رأت الزميلة في معهد بروكينغز ومديرة برنامج
تركيا أصلي أيدنطاشباش، أن القانون الذي أقره البرلمان التركي تحت عنوان"تركيا خالية من الأرهاب"٬ يمهد لإنهاء التمرد الكردي المسلح المستمر منذ عقود.
وفي مقال نشرته صحيفة "
نيويورك تايمز" الثلاثاء، اعتبرت أيدنطاشباش أن الخطوة التركية لافتة بشكل خاص، بالنظر إلى أن أنقرة جعلت الأمن القومي أولوية شبه مطلقة خلال السنوات الماضية.
وأقر البرلمان التركي الأسبوع الماضي قانونا يتضمن ترتيبات قانونية تمنح أعضاء في حزب
العمال الكردستاني، المصنف إرهابيا من جانب تركيا، فرصة للعودة إلى الحياة المدنية، في خطوة تفتح الباب أمام إنهاء واحدة من أطول حركات التمرد في الشرق الأوسط.
وعلى مدى نحو نصف قرن، خاض حزب العمال الكردستاني صراعا مسلحا مع الدولة التركية، مطالبا بحقوق
الأكراد وحكما ذاتيا، في نزاع تجاوز الحدود التركية إلى العراق وسوريا وإيران، وخلف عقودا من العنف والخسائر.
وبموجب القانون الجديد، يمكن لآلاف المقاتلين والمؤيدين المسجونين أو الموجودين في المنفى أن يجدوا طريقا للعودة إلى الحياة المدنية، لكن الحكومة التركية تتجنب وصف الخطوة بأنها "عفو"، نظرا للحساسية السياسية التي تحملها الكلمة في بلد أنهكته عقود من الصراع.
كما أن القانون لا يمثل، بحسب أيدنطاشباش، حزمة إصلاحات ديمقراطية شاملة، لكنه يعد أقرب خطوة اتخذتها تركيا منذ سنوات باتجاه صيغة من المصالحة الوطنية.
اظهار أخبار متعلقة
تسوية بعد عقود من الصراع
وترى الكاتبة أن المسار الحالي جاء بعد أكثر من عام من المفاوضات، وفي ظل تحول واضح في حسابات الطرفين.
فقيادة حزب العمال الكردستاني، وفقا لأيدنطاشباش، تبدو قد توصلت إلى قناعة بأن العمل المسلح لم يعد وسيلة قادرة على تحقيق الأهداف السياسية للحركة، بينما أقرت أنقرة، بصورة ضمنية، بأن القضية الكردية لا يمكن التعامل معها عسكريا وحده، وأن إنهاء حركة متجذرة اجتماعيا يتطلب توفير مسار سياسي بديل.
وتستخلص الكاتبة من التجربة التركية مبدأ أوسع، يتمثل في أن الحركات المسلحة التي تمتلك جذورا اجتماعية عميقة يصعب القضاء عليها بالقوة العسكرية وحدها.
وتقول إن نجاح عمليات نزع السلاح يتطلب أن تتم بصورة تدريجية ومشروطة، وأن تترافق مع خطوات متبادلة بين الأطراف، إلى جانب وجود هدف سياسي واضح يمكن أن يشكل بديلا عن العمل المسلح.
وتشير إلى أن الجماعات المسلحة نادرا ما تتخلى عن سلاحها لمجرد مطالبتها بذلك، لكنها قد تقدم على هذه الخطوة عندما تقتنع بأن العمل العسكري لم يعد قادرا على تحقيق أهدافها، مقابل توفير مسار سياسي يسمح لقواعدها الشعبية بالتعبير عن تطلعاتها عبر الوسائل السلمية.
نزع سلاح مشروط وضمانات قانونية
وتعتبر أيدنطاشباش أن ما يميز التجربة التركية هو اعتمادها نهجا تدريجيا وإشراك مؤسسات الدولة في تنفيذها.
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن مبدئيا العام الماضي موافقته على حل نفسه، وأقام في شمال العراق مراسم رمزية لإحراق أسلحته، قبل أن تبدأ أنقرة في تنفيذ الجزء الخاص بها من التفاهمات.
