هل كسرت حركة "الصراصير" الهندية هالة مودي التي لا تُقهر؟

ألطاف موتي
"من مجرد احتجاج محلي إلى حركة وطنية عارمة"- إكس
"من مجرد احتجاج محلي إلى حركة وطنية عارمة"- إكس
شارك الخبر
على مدار أسابيع، اعتصم عدد قليل من الطلاب في إضراب عن الطعام إلى جانب المهندس الشهير والمثقف العام سونام وانغشُوك، مطالبين بالعدالة لملايين الشباب الهنود الذين ألقي بمستقبلهم في غياهب المجهول جراء التكرار المتواصل لتسريبات أوراق الامتحانات وإلغاء اختبارات التوظيف. وقليلون هم من تصوروا أن هذا الاحتجاج سيتطور إلى حركة وطنية عارمة قادرة على انتزاع واحدة من أكبر التنازلات السياسية في الولاية الثالثة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي.

وما بدأ كموجة غضب حيال نزاهة نظام الامتحانات في الهند، تحول سريعاً إلى تمرد أوسع نطاقاً ضد البطالة، والوعود المنكوبة، والإحباط المتصاعد لجيل يحمل مؤهلات عالية. وعندما وصف رئيس المحكمة العليا في الهند المتظاهرين تهكماً بـ"الصراصير" خلال جلسة قضائية، تحولت هذا الإهانة بشكل غير متوقع إلى أعظم سلاح سياسي يملكه الحراك؛ حيث تبنى الناشطون اسم "حزب جانتا الصراصير"، محولين مصطلح ازدراء واجتراء إلى رمز للمقاومة. وفي غضون أسابيع، أصبح ملايين الهنود يتابعون هذا الحراك، والتفّت أحزاب المعارضة حول مطالبه، وأصر المتظاهرون على استقالة وزير التعليم درميندرا برادهان بسبب ما وصفوه بفشله في حماية منظومة الامتحانات في البلاد.

ولم يكن قبول الحكومة لاستقالته في نهاية المطاف مجرد سقوط لوزير واحد، بل أثار تساؤلاً أعمق بكثير: هل بدأت صورة ناريندرا مودي المنمقة بعناية بوصفه زعيماً لا يُقهر سياسياً في التصدع؟

أزمة تتفاعل منذ سنوات
لم يكن قبول الحكومة لاستقالته في نهاية المطاف مجرد سقوط لوزير واحد، بل أثار تساؤلاً أعمق بكثير: هل بدأت صورة ناريندرا مودي المنمقة بعناية بوصفه زعيماً لا يُقهر سياسياً في التصدع؟

تحدد الامتحانات التنافسية في الهند مستقبل ملايين الطلاب الساعين للالتحاق بالجامعات والوظائف الحكومية. وبالنسبة لعدد لا يحصى من العائلات الفقيرة وتلك التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، يُمثل النجاح في هذه الامتحانات السبيل الواقعي الوحيد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وقد أدى تكرار تسريب أوراق الامتحانات، وإلغاء الاختبارات، والاتهامات المستمرة بالفساد إلى تدمير الثقة في النظام تدريجياً. وكان العديد من الطلاب قد كرّسوا سنوات عدة للتحضير، وغالباً ما أنفقوا مدخرات حياة عائلاتهم على معاهد التدريس الخصوصي. وعندما أُلغيت الامتحانات بدعوى تسريب أوراق الأسئلة قبل موعدها، انتشر اليأس بسرعة في عموم البلاد، وتفاقم الغضب العام مع ورود تقارير تفيد بوقوع حالات ضيق نفسي حاد بين المرشحين، بما في ذلك حالات انتحار مرتبطة بأزمة الامتحانات الأوسع. ولم تعد القضية مجرد مسألة تعليمية فحسب، بل غدت اختباراً لقدرة المؤسسات الهندية على حماية الجدارة وتكافؤ الفرص.

من الإضراب عن الطعام إلى حركة وطنية

وعندما انضم الناشط البارز والمبتكر الهندي المعروف سونام وانغشوك، المحاضر في مجال التعليم والبيئة وحائز جائزة "رامون ماجايساي"، إلى الحملة عبر إضراب طويل عن الطعام، جاءت نقطة التحول لتتحول القضية من مجرد احتجاج محلي إلى حركة وطنية عارمة، مجادلا بأن شباب الهند يستحقون الشفافية والمساءلة والتقدير بدلا من اللامبالاة الرسمية.

وقد أضفى مشاركته على الحراك سلطة أخلاقية تجاوزت حدود السياسة الطلابية، وبدأت الجامعات ومنظمات المجتمع المدني والمهنيون تعلن عن تضامنها. كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل المظاهرات المتفرقة إلى حملة وطنية منسقة.

