باحث أمني في الشؤون الإقليمية: السعودية ستظل قوة متوسطة تعتمد على أمريكا

قد تضطر الرياض إلى طلب الدعم الأمريكي إذا استؤنفت الحرب مع الحوثيين- جيتي
قد تضطر الرياض إلى طلب الدعم الأمريكي إذا استؤنفت الحرب مع الحوثيين- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" مقالا لمدير قسم الأمن الإقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إميل الحكيم، قال فيه إن أحدث تصريح انفعالي للرئيس الأمريكي يكشف أن تفضيلات بنيامين نتنياهو لا تزال تتفوق على طموحات محمد بن سلمان.

وأشار الحكيم إلى أنه عندما زار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني السعودية في وقت سابق من هذا الشهر، لا بد أنه تعاطف مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن المصاعب التي تواجهها القوى المتوسطة في عصر تتسم فيه السياسة الأمريكية بعدم قابلية التنبؤ.

وبالنسبة لكندا، أصبحت العلاقة القائمة على التجارة والتقارب الإنساني والثقافي والشعور بالقيم والمصير المشترك مهددة الآن بسبب الخطاب العدائي لإدارة ترامب، أما بالنسبة للسعودية، فقد أصبحت العلاقات الخالية من الاعتبارات القيمية والمبنية على الأمن والاستثمار عرضة للخطر بسبب السلوك الأمريكي المتهور في محيطها الإقليمي.

وبعد أن نصحت الرياض ودول خليجية أخرى بعدم خوض حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران، يتعين عليها الآن التعامل مع العواقب المزعزعة للاستقرار المترتبة على ذلك. وهي تقبل على مضض حقيقة أن تلك الحلقة المقلقة التي تتأرجح بين الحرب والإكراه الاقتصادي والدبلوماسية ستملي عليها سلوكها الجيوسياسي والاقتصادي لسنوات قادمة.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح الكاتب أن السعودية كانت رابحا نسبيا في حرب كانت ستكون مدمرة لولا ذلك؛ فقد عمل مسؤولوها بجد لتوبيخ إيران، ومواجهة النفوذ الإسرائيلي في العواصم الغربية، وطرح حلول ومخارج للصراع. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السعودي سينمو بنسبة 1.7% في عام 2026، وبالطبع، يفترض هذا التوقع ألا تتفاقم الأوضاع، وهو افتراض جريء في منطقة الشرق الأوسط.

وفق الحكيم، يدرك المسؤولون في الرياض حقيقة الوضع جيدا؛ فبعد سنوات من محاولة تجنب اندلاع صراع إقليمي شامل، يراقبون الآن بقلق بالغ انخراط أمريكا وإيران مجددا في سياسة حافة الهاوية.

وركزت مذكرة التفاهم الغامضة التي طرحت في حزيران/ يونيو على إعادة فتح مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني. وبالنسبة لدول الخليج، لطالما كانت ترسانة طهران من الصواريخ والمسيرات والميليشيات الحليفة تمثل التهديد الرئيسي، وذلك حتى دفعت الحرب الأمريكية إيرانَ إلى إغلاق مضيق هرمز؛ إذ يأتي البرنامج النووي في مرتبة أدنى ضمن قائمة مخاوفهم.

ومع ذلك، رأت السعودية أن التفاوض القائم على أسس معيبة يظل أفضل من استمرار حرب سيئة، بل إنها طرحت فكرة إبرام اتفاقية عدم اعتداء مع إيران.

لم تستجب طهران بشكل إيجابي للمبادرات الخليجية؛ لأنها ترغب في الحفاظ على أوراق الضغط التي تمتلكها قبل الدخول في أي مفاوضات رسمية. يتمثل الهدف في تسريع وتيرة استنزاف الولايات المتحدة ودفعها للانكفاء على الذات قبل مطالبة خصومها الإقليميين بالرضوخ؛ غير أن إيران تتوقع جولات أخرى من الصراع مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال قبل حدوث ذلك.