وبموجب القانون الجديد، توفر الدولة التركية حماية قانونية يمكن أن تسمح لآلاف المنتمين إلى الحزب بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، لكن الاستفادة من هذه الترتيبات مرتبطة بقيام السلطات بالتحقق من إتمام عملية نزع السلاح.
كما يميز القانون بين الأعضاء العاديين والمتورطين في جرائم خطيرة، بما يسمح للمقاتلين السابقين وبعض السياسيين المسجونين والمنفيين بالعودة إلى الحياة المدنية ضمن شروط محددة.
اظهار أخبار متعلقة
وتعلق الإجراءات القانونية بحق بعض المستفيدين لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات، على أن تسقط نهائيا إذا التزموا خلال هذه الفترة بالابتعاد عن النشاط المسلح.
وترى الكاتبة أن هذا الترتيب يوفر فرصة لإعادة دمج أشخاص سبق أن صدرت بحقهم إدانات، وفي الوقت ذاته يمنح الأجهزة الأمنية ضمانة بأن العودة إلى الحياة المدنية لن تتحول إلى عودة للنشاط المسلح.
أما كبار قادة حزب العمال الكردستاني، فيبقون إلى حد كبير خارج هذه الترتيبات في المرحلة الحالية، رغم أن مسؤولين أتراكا وأكرادا أبلغوا الكاتبة بأن وضعهم قد يخضع للمراجعة تدريجيا، تحت إشراف لجنة برلمانية.
أما الملفات الأوسع المتعلقة بحقوق الأكراد، فتترك للعملية السياسية والنقاش داخل البرلمان والمؤسسات المدنية.
التكنولوجيا غيرت قواعد حرب العصابات
وترى أيدنطاشباش أن التحول التركي لم يكن نتيجة المفاوضات وحدها، بل جاء أيضا في ظل تغير البيئة العسكرية التي عملت فيها الجماعات المسلحة.
وتشير إلى أن قوة الجماعات المسلحة غير الحكومية تراجعت في السنوات الأخيرة، بعدما أضعفت الطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة والأسلحة الدقيقة المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المزايا التقليدية لحرب العصابات، وفي مقدمتها القدرة على التخفي والصمود أمام قوات نظامية أكثر قوة.
واستخدمت تركيا هذه التقنيات في عملياتها ضد حزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق، ما ساهم في تقليص قدرته على العمل العسكري والحفاظ على مواقعه.
وفي هذا السياق، يعكس موقف عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني وكبير مفاوضيه المسجون، إدراكا لهذا التحول، بعدما قال إن الكفاح المسلح قد "انتهى"، وربط نزع السلاح بضرورة "الاعتراف بالسياسة الديمقراطية وإطار قانوني".
اظهار أخبار متعلقة
نهاية التمرد لا تعني نهاية القضية الكردية
لكن الكاتبة تحذر من اعتبار نزع السلاح نهاية تلقائية للقضية الكردية في تركيا، إذ إن إنهاء العمل المسلح لا يعني اختفاء المظالم أو التطلعات السياسية للأكراد.
وترى أن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الأكراد على نقل مطالبهم، بما فيها المطالبة بمزيد من الحكم الذاتي المحلي، من ساحات الصراع المسلح إلى البرلمان والبلديات والمجتمع المدني.
وتقر أيدنطاشباش بأن تحقيق ذلك ليس مهمة سهلة، مستندة إلى خبرتها السابقة كصحافية غطت الصراع الكردي في تركيا من ديار بكر إلى أنقرة، وصولا إلى جبال شمال العراق.
وتقول إنها شهدت خلال سنوات التغطية معاناة واسعة، والتقت مسؤولين أتراكا وناشطين أكرادا كانوا مقتنعين بأن الصراع سينتهي بانتصارهم، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام حرب امتدت لعقود.
وتؤكد الكاتبة أن نجاح التجربة ليس مضمونا، وأن الطريق أمامها مليء بالتحديات، لكنها ترى أن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه يتجاوز الحالة التركية نفسها: الانتصار الحقيقي على التمرد لا يتحقق عندما يختفي جميع المتمردين، بل عندما يقرر المسلح أن يترك السلاح ويصبح سياسيا.