استنفار في بغداد وترقب لرد الفصائل.. هل تنجح الحكومة العراقية بمنع التصعيد مع السعودية؟

انتشار واسع لقوات مكافحة الإرهاب في بغداد مع انتهاء مهلة الفصائل للرد - إكس
انتشار واسع لقوات مكافحة الإرهاب في بغداد مع انتهاء مهلة الفصائل للرد - إكس
شارك الخبر
شهدت العاصمة العراقية بغداد، فجر الجمعة، انتشارا عسكريا وأمنيا مكثفا لقوات من جهاز مكافحة الإرهاب وتشكيلات أمنية أخرى، بالتزامن مع انتهاء المهلة التي حددتها فصائل مسلحة منضوية في ائتلاف "المقاومة الإسلامية في العراق" للرد على الضربات السعودية ـ الأمريكية التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى.

وأظهرت صور ومقاطع مصورة تداولها ناشطون انتشار أرتال عسكرية في عدد من شوارع بغداد والطرق الرئيسية، بينها قوات قيل إن بعضها قدم من محافظات أخرى، فيما لم تقدم السلطات في البداية تفسيرا مفصلا لطبيعة الانتشار أو أسبابه.

ويأتي هذا التطور وسط تصاعد التوتر بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة، على خلفية تهديدات الأخيرة بالرد على الهجوم، مقابل تأكيد حكومي متكرر رفض استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار.

استنفار حكومي ورسالة إلى الفصائل

وبالتزامن مع الانتشار الأمني، عقدت خلية الإعلام الأمني الاتحادية اجتماعا موسعا لمناقشة توجيهات رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، ورفع مستوى الجاهزية الأمنية.

وقالت الخلية، في بيان، إن الاجتماع ترأسه مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، بمشاركة رئيس أركان الجيش ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب وعدد من القادة والمسؤولين الأمنيين، إلى جانب ممثلين عن هيئة الحشد الشعبي، فيما شارك قادة العمليات والشرطة في المحافظات عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة.

وبحسب البيان، بحث الاجتماع آليات تطبيق توجيهات القائد العام ورفع الجاهزية "ابتداء من الشريط الحدودي وصولا إلى العمل الميداني في جميع مناطق البلاد"، مع التشديد على "عدم السماح بأن يكون العراق منطلقا لأي تهديد داخلي أو خارجي لأي دولة".

كما أكدت الخلية، في بيان منفصل، رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي للقوات العراقية، بما يشمل تنفيذ تدريبات وتحريك قطعات عسكرية، موضحة أن الإجراءات تأتي في إطار الحفاظ على الجاهزية وتعزيز قدرة القوات على حماية المواطنين والمصالح العامة.

وتشير هذه الإجراءات إلى توجه حكومي لمنع أي تحرك مسلح خارج المؤسسات الرسمية، خصوصا في حال تنفيذ الفصائل تهديداتها بالرد على السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية.

اظهار أخبار متعلقة



بغداد تتوعد أي هجمات على دول الجوار

وشدد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، على أن الحكومة ستتعامل بحزم مع أي جهة تستخدم الأراضي العراقية لشن هجمات ضد دول الجوار.

وقال النعمان، في تصريحات صحفية، إن "أي تهديد ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار يعد عملا خارجا عن القانون"، مؤكدا أن السلطات ستتخذ "إجراءات قانونية حازمة" بحق منفذيه.

وأعرب عن أمله في أن تمتنع الفصائل المسلحة عن تنفيذ تهديداتها باستهداف السعودية، مشيرا إلى أن القوات العراقية في أعلى درجات الجاهزية، وأن الحكومة ستمنع بأي وسيلة أي تهديد ينطلق من الأراضي العراقية.

وأكد النعمان كذلك أن رئيس الوزراء علي الزيدي يرفض تسييس الملف الأمني أو التدخل السياسي في عمل المؤسسات الأمنية، في رسالة بدت موجهة بصورة مباشرة إلى الفصائل التي تملك أجنحة مسلحة وتتمتع بنفوذ سياسي داخل البلاد.

العامري يدعو إلى تأجيل الرد

وفي خضم التصعيد، دخل زعيم منظمة بدر وأحد أبرز أقطاب الإطار التنسيقي الشيعي، هادي العامري، على خط الأزمة، داعيا الفصائل إلى تأجيل أي رد عسكري على الضربات السعودية ـ الأمريكية.

وقال العامري، في كلمة مصورة بثت فجر الجمعة: "أوجه ندائي إلى المجاهدين في المقاومة الإسلامية لتأجيل أي رد فعل على الاعتداء السعودي ـ الأمريكي الذي استهدف العراق من أجل مصلحة العراق العليا".

وأضاف: "نعد جميع المجاهدين بمتابعة حقوق الشهداء والجرحى بالطرق الدبلوماسية". وتعكس دعوة العامري محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انتقال المواجهة إلى الأراضي السعودية، خصوصا في ظل المساعي العراقية لتأكيد قدرتها على ضبط القرار الأمني ومنع تحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي.

اظهار أخبار متعلقة



ضربات استهدفت الحشد

وكانت ضربات سعودية ـ أمريكية في 29 تموز/ يوليو قد استهدفت مقرات لفصائل تابعة للحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، وأسفرت، وفق المعطيات الواردة في النص، عن مقتل 20 من عناصر الحشد وإصابة 32 آخرين.

وفي اليوم نفسه، منحت "المقاومة الإسلامية في العراق" الجهات الحكومية التي طالبتها بنزع سلاحها مهلة تنتهي في الثالث والعشرين من شهر صفر، قبل تنفيذ ردها على الهجوم.

وقالت الفصائل آنذاك إن الرد على الولايات المتحدة "قادم لا محالة"، وإنه قد يستهدف "أدواته في السعودية" إذا اقتضت الظروف ذلك.

وأدى الهجوم أيضا إلى تأجيل زيارة كانت مقررة لرئيس الوزراء العراقي إلى السعودية، في خطوة عكست حجم التداعيات السياسية للهجمات على العلاقات بين بغداد والرياض.

كما طلبت الحكومة العراقية من السعودية تزويدها بالأدلة التي تستند إليها في تأكيدها أن الهجمات التي طالت الحشد جاءت ردا على هجمات استهدفت منشآتها وانطلقت من الأراضي العراقية، إلا أن بغداد لم تتلق، بحسب النص، ردا على طلبها.

الرياض تحذر من هجمات منسقة

وقبل ظهور الانتشار الأمني في بغداد ودعوة العامري إلى التهدئة، حذر مسؤول سعودي كبير من احتمال تعرض المملكة لهجمات منسقة تنطلق من جهتين، شمالا من فصائل عراقية مسلحة وجنوبا من جماعة الحوثي في اليمن.

وقال المسؤول، الذي تحدث إلى وكالة رويترز شريطة عدم الكشف عن هويته، إن تقارير استخباراتية أمريكية وسعودية وأخرى من دول في المنطقة تشير إلى احتمال استهداف مواقع مدنية واقتصادية داخل المملكة، بينها منشآت للطاقة وموانئ ومطارات.

وأضاف أن السلطات السعودية رصدت نقل طائرات مسيرة وصواريخ، بما قد يشير إلى الاستعداد لتنفيذ عمليات متزامنة من أكثر من اتجاه.

وأكد المسؤول أن بلاده مستعدة لاتخاذ "جميع الإجراءات اللازمة" للرد على أي هجوم، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الرياض تواصل جهودها الرامية إلى خفض التصعيد والتوصل إلى حل عبر التفاوض.

وبحسب المسؤول، فإن الاتصالات مع مختلف الأطراف، بما فيها إيران، وجهود الوساطة تسير في "الاتجاه الصحيح"، محذرا من أن أي هجمات محتملة قد تستهدف عرقلة هذه المساعي الدبلوماسية.

اظهار أخبار متعلقة



بين الرد العسكري وضبط القرار العراقي

ويضع التصعيد الأخير الحكومة العراقية أمام اختبار صعب يتمثل في الموازنة بين احتواء غضب الفصائل بعد استهداف الحشد، ومنع العراق في الوقت ذاته من الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ففي حين تتمسك الفصائل بحقها في الرد على الهجوم، تسعى الحكومة إلى تأكيد أن قرار استخدام القوة والسلاح يجب أن يبقى حصرا بيد مؤسسات الدولة، وأن الأراضي العراقية لن تكون منصة لاستهداف دول أخرى.

ويأتي الاستنفار الأمني في بغداد في هذا السياق، إذ يبدو أن السلطات تحاول توجيه رسالة واضحة إلى الفصائل بأن أي هجوم على السعودية أو غيرها من دول الجوار انطلاقا من العراق سيواجه بإجراءات قانونية وأمنية.

وفي المقابل، فإن دعوة هادي العامري إلى تأجيل الرد تفتح الباب أمام خيار احتواء التصعيد عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، بما قد يمنح بغداد مساحة للتحرك لمنع تحول التوتر الحالي إلى مواجهة مباشرة بين الفصائل العراقية والسعودية، أو إلى صراع أوسع تتداخل فيه أطراف إقليمية ودولية.
التعليقات (0)