ولم يلبث المطلب المركزي للحركة أن أصبح جلياً لا غبار عليه: وهو وجوب تحمل وزير التعليم درميندرا برادهان المسؤولية السياسية عن الإخفاقات المتكررة في منظومة الامتحانات.

وعندما جاءت استقالته لاحقاً، احتفل المتظاهرون بها ليس بوصفها نصراً شخصياً على سياسي بعينه، بل كدليل قاطع على أن الضغط الشعبي المستدام لا يزال قادراً على التأثير في قرارات الحكومة.

الاختبار الحقيقي الأول للسردية السياسية لمودي

ما زال ناريندرا مودي الزعيم الوطني الأكثر شعبية في الهند، ويواصل حزب بهاراتيا جانتا امتلاك ماكينة انتخابية لا تضاهى، وانضباط تنظيمي وموارد مالية هائلة. غير أن الشرعية السياسية لا تعتمد فقط على الفوز بالانتخابات، بل تستند أيضاً إلى الحفاظ على صورة السيطرة المطلقة.

ولأكثر من عقد من الزمان، صوّر مودي نفسه كقائد حاسم قادر على قهر المعارضة ومقاومة الضغط العام، وهو التصور الذي جاءت "حركة الصراصير" لتتحدّاه بشكل دقيق ومباشر. فلأول مرة منذ سنوات، تجبر حركة شبابية لا مركزية الحكومة على التراجع بصورة علنية ومكشوفة في قضية تلامس حياة ملايين العائلات العادية.

ويبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت تلك الاستقالة مجرد تضحية تكتيكية أم مؤشراً على ضعف سياسي أعمق، غير أنه لا يمكن بحال تجاهل البعد الرمزي لذلك الحدث.

شباب الهند يغيرون الخطاب السياسية

سلطت الحركة الضوء أيضاً على اتساع الهوة بين إنجازات الهند الاقتصادية المذهلة وتطلعات جيلها الناشئ. فالهند لا تزال واحدة من أسرع اقتصادات العالم الكبرى نمواً؛ ومع ذلك، فإن التوسع الاقتصادي السريع لم يتمكن من القضاء على بطالة الشباب، أو منع تأخر التوظيف في القطاع العام، ناهيك عن المخاوف المرتبطة بعدالة الامتحانات التنافسية.

الحركة لم تسقط حكومة، ولم تُحدث تحولاً جذرياً في موازين القوى السياسية في الهند، ولكن ما أفلحت في تحقيقه هو تقويض الاعتقاد السائد بأن الضغط الشعبي عقيم لا جدوى منه

ولم يكن الكثير من المتظاهرين يطالبون بتغيير أيديولوجي، بل جل ما كان يطالبون به هو الحوكمة الكفؤة. وهذا التمييز هو ما يفسر استقطاب الحركة لتضامن وتأييد امتد بكثير إلى ما وراء أنصار المعارضة التقليدية.

تحذير لا حكم نهائي

سيكون من التسرع بمكان الجزم بأن الهيمنة السياسية لمودي قد وصلت إلى نهايتها، فحزبه ما زال يشكل قوة انتخابية هائلة، ولا تزال المعارضة الهندية تعاني من التشرذم. بيد أن التاريخ يثبت أن القادة المهيمنين نادراً ما يفقدون سلطتهم بين عشية وضحاها؛ إذ تبدأ صورتهم بالتداعي حين يدرك المواطنون أن الحكومات قابلة للرضوخ والإجبار على الاستجابة.

ولعل تلك الحقيقة ستثبت أنها الإنجاز السياسي الأكبر لـ "حركة الصراصير". فهذه الحركة لم تسقط حكومة، ولم تُحدث تحولاً جذرياً في موازين القوى السياسية في الهند، ولكن ما أفلحت في تحقيقه هو تقويض الاعتقاد السائد بأن الضغط الشعبي عقيم لا جدوى منه.

وإذا نجحت حكومة مودي في استعادة الثقة بمنظومة الامتحانات وتوفير فرص حقيقية ومجدية لشباب الهند، فقد يُنظر إلى هذه الإقطاعية كعثرة سياسية مؤقتة. أما إذا أخفقت، فقد يرى المؤرخون في المقابل أن "حركة الصراصير" كانت اللحظة التي اكتشف فيها شباب الهند المحبطون قوة العمل الجماعي، واللحظة التي بدأت فيها هالة التي لا تُقهر المحيطة بناريندرا مودي بالتلاشي للمرة الأولى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل