تدخل
سوريا مرحلة جديدة في مسار محاسبة رموز النظام السابق، مع بدء
محاكمات عدد من كبار المسؤولين والضباط المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين، في وقت تتواصل فيه المساعي لاستعادة شخصيات فرّت إلى خارج البلاد، وعلى رأسها رئيس النظام المخلوع
بشار الأسد الموجود في روسيا.
وبينما يطالب سوريون بسرعة محاكمة المتورطين، تفضل السلطات، بحسب الكاتب والاكاديمي السوري الدكتور أحمد الكناني، اتباع مسار قضائي متدرج يجمع بين التحقيق والمحاكمة، مع إبقاء بعض ملفات الاعتقال والتحقيق بعيدة عن الإعلام، بهدف الوصول إلى مزيد من المتورطين وكشف تفاصيل جرائم لا تزال مجهولة.
وفي مقابلة مع موقع "عربي21"، قال الكناني إن المحاكمات الحالية تمثل "مسارا قضائيا قانونيا ضمن مسار
العدالة الانتقالية"، مشيرا إلى أن السوريين انتظروا هذه اللحظة منذ سقوط النظام.
ويرى الكناني أن المحاكمات الجارية لا تقتصر على المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، الذي صدر بحقه حكم بالإعدام، بل تشمل عددا كبيرا من كبار الضباط والمسؤولين السابقين.
وأوضح أن وزارة الداخلية السورية أعلنت وجود آلاف الضباط في قبضة العدالة، وأن التحقيقات والمحاكمات تجري وفقا لمسار قانوني وقضائي، مشيرا إلى أن بعض الجلسات تكون علنية، بينما تجري إجراءات أخرى بعيدا عن التغطية الإعلامية.
ولفت إلى أن من بين الشخصيات التي تخضع للمحاكمة وزير الداخلية السابق محمد الشعار، إلى جانب عدد من كبار ضباط أجهزة المخابرات والأمن.
وبحسب الكناني، فإن العدالة الانتقالية في سوريا لا تتعامل مع المتهمين باعتبارهم شخصيات سياسية فحسب، وإنما تنظر في ملفات تتعلق بالاعتقال والتعذيب والقتل والمجازر، مع الاستناد إلى الأدلة وإفادات الشهود ومواجهة الضحايا بالمتهمين.
واعتبر أن محاكمة عاطف نجيب تكتسب أهمية خاصة، باعتباره أحد المسؤولين المرتبطين بقمع أهالي درعا وتعذيبهم، وهي الأحداث التي شكلت واحدة من الشرارات المبكرة للثورة السورية.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا تأخرت المحاكمات؟
أمام المطالبات التي ظهرت عقب سقوط النظام بإجراء محاكمات سريعة أو ما وصف بـ"العدالة الناجزة"، يفسر الكناني التأخير النسبي بوجود اعتبارات قانونية وأمنية.
وقال إن الحكومة السورية حرصت منذ البداية على ألا تتحول المحاكمات إلى إجراءات شكلية، بل أرادت بناء ملفات تحقيق تتضمن أدلة وشهادات حول الجرائم المرتكبة.
وأشار إلى أن بعض التحقيقات قادت إلى اكتشاف جرائم جديدة لم تكن معروفة للرأي العام، مستشهدا بالتحقيقات مع أمجد يوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن.
وأوضح أن التحقيق مع يوسف كشف، بحسب قوله، معلومات تتعلق بمقتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي، وهي تفاصيل لم تكن معروفة قبل التحقيق معه.
ويرى الكناني أن هذه الوقائع تؤكد أهمية عدم التعجل في إصدار الأحكام قبل استكمال التحقيقات، خصوصا أن اعتقال أحد المتورطين قد يقود إلى شخصيات أعلى رتبة كانت تصدر الأوامر أو تشرف على تنفيذ الجرائم.
وأضاف أن التحقيق مع بعض الطيارين الذين شاركوا في قصف المناطق السورية قاد إلى معلومات بشأن ضباط كبار، بينهم من أصدروا أوامر مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
شخصيات في قبضة العدالة دون إعلان
ويكشف الكناني عن وجود عدد من الضباط والمسؤولين السابقين الذين تم توقيفهم من دون الإعلان عن أسمائهم حتى الآن.
وقال إن بعض الشخصيات الأمنية "منخفضة الظهور" وغير معروفة على نطاق واسع للرأي العام موجودة في السجون السورية، وتخضع للتحقيق والاستجواب.
