في الوقت الذي يشتعل فيه الشارع
التونسي بسبب
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة مطالبين بتنحي الرئيس قيس سعيد، أجرى رئيس
النظام
المصري عبدالفتاح
السيسي، الثلاثاء، مكالمة هاتفية مع سعيد، ما اعتبره
مراقبون رسالة دعم من الأول، في توقيت حرج، ومحاولة لاحتواء الأحداث خوفا من أن تتفاقم
وتنتقل إلى القاهرة كما حدث خلال "الربيع العربي" عام 2011.
وبينما حملت البيانات الرسمية من الجانبين كلمات الدعم للآخر، وانتهت بتجديد سعيد، دعوته السيسي، لزيارة
تونس، أثارت الزيارة جملة من تساؤلات المصريين، حول مخاوف السيسي من غضبة
التونسيين، واحتمالات انتقال عدوى الشارع التونسي إلى مصر مجددا، وحجم دوافع
المصريين ومعاناتهم مع الفقر وفقدان الأمل للخروج، وما يقابل ذلك من سطوة أمنية للنظام
تجعل له الكلمة العليا.
قلق القاهرة ومحيط ساخن
عودة الهتافات للشارع التونسي، مجددا يبدو
أنها أقلقت النظام المصري، ما عبر عنه الصحفي نظام المهداوي، بالقول: السيسي مرعوب
من تطورات الأحداث في تونس، ومن تحولها إلى ثورة عارمة تنتقل عدواها إلى مصر.
وعن التظاهرات في تونس وردود الفعل في
القاهرة، قال وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام إن "المطر ينزل
في تونس وجماعة السيسي يحملون المطريات في القاهرة، والمسيرات تتحرك في شوارع تونس
والنديب والعويل في القاهرة"، متوقعا انتقال الحراك إلى مصر، مؤكدا أن
"موجة التغيير القادمة ستكون حتما خطا موصولا بين تونس والقاهرة".
اظهار أخبار متعلقة
وفي القاهرة، تناقل ناشطون مصريون بينهم
الحقوقي جمال عيد، شعارات وهتافات التونسيين في الشوارع عبر مواقع التواصل
الاجتماعي، وبينها: الهتاف الشهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"لا
خوف ولا رعب الشارع ملك الشعب"، و"جاك الدور ياقيس ياديكتاتور"،
و"لا ضوء لا ماء الحبس والغلاء".
ماذا يتوقع المصريون؟
وبينما نقل الإعلامي حافظ الميرازي، تصريحا
لوزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبوالغيط كانون الثاني/يناير 2011، يؤكد فيه
عدم تكرار أحداث تونس بالدول العربية، وتكرار
السيسي، في تموز/يوليو الجاري، قوله السابق عام 2018: (ما حدث في مصر لن يحدث
ثانية)، طرح السؤال: هل ستتأثر مصر، مرة أخرى، بمظاهرات تونس؟، أم أن ما حدث في مصر
لن يتكرر؟.
وتوقع معلقون انتقال عدوى
الاحتجاجات التونسية
الجديدة إلى القاهرة مرة أخرى بعد 15 عاما من ثورة يناير 2011، مشيرين إلى عوامل اقتصادية
وسياسية واجتماعية وأمنية وحتى نفسية بفقدان الأمل في المستقبل لدى الشباب، تدفع
لتكرار المشهد.
لكن البعض ذكر بعوامل أخرى قد تضعف هذا السيناريو،
ومنها زرع النظام حالة الخوف منذ 2013، والترهيب بالقبضة الأمنية والاعتقال والحبس
وحتى التصفية والقتل، إلى جانب تقسيم الشعب بين أغنياء وأصحاب مصالح مع السلطة، وفقراء.
وخلال بودكاست "ميكروفون" اعترف المحامي
والحقوقي المصري خالد علي، بأنه "لا أحد يستطيع مواجهة السلطة الآن حتى لو وراءه
تنظيم سياسي كبير"، مشيرا لعدم وجود مناخ ديمقراطي يسمح بوجود تنظيمات
سياسية، ملمحا إلى وجود مصالح وشبكة علاقات بين النظام وبعض التيارات ورجال الأعمال.
وما يناير عنا ببعيد
الكاتب الصحفي والإعلامي قطب العربي، وفي قراءته
لتوقيت مهاتفة السيسي، قيس سعيد، أكد لـ"عربي21"، أنها "نوع من الدعم
له في مواجهة الغضب الشعبي التونسي الذي وجد طريقه إلى الشارع، وحيث يخشى السيسي تكرار
ذلك في مصر".
وأضاف: "من المؤكد أن النظام العسكري في مصر
استفاد من خطئه السابق حين زعم أن مصر تختلف عن تونس إبان ثورتها الأولى، ونتذكر هنا
تصريحات أحمد أبوالغيط وزير الخارجية الأسبق حين ردد تلك الجملة، وهي لم تكن معبرة
عنه فقط بل عن نظام كامل بقياداته وإعلامييه ولكنهم جميعا فوجئوا أن مصر لا تختلف عن
تونس، وأن ما حدث بتونس امتد إلى مصر كمحطة ثانية مباشرة".
اظهار أخبار متعلقة
وفي تقديره يرى العربي، أن "هذه المرة تبدو
الأوضاع الداخلية في تونس والتي تسببت في انفجار الشارع هي ذاتها الموجودة في مصر حاليا
من أزمات اقتصادية متصاعدة إلى انسداد سياسي.. إلخ".
ولفت إلى أن "الرسالة التي خرجت من تونس تقول
إن الشعوب تصبر لبعض الوقت على المعاناة لكن لصبرها حدود، كما أن المعارضة حين تتشرذم
وتتناحر فيما بينها فان ذلك يطيل عمر النظام المستبد، أما حينما تتجاوز خلافاتها وتتفق
على المصالح الوطنية فإنها تكسب ثقة الشعب أو أجزاء مؤثرة منه".
وبين الكاتب المصري المعارض أن "هذا ما حدث
بتونس مؤخرا، حيث تصدر زعماء المعارضة من اتجاهات متعددة المسيرة الشعبية لأول مرة
منذ فترة طويلة ساد فيها الانقسام؛ وحين يتكرر هذا المشهد في مصر فإنه سيفتح الباب
للتحول الديمقراطي ومهما كانت سطوة النظام فإنها لن تستطيع مواجهة شعب يسعى للخلاص
من الفقر والظلم والاستبداد وما يناير عنا ببعيد".
الأزمات والمشاهد المتشابهة
من جانبه قال الناشط الحقوقي والباحث السياسي إسلام
سماحة، لـ"عربي21": "ليست القضية مجرد اتصال هاتفي بين رئيسين، بل خوف
قديم يتجدد كلما ارتفع صوت الشعوب".
وأكد أنه "حين يغضب الشارع التونسي بسبب الفقر
والبطالة وتراجع الأوضاع المعيشية، فإن الأنظار لا تتجه إلى تونس وحدها، بل إلى كل
عاصمة تعيش الأزمات نفسها؛ فالتاريخ يعلّم أن الأزمات الاقتصادية لا تعرف الحدود، وأن
صدى الاحتجاجات يتردد في الإقليم بأسره".
"من تونس خرجت الشرارة الأولى قبل أعوام،
ومنها سقط وهم أن الشعوب لا تتحرك، واليوم، ومع تصاعد الغضب الشعبي، يعود السؤال الذي
يحاول كثيرون تجاهله: هل يمكن للأزمات المتشابهة أن تُنتج مشاهد متشابهة؟"،
يوضح سماحة.
وأضاف: "في مصر، حيث يواجه ملايين المواطنين
ضغوطا اقتصادية قاسية وارتفاعا في تكاليف المعيشة، يطرح الواقع أسئلة ثقيلة: هل يكفي
الغضب وحده لصناعة التغيير؟، أم أن ميزان القوة القائم سيبقى العامل الحاسم؟"،
مجيبا: "لا أحد يملك إجابة قاطعة، لكن المؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على
الخوف، بل على العدالة، والكرامة، وتحسين حياة الناس".
ولفت إلى أن "التاريخ لا يتحرك بخط مستقيم،
ولا يكرر نفسه بحذافيره، لكنه يذكّر دائما بأن الشعوب لا تنسى حقوقها، وأن الأزمات
إذا تراكمت دون حلول، فإنها تتحول إلى اختبار صعب لأي سلطة".
وبين أنه "قد يختلف الزمان، وقد تختلف الأدوات،
لكن حقيقة واحدة تبقى حاضرة: لا يمكن لأي أمة أن تُطفئ أسئلة الحرية والعدالة والعيش
الكريم إلى الأبد؛ فالأوطان القوية لا تُقاس بصلابة السلطة وحدها، بل بثقة الشعوب في
مستقبلها، وبقدرتها على أن تعيش بكرامة، وأن تُسمع أصواتها، وأن تجد في وطنها أملا
لا خوفا".
وخلص للقول: "قد تهدأ الساحات، وقد يخفت الهتاف،
لكن ما دام الفقر يثقل الكاهل، والعدالة غائبة، والأمل يتراجع، فإن الأسئلة الكبرى
ستظل حاضرة، تنتظر من يجيب عنها بالفعل لا بالشعارات".
علامات الغضب تتسع
وتنتشر بشكل مفرط عمليات السرقة والسطو المسلح
وخطف الأطفال وتجارة المخدرات، مع ظاهرة البلطجة وغياب الأمن والسلام الاجتماعي،
ما يشير إليه تتابع مقاطع الفيديو المصورة من جميع انحاء الجمهورية لمشاجرات دامية
قد تصل للقتل بين مصريين، في ظل غياب تام لقوات الأمن.
وتتزايد بشكل لافت شكاوى مصريين من انتهاكات
شرطية تقع بحقهم، بينها اقتحام المنازل دون إذن نيابة وتحطيم محتوياتها والاعتداء
على أصحابها وسرقة متعلقاتهم، وقتل مسجونين جنائيين ومعتقلين سياسيين، وقبل أيام
اتهمت أسرة المواطن محمد عويضة الشرطة بتعذيبه حتى وفاته داخل قسم شرطة الرمل ثان بالإسكندرية.