هل يستطيع الرأي العام الأمريكي وقف حروب البيت الأبيض؟

تقول صحيفة نيوزويك إن حرب إيران سجلت أدنى شعبية بين الأمريكيين مقارنة بالعراق وأفغانستان - جيتي
تقول صحيفة نيوزويك إن حرب إيران سجلت أدنى شعبية بين الأمريكيين مقارنة بالعراق وأفغانستان - جيتي
شارك الخبر
تشكّل الحروب والنزاعات التي خاضتها الولايات المتحدة منذ تأسيسها، عنصراً بنيوياً في صياغة سياستها الخارجية، بدءاً من عقيدة "المصير المنظور"، مروراً بفرض الهيمنة إبّان الحرب الباردة، وصولاً إلى الحرب على الإرهاب والصراعات الأحدث في الشرق الأوسط.

منذ عام 1776، نفذت الولايات المتحدة قرابة 400 تدخل عسكري، فيما استخدم رئيس البلاد التفويض التشريعي الذي يمنحه صلاحية واسعة لاستخدام القوة ضد أي دولة أو منظمة، ولكنه غالباً ما كان ينظر إلى المزاج العام قبل شن الهجمات.

اظهار أخبار متعلقة


ورغم أن الدستور الأمريكي ينص على أن الكونغرس هو وحده من يملك سلطة إعلان الحرب، كان رؤساء الولايات المتحدة يلقون خطابات يبثون من خلالها الرعب بشأن تهديد محتمل أو ضرورة أمنية، تستدعي شن عملية عسكرية بهدف كسب التأييد.

تأثير المزاج العام

في تقرير نشره مركز "بيو" للأبحاث، أوضح أن آراء الأمريكيين تؤثر على قرارات الحروب بطرق مختلفة، أبرزها الضغط السياسي، ونتائج الانتخابات، وقرارات الانسحاب، حيث يدفع غضب الشارع الكونغرس للتصويت ضد استمرار العمليات العسكرية.

كما تبرز المخاوف من خسارة الانتخابات، حيث تدفع الخسائر البشرية وارتفاع الأسعار إلى تراجع شعبية القادة الحاكمين، وبالتالي تُجبر اعتراضات الرأي العام الإدارة الأمريكية على تغيير استراتيجيتها تجاه تقليص العمليات العسكرية أو البحث عن نهايات سريعة.

ووفق استطلاع لـ"مجلس شيكاغو" عام 2022، فإن 15 بالمئة من الأمريكيين فقط هم من يرون أن حماية القيم والمبادئ الديمقراطية في العالم يجب أن تكون الأولوية لسياسة واشنطن الخارجية، أما الأغلبية فإنها أكثر اهتماماً بالأمن القومي وتعزيز مصالح بلادهم الاقتصادية.


قد ينقلب المزاج العام في أي لحظة، فالأمريكيون لا يفضلون عادة الحروب الطويلة أو المكلفة، خاصة مع مشاهد عودة توابيت جنودهم التي تترك أثراً عاطفياً عميقاً داخل الكونغرس والرأي العام، وفق ما يؤكد المحلل السياسي جون فيهري، حيث يصعب عندها تسويقها.

تحول تاريخي تجاه التدخلات العسكرية

اليوم، يتربع الرئيس دونالد ترامب على رأس حرب تُعد الأقل شعبية بين الأمريكيين مقارنة بأي حرب خاضتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك غزو العراق وأفغانستان، والحملة العسكرية في ليبيا، بحسب مجلة "نيوزويك".

وبعد مرور خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، اختلف النمط المعتاد، إذ إن التأييد الشعبي للحروب في أفغانستان والعراق بدأ بمستويات مرتفعة ثم تراجع تدريجياً، في حين بدأ التأييد للحرب على إيران منخفضاً وظل كذلك.

ففي أحدث استطلاع أجرته شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية، ومؤشرات "ريل كلير بولينغ"، ظهر اتساع الفجوة بين المعارضين والمؤيدين للحرب على إيران، حيث بلغت نسبة المعارضة للعمليات العسكرية الجارية 66 بالمئة، فيما اقتصرت نسبة التأييد على 34 بالمئة فقط.

وتشير المعطيات الجديدة إلى أن الحرب على إيران باتت تواجه أزمة شرعية داخلية متزايدة، مع تراجع قدرة الإدارة الأمريكية على حشد التأييد الشعبي الذي رافق العديد من العمليات العسكرية السابقة، خصوصاً تلك التي جاءت عقب أحداث كبرى أو تحت شعارات الأمن القومي.