وأوضح أن التكتم على بعض عمليات الاعتقال يرتبط بالرغبة في الحفاظ على المعلومات التي يمكن الحصول عليها من المتهمين، ومنع بقية المتورطين من الهروب أو إخفاء الأدلة.
وبحسب الكناني، فإن السلطات قد تعلن لاحقا عن هذه الشخصيات، خصوصا عندما يصبح من الممكن فتح الباب أمام الضحايا وأصحاب الدعاوى لتقديم إفاداتهم أمام القضاء.
وأشار في هذا السياق إلى قضية وسيم الأسد، أحد أبناء عمومة بشار الأسد، الذي قال إن السلطات السورية ألقت القبض عليه ويخضع للتحقيق بشأن عدد من الاتهامات.
اظهار أخبار متعلقة
بشار في روسيا.. عقبة أمام العدالة
ولا تقتصر تحديات العدالة الانتقالية على الداخل السوري، إذ تواجه دمشق صعوبة أكبر في الوصول إلى المسؤولين الذين فروا إلى الخارج.
ويأتي بشار الأسد في مقدمة هؤلاء، بعدما حصل على لجوء في روسيا عقب سقوط نظامه.
وقال الكناني إن موسكو لا تتعاون حتى الآن مع مسار تسليم الأسد، مشيرا إلى أن السلطات الروسية تتذرع بما تصفه بـ"اللجوء الإنساني".
ويرى أن وجود الأسد في روسيا يمثل عائقا أمام استكمال مسار العدالة، خصوصا في ظل صدور أحكام بحق عدد من رموز النظام السابق.
ولا يقتصر الأمر على الأسد، إذ توجد شخصيات أمنية وعسكرية أخرى خارج سوريا، ولا سيما في لبنان، حيث بدأت دمشق، وفق الكناني، تحريك القنوات القانونية والدولية للمطالبة بتسليم المطلوبين.
دمشق والضباط الهاربين بلبنان
يؤكد الكناني أن الحكومة السورية سلمت الجانب اللبناني قوائم بأسماء عدد من الضباط المطلوبين للعدالة، إلى جانب معلومات حول أماكن وجودهم وعناوينهم.
وقال إن دمشق ترى أن وجود بعض هؤلاء على الأراضي اللبنانية لا يمثل قضية قضائية فحسب، بل يرتبط أيضا بالامن السوري، خصوصا مع اتهامات باستخدام الأراضي اللبنانية في التحضير لأنشطة تستهدف سوريا.
وأشار إلى أن فرنسا تقدمت بمذكرة إلى لبنان بشأن تسليم شخصيات أمنية بارزة من رموز النظام السابق، من بينها علي مملوك رئيس إدارة المخابرات العام٬ وجميل حسن مدير إدارة المخابرات الجوية في نظام الأسد.
وفي المقابل، يميز الكناني بين موقف الحكومة اللبنانية وبين أدوار أطراف أخرى داخل لبنان، معتبرا أن هناك جهات تحاول تعطيل مسار تسليم المطلوبين.
وبشأن السوريين المعتقلين في لبنان، يرى الكناني أن الملف يشهد مسارا أكثر إيجابية، خصوصا بعد إعادة تفعيل الاتفاقيات بين البلدين.
وأوضح أن عددا من المعتقلين السوريين أوقفوا في السابق على خلفية اتهامات مرتبطة بجماعات مسلحة، فيما تغيرت الظروف التي ارتبطت بتلك الاتهامات، الأمر الذي فتح الباب أمام إجراءات قضائية جديدة وإخلاء سبيل عدد منهم.
لكن الكناني يرى أن المشكلة الأكثر تعقيدا تتمثل في وضع حزب الله ودوره داخل لبنان، معتبرا أن الحزب يشكل، بحسب قراءته، عائقا أمام بسط الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على أراضيها.
اظهار أخبار متعلقة
دمشق تحاول تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي
ويربط الكناني بين السياسة السورية الجديدة تجاه لبنان وبين رغبة دمشق في تجنب الدخول في صراعات إقليمية جديدة.
وقال إن سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى الاستقرار وإعادة البناء، كما تسعى إلى التحول إلى مركز مهم في سلاسل التوريد والمشاريع الإقليمية.
وأضاف أن دمشق لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة جديدة للصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مشيرا إلى أن استمرار نقل الأسلحة عبر الأراضي السورية يضع البلاد أمام مخاطر أمنية جديدة.
وفي هذا السياق، يرى أن الدور السوري في لبنان يمكن أن يكون سياسيا ووسيطا أكثر منه عسكريا، خصوصا أن دمشق تسعى إلى بناء علاقات جديدة مع مختلف القوى اللبنانية.
