تحتفل
سنغافورة اليوم التاسع من آب/ أغسطس، بعيدها الوطني، الذي يوافق ذكرى استقلالها عن
ماليزيا عام 1965.
لكن قصة الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا لا تبدأ من لحظة إعلان الاستقلال، إذ تسبقه قصة مثيرة.
سنغافورة الواقعة في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة الملايو، عند نقطة بحرية شديدة الأهمية تربط طرق التجارة بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.
وعرفت الجزيرة قديماً باسم "تماسيك" أو "سنغابورا" في السجلات الماليزية والصينية، وكانت مركزاً تجارياً قبل وصول البريطانيين.
يعود تاريخها الحديث إلى العام 1819، عندما أسس البريطاني توماس ستامفورد رافلز مركزا تجاريا بريطانيا في الجزيرة، قبل أن تتحول سنغافورة تدريجيا إلى ميناء رئيسي للإمبراطورية البريطانية في المنطقة.
وساعد موقعها الجغرافي على جذب التجار والمهاجرين من مناطق مختلفة، لتتشكل فيها تركيبة سكانية متعددة تضم الملايو والصينيين والهنود ومجموعات أخرى.
وأصبحت سنغافورة مع مرور الوقت مركزا تجاريا وماليا مهما في جنوب شرق آسيا، لكن اقتصادها ظل مرتبطا إلى حد كبير بالتجارة البريطانية والإقليمية.
الاحتلال الياباني
خلال الحرب العالمية الثانية، احتلت اليابان سنغافورة عام 1942، في واحدة من أبرز الهزائم التي تعرضت لها بريطانيا في آسيا.
واستمر الاحتلال حتى عام 1945، عندما استسلمت اليابان.
وتركت الحرب آثارا عميقة في المجتمع السنغافوري، وأسهمت في إضعاف صورة القوة الاستعمارية البريطانية، ودفعت قطاعات أوسع من السكان نحو المطالبة بالحكم الذاتي والاستقلال.
بداية الحكم الذاتي
حصلت سنغافورة على قدر أكبر من الحكم الذاتي عام 1959، وفي العام نفسه أصبح لي كوان يو أول رئيس وزراء لها، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1990. وتصفه مكتبة سنغافورة الوطنية بأنه الشخصية السياسية التي لعبت دورا محوريا في تحويل البلاد من مستعمرة نامية إلى واحدة من أكثر الدول استقرارا وازدهارا في آسيا.
وكان حزب العمل الشعبي الذي قاده لي كوان يو قد أصبح القوة السياسية الرئيسية في البلاد، وبدأت الحكومة الجديدة العمل على بناء مؤسسات الدولة وتوسيع قاعدة الاقتصاد.
لكن قادة سنغافورة لم يكونوا ينظرون في البداية إلى الاستقلال الكامل باعتباره الخيار الأفضل.
لماذا انضمت سنغافورة إلى ماليزيا؟
في عام 1963، انضمت سنغافورة إلى اتحاد ماليزيا، إلى جانب مالايا وساراواك وشمال بورنيو.
وكان المشروع يقوم على أن الاندماج مع ماليزيا سيمنح سنغافورة سوقا أوسع وعمقا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا أكبر.
لكن الاتحاد لم يدم طويلا. فقد ظهرت خلافات سياسية واقتصادية وعرقية عميقة بين حكومة سنغافورة والحكومة الاتحادية في كوالالمبور، إضافة إلى خلافات بشأن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي وتقاسم السلطة والسوق المشتركة.
وتفاقمت التوترات بين المجموعات العرقية، وشهدت سنغافورة أعمال شغب عرقية عام 1964.
وبحلول عام 1965، أصبحت الخلافات تهدد استمرار الاتحاد.
ومن أكثر الأمور التي دفعت الماليزيين إلى طرد سنغافورة، قرار حزب العمل الشعبي بقيادة لي كوان يو خوض انتخابات في شبه الجزيرة الماليزية نفسها عام 1964 تحت شعار "ماليزيا الماليزية"، الداعي إلى مساواة كاملة بين الأعراق، وهو ما يعني إعلان التحدي لسياسة الامتيازات الخاصة بعرقية "الملايو" الحاكمة في ماليزيا.
وحينها رأت قيادة حزب "أمنو" الحاكم في ماليزيا أن ما يجري هو محاولة لاختراق السياسة الفيدرالية وتقويض الهيمنة السياسية للملايو من قاعدتها.
اظهار أخبار متعلقة
استقلال قسري
تعد قصة استقلال سنغافورة من أغرب قصص استقلال الدول، فهي استقلت بشكل قسري، بعدما أعلنت ماليزيا طردها في 9 آب/ أغسطس 1965.
وقبل ذلك بشهرين، في حزيران/ يونيو 1965، وبينما كان رئيس الوزراء الماليزي تنكو عبد الرحمن يتعافى في لندن من وعكة صحية، كتب رسالة لنائبه تن عبد الرزاق يطرح فيها فكرة فصل سنغافورة عن الاتحاد، مبررا ذلك لاحقا بأنه لا يرى أملا في إنهاء الاحتكاك بين الحكومتين طالما بقيت سنغافورة ضمن ماليزيا، وفقا لما نشرته "
مكتبة سنغافورة الوطنية".
