في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب الدائرة في المنطقة بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، جاء هجوم الطائرة المسيرة على سفينتي غاز في ميناء
دمياط ليضيف بعدا جديدا ومعقدا إلى المشهد الأمني والاقتصادي
المصري، إذ أثار الهجوم تساؤلات واسعة حول طبيعة الاستهداف ودلالاته، وسط غياب إعلان رسمي عن الجهة المسؤولة وتضارب الروايات الدولية.
وفي هذا الإطار، أكد السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم السابق في الأمم المتحدة، أن الحادث خطير وله أبعاد متعددة، فهو ظاهريا يستهدف مصر لكنه في نفس الوقت يستهدف مصالح أمريكية إذ أن السفينتين تابعتين للولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنه يستهدف بنية الطاقة في مصر وهي بنية تعتمد على استيراد مصادر الطاقة مثل الغاز والبترول لأن الإنتاج المصري لا يكفي، وبالتالي يؤثر تأثيرا كبيرا إذا كانت له حوادث أخرى تتبعه.
وأضاف في مقابلة مع "عربي21" أنه يكشف عن عدم إمكانية استشعار المسيرة قبل دخولها الأراضي المصرية ثم بعد دخولها للمجال البحري أو المجال الجوي وعدم إمكانية تدميرها قبل وصولها للهدف، مشيرا إلى أن هذه حوادث متكررة في دول أخرى،
طبيعة الهجوم: استهداف مباشر لمصر أم لمصالح دولية؟
واعتبر أن ثمة عناصر إيجابية يمكن استخلاصها من الحادث، موضحا أن "الدول ذات الوزن هي التي تتعرض لمثل هذه الهجمات"، مستشهدا بتعرض تركيا سابقا لهجوم صاروخي أو بمسيرة لم يُثبت مصدره رغم توجه الشكوك إلى
إيران التي نفت مسؤوليتها، وكذلك تعرض باكستان لحوادث مماثلة، وبتالي "الدول ذات الوزن" هي التي تتعرض لمثل هذه الهجمات.
وأكد أن مصدر المسيرة التي استهدفت دمياط "لم يعلن بعد وهذا من النواحي التي يجري التحقيق فيها".
في ظل غياب إعلان رسمي للمسؤولية، كيف يؤثر ذلك على خيارات مصر القانونية والدبلوماسية؟
وبشأن تأثير غياب إعلان المسؤولية على الخيارات القانونية والدبلوماسية المصرية، رأى أحمدين أن "الدول ذات الوزن تتمتع بنوع من الردع يدفع الأطراف الأخرى إلى عدم تبني مثل هذه الهجمات"، مشيرا إلى أن البيان الإيراني أكد "أهمية الأمن المصري بالنسبة لإيران والثقة المتبادلة" رغم غياب علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، في ظل وجود اتصالات منتظمة بين وزيري الخارجية وحتى بين رئيسي الجمهورية، بخصوص أنصار الله الحوثي هناك إتصالات على المستوى الأمني.
ولفت إلى أن "باب المندب يتحكم نوعا ما في ممر قناة السويس"، موضحا أن دولة الاحتلال نفت هي الأخرى أي علاقة بالحادث، لكنه أشار إلى أن "أغلب عمليات العلم الكاذب أو العمليات المموهة تكون منسوبة لإسرائيل" التي "من عادتها أن تنفي ذلك"، بينما "الحوثيون والإيرانيون غالبا ما يتبنون هجماتهم".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أنه "لا يتهم أحدا ولا يريد التوغل في تخمينات إلى أن تتضح نتائج التحقيقات"، مذكرا بأن التحقيقات في حادثة تركيا لم تثبت مصدر المسيرة، وأنه من الوارد ألا تثبت تحقيقات دمياط مصدرها كذلك.
وأشار إلى مصادر أخرى محتملة للاحتقان تجاه مصر، موضحا أن هناك "تضييقا من الغرب على المساعدات التي كانت تصل إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا واللواء حفتر"، وأن "قوات الدعم السريع" التي سبق لقائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" أن وجه اتهامات لمصر وهدد بالرد، تمثل مصدرا محتملا آخر للاحتقان.
