تتزايد حالة
الغموض حول مستقبل المواجهة بين
الولايات المتحدة وإيران، مع تراجع احتمالات
اندلاع حرب واسعة رغم تصاعد التهديدات المتبادلة، في وقت يواجه فيه حلفاء واشنطن
في المنطقة صعوبة في التعامل مع رسائل متناقضة بين التصعيد والعودة إلى مسار
التفاوض.
وأكد الكاتب الإسرائيلي
عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس العبرية أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بات يظهر ترددًا
واضحًا في العودة إلى خيار الحرب ضد
إيران، مشيرًا إلى أن تكرار التهديدات الأمريكية
ثم التراجع عنها قد يؤدي إلى فقدان هذه التهديدات تأثيرها، سواء لدى طهران أو لدى حلفاء
واشنطن في المنطقة.
وأشار هرئيل، في تحليل
نشرته الصحيفة، إلى أن المشهد الحالي يشبه حالة افتراضية لدولة شرق أوسطية صغيرة تجد
نفسها أمام تهديدات متكررة بشن هجوم واسع، موضحًا أن تكرار هذا السيناريو خلال الأشهر
الثلاثة الماضية وضع الدول المعنية أمام حالة مستمرة من الاستنفار والانتظار.
وتابع الكاتب أن أي
تهديد أمريكي جديد بشن هجوم على إيران يدفع إسرائيل إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات العسكرية
والأمنية، تشمل رفع جاهزية سلاح الجو، وإلغاء رحلات العطلات، وإعادة مواطنين من الخارج،
وتسليح الطائرات، وإجراء تدريبات واسعة استعدادًا لاحتمال اندلاع مواجهة.
وأوضح أن هذه التحركات
لا تقتصر تكلفتها على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى أعباء مالية وضغوط نفسية على
المؤسسات الأمنية والمجتمع، حيث يعيش المواطنون حالة من القلق، وقد يضطرون إلى إلغاء
خططهم بسبب الخوف من اندلاع حرب جديدة.
وأضاف هرئيل أن ترامب
يعود في كل مرة لوقف التصعيد عبر إعلان مفاجئ، كما حدث عندما كتب أن الإيرانيين أبلغوه
بأنهم مستعدون لاتفاق يتضمن فتحًا كاملًا لمضيق هرمز، وهو ما دفعه إلى إلغاء التحركات
العسكرية المرتقبة، في حين نفت إيران التوصل إلى أي اتفاق، ونقلت وكالة أنباء فارس
عن مصادر وصفتها بـ"المطلعة" أن التقارير حول ذلك "كاذبة".
اظهار أخبار متعلقة
وأشار الكاتب إلى أن
الإعلان الأمريكي قوبل في إسرائيل بمفاجأة، معتبرًا أن الغموض يحيط بنوايا ترامب الحقيقية،
متسائلًا عما إذا كان الرئيس الأمريكي كان جادًا بالفعل في تنفيذ هجوم جديد على إيران،
أم أن الأمر لا يعدو كونه مناورة ضغط تهدف إلى دفع القيادة الإيرانية للعودة إلى طاولة
المفاوضات.
وأكد هرئيل أن ما أصبح
واضحًا من تكرار هذه التطورات هو أن ترامب متردد للغاية في الدخول بحرب شاملة، وأنه
لن يلجأ إلى هذا الخيار إلا في حال استنفاد جميع البدائل الأخرى.
ولفت إلى أن المشكلة
التي تواجه ترامب تتمثل في أن أطراف المنطقة باتت تدرك هذا التردد وتبني مواقفها على
أساسه، موضحًا أن السعودية ودول الخليج التي كانت في السابق تؤيد تحركًا أمريكيًا حاسمًا
ضد إيران لم تعد ترى أن ذلك الخيار قريب، وأصبحت تضغط باتجاه الوصول إلى حل وسط.
وتابع أن دول الخليج
تشعر بقلق كبير من أن يؤدي أي هجوم على منشآت إيرانية إلى ردود تستهدف مصافي النفط
وحقول الطاقة والمنشآت الحيوية لديها، وهو ما يجعلها أكثر حذرًا تجاه أي تصعيد عسكري.
وأشار الكاتب إلى أن
ترامب، من أجل إقناع الإيرانيين بجدية تهديداته، اضطر إلى اتخاذ خطوات عملية وليس الاكتفاء
بالتصريحات، لكنه رأى أن هذه التحركات وضعت الأنظمة الأمريكية والإسرائيلية في حالة
من التردد والقلق، بسبب عدم وضوح ما إذا كانت ستتحول إلى مواجهة فعلية أم لا.