وفي 9 آب/ أغسطس 1965، صوّت مجلسا البرلمان الماليزي بالإجماع (126-0) على تعديل الدستور لإخراج سنغافورة، دون حضور نوابها الجلسة.
وفي اليوم ذاته، أعلن لي كوان يو قيام سنغافورة دولة "ذات سيادة وديمقراطية ومستقلة".
لكن الاستقلال لم يكن بالنسبة إلى القيادة السنغافورية لحظة انتصار سهلة بقدر ما كان بداية لأزمة وجودية.
كانت الدولة الجديدة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، ومساحتها محدودة، وسكانها قليلون مقارنة بجيرانها، كما لم تكن تمتلك جيشا مستقلا بالمعنى الكامل.
وفي خطاب لاحق، وصف رئيس الوزراء السنغافوري الحالي لورنس وونغ وضع البلاد آنذاك بأنها لم تكن دولة كان قادتها يتوقعون أن توجد بصورة مستقلة، وأنهم كانوا يرون أن البقاء ضمن ماليزيا هو الخيار الأكثر أمانا.
لي كوان يو ومشروع بناء الدولة
من هنا بدأت المرحلة الأكثر شهرة في تاريخ سنغافورة. ركزت حكومة لي كوان يو على بناء مؤسسات دولة قوية، واجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير التعليم، وإنشاء بنية تحتية حديثة، وتحويل موقع سنغافورة الجغرافي إلى ميزة اقتصادية.
وبدلا من الاعتماد على الموارد الطبيعية التي لا تمتلكها البلاد، اعتمدت الحكومة على موقعها التجاري والميناء، وعلى الاستثمار في العنصر البشري والصناعة والخدمات.
كما سعت إلى بناء دولة متعددة الأعراق، في مجتمع يضم أغلبية صينية إلى جانب الملايو والهنود ومجموعات أخرى. وكانت الهوية الوطنية أحد التحديات الرئيسية لدولة ولدت من بيئة شديدة التنوع.
كيف صنعت سنغافورة اقتصادها؟
اعتمد النموذج السنغافوري على مجموعة من الركائز، أبرزها الموقع الجغرافي، إذ استفادت سنغافورة من موقعها عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وطورت ميناءها ليصبح مركزا رئيسيا للتجارة العالمية.
كما عملت الحكومة على خلق بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين.
وانتقلت سنغافورة تدريجيا من اقتصاد يعتمد على التجارة والخدمات الأساسية إلى التصنيع، خصوصا الصناعات الإلكترونية والبتروكيماويات والصناعات ذات القيمة المضافة.
واستثمرت الدولة بصورة كبيرة في التعليم والتدريب لتوفير قوة عاملة قادرة على التعامل مع اقتصاد صناعي وتقني متطور.
ومن أسباب التطور الاقتصادي، هو تحول سنغافورة لاحقا إلى أحد أبرز المراكز المالية والتجارية في آسيا.
اظهار أخبار متعلقة
دولة غنية
اليوم، أصبحت سنغافورة واحدة من أهم المراكز الاقتصادية والمالية والتجارية في آسيا، بناتج محلي وصل إلى 604 مليار دولار.
ووفقا للمسح الاقتصادي لسنغافورة الصادر عن وزارة التجارة والصناعة في شباط/فبراير 2026، نما اقتصاد البلاد بنسبة 5.0 بالمئة خلال عام 2025، بعد نمو بلغ 5.3 بالمئة في 2024.
وجاءت قطاعات التصنيع والتجارة بالجملة والتمويل والتأمين في مقدمة القطاعات المساهمة في هذا النمو، وسجلت كل القطاعات توسعا باستثناء قطاع خدمات الأطعمة والمشروبات، مدفوعة خصوصا بصناعتي الأدوية والإلكترونيات وسط طلب متزايد على أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب
بيانات صندوق النقد الدولي، تحتل سنغافورة المرتبة السادسة عالميا من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الاسمية، إذ يتقدم عليها فقط كل من ليختنشتاين ولوكسمبورغ وإيرلندا وسويسرا وآيسلندا.
ويبلغ نصيب الفرد في سنغافورة نحو 107 ألف دولار سنويا، وهو ما يجعلها متفوقة على دول مثل النرويج والولايات المتحدة وقطر والإمارات.
أما إذا احتُسب الناتج المحلي للفرد بتعادل القوة الشرائية، الذي يأخذ بعين الاعتبار تفاوت تكاليف المعيشة الفعلية بين الدول، فترتفع مكانة سنغافورة لتصبح الثانية عالميا بعد ليختنشتاين فقط.
وتبتعد سنغافورة تماما عن أي مقارنة مع دول الجوار، إذ يبلغ معدل دخل الفرد في ماليزيا نحو 13 ألف دولار، وفي تايلاند 8 آلاف دولار، وفي إندونيسيا 5 آلاف.
ومن أبرز العوامل التي رفعت معدل دخل الفرد في سنغافورة، التعداد السكاني حيث بلغ نحو 6.11 مليون نسمة فقط في منتصف عام 2025، بينهم 4.20 مليون من السكان المقيمين و1.91 مليون من غير المقيمين.
ورغم ذلك، وبسبب أن مساحة البلاد تبلغ نحو 736.3 كيلومترا مربعا فقط، تعد سنغافورة من أكثر الدول كثافة سكانية، إذ بلغت نحو 8300 شخص لكل كيلومتر مربع.