وأكد أن أهم أولوية بالنسبة لمصر حاليا هي "إحكام الدفاعات الجوية"، موضحاً أنه "من الجوانب السلبية أن المسيرة اخترقت الدفاعات الجوية، لكن من الإيجابي محاولة سد هذه الثغرات ولفت الانتباه إليها"، وأنه في حال عدم إثبات هوية مطلق المسيرة "يتم على الأقل إحكام الدفاعات"، أما في حال ثبوتها "يرد عليه بالأسلوب المناسب الذي ليس بالضرورة أن يكون عسكريا".
ما الرسالة الاستراتيجية التي يحملها هذا الهجوم لمصر؟ وهل يمثل تحولا في نطاق الصراع الإقليمي؟
حول الرسالة الاستراتيجية للهجوم، أوضح أحمدين أن الرسائل المتعددة التي يمكن استشفافها منه، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، تشير إلى أن "مصادر الطاقة ليست في مأمن في المنطقة كلها"، وأن البحر المتوسط "يدخل الآن مع الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس بالتبعية في نطاق التهديدات".
وأكد أن مصر "لم تشارك ولا تشارك ولا تنوي المشاركة في الحرب ضد إيران ولا ضد الحوثيين"، موضحا أن أقصى ما جرى في الحرب السابقة ضد الحوثيين كان "دوريات بحرية مشروعة" بالنظر إلى المصالح المرتبطة بقناة السويس وباب المندب.
وبخصوص احتمالية توسع نطاق الحرب، أكد أحمدين أنه بدون هذا الهجوم، الحرب منتشرة في المنطقة كلها نتيجة العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران والرد الإيراني الذي طال القواعد الأمريكية في الخليج وامتد إلى بنى تحتية مدنية في الخليج وكذلد الى دولة الاحتلال في مرحلة ما.
ورفض أحمدين وصف الحرب الحالية بأنها "منخفضة الوتيرة"، معتبرا أن هذا الوصف يمثل "تطبيعا لمفهوم استمرار الحرب بصفة لا نهائية" و"عصفا بالمفاهيم الدولية المتعلقة بالحرب والسلام ووقف إطلاق النار"، على غرار ما يحدث في غزة ولبنان وإيران وسوريا، حيث وصف وقف إطلاق النار القائم بأنه "من طرف واحد" بينما "إسرائيل والولايات المتحدة تستمران في إطلاق النار".
وشدد على أن الحرب الناتجة عن "العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران غير المبرر"، أدت إلى هذا الوضع الذي يعاني منه العالم كله، مضيفا، "يجب أن ندرك ذلك ولا نمتثل لسردية أن هذه حرب محدودة أو أن الأمر لم يطل العالم العربي كله لم يطل البنى التحتية الرئيسية في دول الخليج".
وأكد أن "هذه حرب خطيرة وتدعياتها خطيرة، تؤثر على المنطقة أكثر من العالم وتؤثر على العالم بأسره بما لها من تداعيات على سعر البترول وإمكانيات توريد البترول والغاز والأسمدة وغير ذلك من المواد المرتبطة، وما يرتبط من إعاقة الملاحة البحرية في العالم كله كما رأينا في المحيطات القريبة من الخليج وفي البحر الأحمر والآن في البحر المتوسط".
هل يدفع الحادث القاهرة لمراجعة سياسة الحياد في الصراع الجاري؟
وبخصوص احتمال مراجعة القاهرة سياسة الحياد في الصراع، أكد أحمدين على عدم استباق الأحداث الدخول في تخمينات، مشيرا إلى أن دول الخليج نفسها لم تدخل رسميا في حرب ضد إيران رغم تعرضها لهجمات.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن العلاقات بين مصر وإيران "علاقات ثقة متبادلة" رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية، موضحا أن مصر "تشارك في الوساطة وتحرص على تخفيف وطأة التصعيد الحالي وعلى إنهاء هذه الحرب"، باعتبارها من دول الوساطة المتأثرة باستمرار القتال، وأنه "ليس من الرشد أن تشارك في قتال لم تبدأه ضد طرف ليست علاقتها به سيئة".