كيف غير هرمز السلوك العام الأمريكي؟

ألقى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بظلاله على إمدادات النفط والغاز المسال والأسمدة الزراعية نحو الأسواق العالمية والأمريكية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة لتتجاوز 4.11 دولارات للغالون الواحد.

ورغم تعهد الرئيس دونالد ترامب في حملته الانتخابية بخفض أسعار وقود السيارات إلى أدنى من دولارين، انعكست تكلفة الطاقة سلباً على تشغيل المصانع وسلاسل النقل الداخلي، وهو ما نجم عنه إطلاق موجة تضخم شملت أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية والمواد الغذائية.

بهذا الصدد، قال الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلين هاردينغر، إن القضايا المعيشية والمالية أصبحت هي المحرك الأساسي للرأي العام، حيث لم تعد الشعارات العامة للأمن القومي كافية لإقناع الشارع بتحمل تبعات الحروب الخارجية، وهو ما أثر في وعي المواطن الأمريكي بالتكلفة الاقتصادية للحروب.

وفي أحدث استطلاعات الرأي، فقد اتسعت دائرة المعارضة للحرب؛ إذ تشير إلى أن ما بين 70 و80 بالمئة من الأمريكيين يعارضون استئنافها، كما أظهر استطلاع لموقع "بوليتيكو" أن نحو ثلثي مؤيدي حركة "ماغا" المؤيدة لترامب لا يؤيدون استمرار المواجهة مع إيران.

تسلسل زمني لاتساع فجوة التأييد

تُظهر البيانات التاريخية الصادرة عن مؤسسة "غالوب" حجم التحول في سلوك الرأي العام الأمريكي عند اندلاع الحروب والتدخلات الخارجية؛ فخلال الفترة من 1 إلى 15 حزيران/يونيو، أي بعد نحو 93 يوماً من اندلاع الحرب، أظهرت أن 34 بالمئة من الأمريكيين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران.

وفي الفترة الزمنية نفسها تقريباً من الحملة العسكرية في ليبيا عام 2011، أي بعد 95 يوماً، بلغت نسبة التأييد، وفقاً لـ"غالوب"، 39 بالمئة، بينما بلغت 60 بالمئة بعد مرور 260 يوماً على بدء غزو العراق.

وكشف التقرير أن الفجوة كانت أكبر في بدايات الحروب؛ ففي أفغانستان بلغت نسبة التأييد 90 بالمئة في اليوم الذي بدأت فيه الضربات خلال تشرين الأول/أكتوبر 2001، فيما أيد 76 بالمئة قرار خوض الحرب في العراق في اليوم التالي لبدء الغزو في آذار/مارس 2003.

وأشار معهد "غالوب" إلى استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك في أوائل آذار/مارس 2026 أظهر أن 40 بالمئة من الناخبين المسجلين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران، مقابل معارضة 53 بالمئة، لافتاً إلى أن التأييد الأولي للحرب على إيران بلغ 41 بالمئة، وهو أدنى مستوى يُسجل.

وخلال دراسة أجراها "غالوب" لنحو 12 عملية عسكرية أمريكية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ظهر أن عمليتين عسكريتين فقط فشلتا في استقطاب تأييد الأغلبية عند انطلاقهما؛ الأولى في ليبيا التي أطلقها الرئيس الأسبق باراك أوباما، إذ بلغت نسبة التأييد لها 47 بالمئة، والثانية الضربات العسكرية ضد سوريا في عامي 2017 و2018، بنسبة تأييد بلغت 50 بالمئة فقط.

نحو الثلثين.. "الحرب لا تستحق القتال"

وبحسب المعهد، فإن نتائج استطلاعات الرأي لم تتحسن منذ ذلك الحين، مستشهداً باستبيان أجرته "واشنطن بوست" بالتعاون مع "إبسوس" خلال الفترة من 8 إلى 13 تموز/يوليو، أظهر أن 29 بالمئة فقط يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الحرب الإيرانية، فيما رأى 68 بالمئة أن الحرب لا تستحق القتال.

ولفت إلى أن هذه الفجوة، البالغة 40 نقطة مئوية، تعادل أسوأ نتيجة سجلتها استطلاعات "واشنطن بوست" و"إيه بي سي نيوز" بشأن الحرب في أفغانستان عام 2013، بعد ما يقرب من 12 عاماً على اندلاعها، حين رأى 67 بالمئة أنها لا تستحق الاستمرار، مقابل 28 بالمئة اعتبروا أنها تستحق.

