الغوطة.
وفي أيار مايو الماضي،
أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية العثور في سوريا على كميات من الأسلحة الكيميائية
والمواد والمعدات والوثائق التي لم تكن معلنة سابقا، بينها صواريخ من النوع نفسه الذي
استخدم في هجوم الغوطة عام 2013. وقالت المنظمة إن الاكتشافات تؤكد تقييماتها السابقة
بأن النظام السوري السابق أخفى معلومات بشأن حجم برنامجه الكيميائي.
وفي كانون الثاني
/ يناير الماضي، أعلنت المنظمة أيضا أن تحقيقا جديدا خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد
بأن القوات الجوية السورية كانت وراء هجوم كيميائي وقع في كفر زيتا عام 2016، في إطار
التحقيقات المستمرة في استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب.
كما شهد عام 2026 تطورا
آخر على صعيد المساءلة، بعدما أعلنت السلطات السورية اعتقال ضابط سابق برتبة عميد اتهمته
بالمشاركة في هجمات كيميائية، من بينها الهجوم على الغوطة الشرقية، وفقا لما أوردته
وكالة الأناضول نقلا عن وزارة الداخلية السورية.
ذكرى لم تغلق
بعد 13 عاما، لم تعد
الغوطة مجرد تاريخ في الحرب السورية، بل أصبحت واحدة من أبرز القضايا التي تختبر قدرة
العدالة الدولية على ملاحقة المسؤولين عن استخدام الأسلحة المحظورة.
الهجوم أثبت استخدام
السارين على نطاق واسع ضد مناطق مدنية، وأطلق أزمة دولية انتهت بوضع الترسانة الكيميائية
السورية تحت الرقابة الدولية، لكنه لم يغلق سؤال المسؤولية والمحاسبة.
ومع سقوط نظام بشار
الأسد ودخول سوريا مرحلة انتقالية، عاد ملف الأسلحة الكيميائية إلى الواجهة من جديد،
هذه المرة وسط إمكانية الوصول إلى مواقع ووثائق لم تكن متاحة للجهات الدولية سابقا.