ولفت الكاتب إلى أن السعودية وشركاؤها لا يمتلكون خيارات تذكر سوى انتظار استنزاف الأطراف المتحاربة لقواها، والعمل في الوقت ذاته على تجنب تسوية معيبة قد تنتقص من مصالح الرياض، والواقع أن دونالد ترامب يبدو مستعدا لتحميل دول الخليج تكلفة إخفاقاته (بالمعنى الحرفي أحيانا).

ومع ذلك، لم يكن المسؤولون السعوديون يتوقعون هذه المفاجأة غير المتوقعة من ترامب، فبعد سنوات من المفاوضات، توصلت الولايات المتحدة والمملكة أخيرا إلى اتفاقية تاريخية بشأن الطاقة النووية تتيح إجراء عمليات تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، لكن بعد يوم واحد، طرح ترامب شرطا جديدا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ضرورة تطبيع المملكة لعلاقاتها مع إسرائيل أولا؛ وهو ما اعتبره المسؤولون السعوديون مجرد تهويل معتاد من ترامب.

وترى الرياض أن "اتفاقيات أبراهام" لا تتناسب مع الظروف الراهنة، وتتمسك بمطلبها باتخاذ خطوات ملموسة نحو إقامة الدولة الفلسطينية، فالمملكة العربية السعودية، شأنها شأن العديد من دول الشرق الأوسط، لا ترغب في العيش في ظل نظام إقليمي تدعمه الولايات المتحدة وتتمحور فيه الأولوية حول دولة الاحتلال.

وأظهر رد فعل الرئيس الأمريكي المفاجئ أن النفوذ الإسرائيلي قادر على كبح الطموحات السعودية، إن لم يكن تقويضها تماما.

اظهار أخبار متعلقة



ورغم وجود أسباب وجيهة لتدقيق الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي من منظور منع الانتشار النووي، إلا أن الاعتراضات الإسرائيلية تتسم بقدر من عدم المصداقية؛ فدولة الاحتلال التي تمتلك بالفعل سلاحا نوويا شنت حربا فاشلة زادت من احتمالية امتلاك إيران لسلاح نووي، بينما تسعى في الوقت نفسه لمنع السعودية من حيازة تكنولوجيا نووية متقدمة.

كما يمنح هذا الوضع إيران فرصة للسخرية من السذاجة العربية وانتقاد النفاق الأمريكي.

ويحدث كل هذا في وقت تهدد فيه الحرب السعودية ضد الحوثيين في اليمن بالاندلاع مجددا بعد أربع سنوات من الهدوء الهش. فبعد نجاحهم في تعطيل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025، قاوم الحوثيون الدعوات الإيرانية للانخراط في الحرب في شهر آذار/ مارس، وعمدوا بدلا من ذلك إلى إعادة بناء قدراتهم العسكرية.

والآن، وفي ظل سعيهم لابتزاز المملكة للحصول على أموال واعتراف فعلي بوضعهم، بدأ الحوثيون في تصعيد التوترات عبر استهداف منشآت الطاقة والسفن، ويظل سلاحهم الأقوى هو تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب، مما سيؤدي إلى عرقلة صادرات الرياض الحيوية عبر البحر الأحمر.

وقبل أسبوعين، سرعت واشنطن إجراءات صفقة أسلحة للمملكة بقيمة ملياري دولار، شملت في معظمها أسلحة دقيقة التوجيه.

ورجح الكاتب في حال استئناف الحرب، أن تطالب الرياض وتحصل على معلومات استخباراتية أمريكية، ودعم لتحديد الأهداف، وصواريخ اعتراضية بالغة الأهمية، فتلك هي حال القوى المتوسطة: تخطط للاستقلالية، حتى تضطرها قسوة واقع الصراع إلى الاستعانة بـ "الراعي" الذي لا تثق به تماما.
التعليقات (0)