وبالتوازي مع مطالبة موسكو بتسليم بشار الأسد، تعمل دمشق على إعادة صياغة علاقتها مع روسيا، وفقا للكناني.
وأشار إلى وجود اتفاقيات أبرمها النظام السابق مع موسكو بشأن قاعدة حميميم وميناء طرطوس، معتبرا أن السلطات السورية الحالية تعمل على إعادة هيكلة هذه الاتفاقيات بما يتوافق مع مصالح الدولة السورية.
وبحسب الكناني، فإن المرحلة الجديدة لا تقوم على الهيمنة العسكرية الروسية، وإنما على التعاون والتدريب وتبادل الخبرات، مع إعادة استخدام المواقع الاستراتيجية السورية بما يخدم الاقتصاد والمصالح الوطنية.
ويرى أن ميناء طرطوس وموقع سوريا على البحر المتوسط يمكن أن يشكلا جزءا من مشاريع اقتصادية وإقليمية أوسع، في إطار سعي دمشق إلى إعادة دمج البلاد في شبكات التجارة وسلاسل التوريد.
لكن ملف بشار الأسد يبقى منفصلا عن هذه الترتيبات، إذ يؤكد الكناني أن دمشق طالبت بتسليمه، فيما لا تزال موسكو ترفض ذلك.
هل يعرقل التعجل كشف مصير المفقودين؟
من أكثر الملفات حساسية في مسار محاكمة رموز النظام السابق قضية عشرات الآلاف من المعتقلين والمختفين قسريا الذين لا يزال مصير كثير منهم مجهولا.
ويرى الكناني أن إصدار أحكام سريعة قد يحرم التحقيقات من معلومات مهمة، خصوصا أن بعض المتهمين يمتلكون تفاصيل حول أماكن الاحتجاز والمقابر الجماعية وسلاسل إصدار الأوامر داخل الأجهزة الأمنية.
ولهذا، يقول إن التحقيقات مع بعض الشخصيات الأمنية تجري بصورة سرية، بهدف الوصول إلى "الكنز الأكبر" من المعلومات المتعلقة بملفات الجرائم والانتهاكات.
ويؤكد أن السلطات لا تتعامل مع المحاكمات باعتبارها غاية بحد ذاتها، وإنما باعتبارها جزءا من عملية أوسع لكشف الحقيقة وملاحقة المتورطين وتحديد مصير الضحايا والمفقودين.
سوريا أمام اختبار العدالة الانتقالية
ويرى الكناني أن التجربة السورية تختلف عن تجارب أخرى شهدت محاكمات لرموز أنظمة سابقة عقب ثورات الربيع العربي.
ويقول إن بعض التجارب العربية السابقة انتهت إلى محاكمات وصفها بالصورية أو الشكلية، بينما تستند التجربة السورية الحالية، من وجهة نظره، إلى سقوط فعلي للنظام وانتقال السلطة إلى قوى الثورة.
ومع ذلك، يقر بأن المرحلة الانتقالية لا تخلو من الأخطاء، لكنه يرى أن الأهم هو الحفاظ على المسار القضائي وعدم تحويل المحاكمات إلى إجراءات انتقامية.
ويشدد على ضرورة تحقيق توازن بين محاسبة المسؤولين عن الجرائم وبين الحفاظ على استقرار الدولة، معتبرا أن المحاكمات الهادئة والمدروسة يمكن أن تحقق العدالة من دون إرباك المرحلة الانتقالية.
هل يمثل بشار الأسد أمام القضاء السوري؟
أما بشأن احتمال محاكمة بشار الأسد مستقبلا، فيرى الكناني أن الاحتمال لا يمكن استبعاده، رغم وجوده حاليا في روسيا.
وقال إن سقوط نظام الأسد نفسه كان أمرا لم يكن كثيرون يتوقعونه، خصوصا في ظل الانفتاح العربي والدولي الذي شهدته علاقات النظام السابق قبل سقوطه.
وأضاف أن المتغيرات السياسية الدولية قد تفتح مستقبلا الباب أمام تسليم الأسد، مشيرا إلى أن تغير الظروف داخل روسيا أو تبدل مواقفها يمكن أن يغير معادلة تسليمه.
وختم الكناني بالتأكيد على أن "لا شيء مستحيل في السياسة"، معتبرا أن تسليم بشار الأسد إلى القضاء السوري، إذا تغيرت الظروف الدولية، سيكون خطوة مفصلية في مسار محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات حكمه.