وأوضح هرئيل أن إيران،
من جانبها، ترى في هذا الوضع علامة على ضعف الولايات المتحدة، ولذلك تواصل تصعيد خطواتها
الاستفزازية، اعتمادًا على اعتقاد بأن ترامب لا يرغب في خوض مواجهة مباشرة معها.
وأضاف أن هذا المسار
قد يقود في النهاية إلى اندلاع صراع واسع، إلا أن حدوث مواجهة عسكرية لا يعني بالضرورة
أن إيران ستقدم تنازلات، مشيرًا إلى أن القيادة الإيرانية تتمسك باعتقادين رئيسيين؛
الأول أنها نجحت حتى الآن في الصمود أمام محاولات أمريكية وإسرائيلية لإضعاف النظام،
والثاني أنها قادرة على تحمل ضربات أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو
دول الخليج تحمله.
وأكد الكاتب أن هذا
الواقع لا يوفر أرضية مناسبة لإنجاح أي مفاوضات دبلوماسية جديدة، خصوصًا بعد سلسلة
الإخفاقات السابقة، موضحًا أن مستقبل المحادثات يعتمد بدرجة كبيرة على مدى خطورة الوضع
الاقتصادي داخل إيران.
ورأى هرئيل أن استمرار
الضغط الأمريكي جنوب مضيق هرمز خلال فصل الصيف قد يكون أكثر فاعلية من استئناف الضربات
العسكرية، مشيرًا إلى أن التصعيد العسكري قد يحمل مخاطر أكبر من المكاسب المحتملة.
اظهار أخبار متعلقة
وحذر الكاتب من أن
استمرار ترامب في إطلاق التهديدات ثم التراجع عنها قد يؤدي إلى فقدانها تأثيرها، موضحًا
أن الخطر يكمن في أن طهران قد لا تتراجع في المرة المقبلة أمام تهديد أمريكي جديد،
ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، وهي النتيجة التي يبدو أن ترامب نفسه لا
يريد الوصول إليها.
تراجع مكانة إسرائيل
وصعوبات التواصل مع واشنطن
وفي الجزء الثاني من
تحليله، أشار هرئيل إلى أن تذبذب موقف ترامب تجاه إيران قد يعكس تراجعًا في مكانة إسرائيل
داخل الحسابات الأمريكية، موضحًا أن القرارات التي تتخذها واشنطن تبدو في بعض الأحيان
وكأنها لا تأخذ مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو في الاعتبار بشكل كافٍ.
وتابع أن هذه المؤشرات
ظهرت أيضًا في تعامل الإدارة الأمريكية مع ملف قطاع غزة، مشيرًا إلى تصريحات المسؤول
الفلسطيني محمد دحلان، المقرب من الإمارات، والتي تحدث فيها عن تفاهمات أمريكية إسرائيلية
بشأن وقف الهجمات على حركة حماس.
وأوضح الكاتب أن دحلان،
الذي شارك في المحادثات الأخيرة، أعلن في البداية أن الولايات المتحدة توصلت إلى تفاهم
مع إسرائيل بشأن وقف الهجمات، قبل أن يعود ويوضح أن واشنطن تعمل على ترتيب لإنهاء العمليات
الإسرائيلية في القطاع.
وأشار هرئيل إلى أنه،
كما يحدث في كثير من الملفات السابقة، لم يصدر رد رسمي من إسرائيل على هذه التصريحات،
كما لم يعلق نتنياهو أو مكتبه على إعلان ترامب بشأن التوصل إلى اتفاقات مرتبطة بنزع
سلاح حماس تدريجيًا في غزة.
وأضاف أن المؤسسة الأمنية
الإسرائيلية أكدت أن رسالة مشابهة لتصريحات دحلان وصلت عبر القيادة المركزية الأمريكية
"سنتكوم"، لكن العمليات العسكرية في غزة استمرت، وهو ما أثار غضبًا أمريكيًا.
وأكد الكاتب أن الغموض
الذي يحيط بملفي إيران وغزة يرتبط جزئيًا بصعوبات التواصل بين إسرائيل والولايات المتحدة،
إضافة إلى وجود مشكلة داخلية في إسرائيل بين الحكومة والجيش، موضحًا أن نتنياهو والوزراء
لا يطلعون هيئة الأركان العامة بشكل كامل على التطورات، ما يدفع الجيش إلى محاولة بناء
صورة الموقف اعتمادًا على المعلومات المتاحة لديه.