ما بين ترامب ومن سبقوه

استعرض تقرير مجلة "نيوزويك" الأمريكية، أرقاماً تظهر أنه في أيلول/سبتمبر 2001، كان معدل تأييد الرئيس جورج بوش 51 بالمئة، قبل أن يقفز إلى 87 بالمئة في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، أي بعد سبعة أسابيع من بدء الحملة في أفغانستان.

أما خلال غزو العراق، فقد دخل بوش الحرب بنسبة تأييد بلغت 58 بالمئة، قبل أن ترتفع إلى 71 بالمئة في الأيام التي تلت بدء الغزو.

وفي المقابل، كان معدل تأييد ترامب 40 بالمئة في استطلاع أجرته "رويترز/إبسوس" نهاية شباط/فبراير 2026، أي قبل بدء الضربات ضد إيران، لكنه تراجع إلى 36 بالمئة بحلول أواخر آذار/مارس، ليسجل أدنى مستوى له خلال ولايته الثانية.

ما أسباب تدني شعبية الحرب

يقول الباحث في العلوم السياسية بمعهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس، مارك جونز، بحسب تقرير "نيوزويك"، إنه "من الواضح أننا لا نرى تأثيراً تقليدياً للالتفاف حول العلم"، وسردت الصحيفة ثلاثة عوامل رئيسية تكشف أسباب تدني شعبية الحرب على إيران.

العامل الأول، يتمثل في أن الحرب كانت اختيارية ولم تأتِ رداً على هجوم استهدف الأراضي الأمريكية، إذ شنت إدارة الرئيس ترامب ضربات منسقة مع إسرائيل بعد انهيار المفاوضات.

العامل الثاني، يخص الوضع الاقتصادي، إذ ارتفعت أسعار البنزين بنحو دولار واحد للغالون خلال الشهر الأول من الحرب، فيما تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل مجدداً هذا الشهر بعد استئناف القتال.

أما العامل الثالث، بحسب التقرير، فهو الاستقطاب الحزبي في الولايات المتحدة، إذ أظهر استطلاع "غالوب" أن نسبة التأييد للحرب بلغت 79 بالمئة بين الجمهوريين، و26 بالمئة بين المستقلين، و8 بالمئة فقط بين الديمقراطيين.

هل سيتحرك الكونغرس فعلاً؟

على ما يبدو، فإن الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، والذي أبدى قلقاً واضحاً بشأن انتخابات التجديد النصفي، لا يزال بعيداً كل البعد عن تأكيد سلطته الدستورية على الحرب، إلا أن بعض التطورات التي قد حدثت مؤخراً قد تغير طبيعة المسار، وفق تحليل نشرته شبكة "سي أن أن".

وإحدى الطرق التي يمكن للكونغرس من خلالها القيام بذلك هي رفض أو تأجيل تمويل الحرب. وأقر مجلس النواب مشروع قانون يتضمن تمويلاً الأسبوع الماضي، لكن مصير مشروع القانون في مجلس الشيوخ يبدو غامضاً في أحسن الأحوال.

اظهار أخبار متعلقة


والمسار الثاني هو الاستمرار في إجراء التصويت لتقييد سلطة ترامب عبر قرارات صلاحيات الحرب. وصوّت مجلس النواب على ذلك للمرة الثانية، الخميس، كما صوّت مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية على ذلك مرة واحدة أيضاً.

أما أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ألكسندر داونز، فقال: "كلما استمرت الحرب دون نهاية تلوح في الأفق، ودون تقديم إيران تنازلات، تفاقمت التداعيات على انتخابات التجديد النصفي".

وسبق وأكّد مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ديفيد دي روش، أن المؤشر الأكثر تأثيراً لدى الناخبين الأمريكيين ليس تطورات الجبهات العسكرية، بل أسعار البنزين وكلفة المعيشة، وهما العاملان اللذان قد يحسمان المزاج الانتخابي في الأشهر المقبلة.

بدوره تحدث الباحث سكوت راسموسن قائلاً: "من غير المعتاد أن يكون هناك هذا القدر من الرفض بينما لا تزال القوات الأمريكية تقاتل"، معتبراً أن ذلك يعكس حالة الاستقطاب الحزبي الحاد.
التعليقات (0)