ما التداعيات المحتملة على أمن الطاقة، وثقة المستثمرين، والملاحة عبر الموانئ المصرية؟
وردا على سؤال حول تأثير الهجمات على منشآت الطاقة الحساسة في المنطقة، شدد أحمدين على أن "الحل يكمن في وقف هذه الحرب"، لافتاً إلى أن مصدر هجوم دمياط لم يُثبت بعد، وأنه بالمقارنة تعرضت منشآت تحلية المياه في بعض دول الخليج لهجمات في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان، ونفت إيران مسؤوليتها عنها، بينما أشارت صحف غربية من بينها "نيويورك تايمز" إلى احتمالات كبيرة بأن تكون دولة الاحتلال هي من نفذ تلك الضربات "من أجل إشراك دول الخليج في الحرب".
وأكد أن سياسة مصر تقوم على "الاحتواء وليس التصعيد"، لأن التصعيد "يؤثر تأثيرا كبيرا على المصالح المصرية ومصالح المنطقة"، واصفا استمرار الحرب وتصعيدها بأنه "موقف خاسر خاسر" على مستوى إمدادات الطاقة.
أثر الحادث على ثقة المستثمرين وأمن الملاحة في الموانئ المصرية
وفيما يتعلق بتداعيات الحادث على ثقة المستثمرين وأمن الملاحة عبر الموانئ المصرية، رأى أحمدين أن الأمر "يتوقف على ما إذا كانت هذه الحوادث ستتكرر"، وعلى قدرة الدفاعات الجوية المصرية على مواجهة مثل هذه المسيرات أو الصواريخ مستقبلا.
وأكد أنه بالمقارنة مع دول الجوار الملاصقة لجبهات القتال والتي تتعرض "يوما بعد يوم لهجمات أشد خطورة وأكثر تأثيرا"، فإن الثقة في أمن الملاحة ومنشآت الطاقة في مصر "أكبر كثيرا وبمراحل".
أدوات مصر الدبلوماسية داخل مجلس الأمن في حال تكرار الهجمات
وحول الأدوات الدبلوماسية المتاحة لمصر داخل مجلس الأمن الدولي في حال تكرار الهجمات، أوضح أحمدين أن الأولوية تبقى للتثبت من مصدر المسيرة أولا، كاشفا أنه تم "استرجاع جزء من حطامها"، ما يؤمل أن يقود إلى تحديد طرازها ومسارها، سواء بالإمكانيات المصرية أو بالاستعانة بخبرات أخرى.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه في حال ثبوت مصدر محدد للمسيرة، ووجود علاقات دبلوماسية معه، "يتم الاتصال به والاحتجاج"، أما في حال التكرار "يمكن اللجوء إلى مجلس الأمن"، غير أنه اعتبر أن مجلس الأمن "مشلول حتى الآن في هذه الحرب"، نظرا لكون الولايات المتحدة طرفا في الحرب، فضلا عن مصالح الصين وروسيا المتعلقة بالملاحة وتعرض روسيا لعقوبات أمريكية، وهما دولتان تتمتعان بحق النقض "الفيتو".
واستشهد أحمدين على "عجز" مجلس الأمن عن التنفيذ، بإصداره القرار رقم 2037 عام 2024 بشأن وقف إطلاق النار في غزة وإدخال المساعدات دون أن "يحدث شيء"، وكذلك القرار رقم 2803 الخاص بتبني خطة ترامب للسلام في غزة، والتي وصفها بأنها "خطة قاصرة وغير متوازنة وفي صالح إسرائيل"، موضحا أن الجزء الخاص بإدخال 600 شاحنة مساعدات إنسانية يوميا وإعادة فتح الطرق والمستشفيات والمعابر "لم يتحقق" هو الآخر.
واعتبر أن مجلس الأمن "أصبح أداة رمزية بسبب عدم وجود الإرادة الدولية لدى أعضاء الأمم المتحدة في تفعيل قراراتهم".