لم تعد نتيجة
الحروب الحديثة تُحسم فقط بقوة النيران أو تطور الأسلحة، بل أصبحت سرعة إيصال
وحدات الدم إلى الجنود المصابين عاملًا قد يقرر مصير المعركة بأكملها.
ونشر موقع "
وور
أون ذا روكس" يوضح أن التجارب العسكرية عبر التاريخ كشفت أن حسم المعارك لا يعتمد
على الأسلحة وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة الجيوش على إنقاذ جنودها وإيصال الرعاية الطبية
إليهم في الوقت المناسب. وتُعد
بنوك الدم ونظم نقله أحد أبرز الابتكارات التي غيّرت
مفهوم
الطب العسكري منذ
الحرب العالمية الثانية، فيما تعود هذه القضية اليوم إلى الواجهة
مع الحروب الحديثة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية.
وقال الموقع في هذا
التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إن الأمراض كانت السبب الرئيسي لوفاة الجنود
الأمريكيين قبل ظهور المضادات الحيوية خلال القرن العشرين، إذ شكّلت أمراض مثل التيفوئيد
والزحار نحو ثلثي الوفيات في الحرب الأهلية الأمريكية، نتيجة انتشارها في المياه الملوثة
والمعسكرات المكتظة. ولم تُحاصَر هذه الأمراض إلا من خلال تحسين إجراءات التطعيم والصرف
الصحي الميداني. وحتى خلال الحرب العالمية الأولى، تجاوز عدد الجنود الأمريكيين الذين
توفوا بسبب المرض عدد من قُتلوا في المعارك، حيث بلغ عددهم 63 ألفًا مقابل 51 ألف قتيل
في القتال.
وبحلول عام 1940، شهد
الطب العسكري تطورًا كبيرًا بفضل اللقاحات والتقنيات الجراحية المعقمة وأدوية السلفا
وأنظمة فرز المصابين في ساحات القتال، ما منح الجنود المصابين فرصة أكبر للبقاء على
قيد الحياة. إلا أن النزيف الحاد ظل يمثل تحديًا رئيسيًا، إذ كان بإمكان الجندي أن
يفارق الحياة خلال دقائق رغم إمكانية علاج إصابته، في ظل عدم امتلاك أي جيش آنذاك وسيلة
فعالة لإيصال الدم إلى مواقع القتال.
وقد كان الدم الكامل
يفسد خلال أسابيع قليلة حتى عند تبريده، ما جعل تخزينه ونقله لمسافات طويلة أمرًا بالغ
الصعوبة خلال الحملات العسكرية. كما تطلبت عمليات نقل الدم مطابقة فصائل الدم في ظروف
ميدانية معقدة، الأمر الذي جعل الاعتماد على المتبرعين الأحياء بجوار المصابين هو الوسيلة
الأكثر شيوعًا قبل الحرب العالمية الثانية، وهي آلية لم تكن مناسبة للحروب واسعة النطاق
الممتدة عبر قارات عدة.
وأوضح الموقع أن التحول
الأبرز في هذا المجال حدث على يد الجراح الأمريكي تشارلز درو أثناء إعداده أطروحته
للدكتوراه في مستشفى بريسبيتيريان التابع لجامعة كولومبيا، حيث عمل على إيجاد حلول
عملية لحفظ مكونات الدم ونقلها على نطاق واسع. ورغم أنه لم يكن أول من درس حفظ البلازما،
فإنه كان صاحب الفضل في تحويل هذه التقنية إلى نظام متكامل لبنوك الدم، ساهم في دعم
القوات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية وأصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من النظام
الصحي الأمريكي.
غير أن الجيوش الحديثة
تواجه اليوم نسخة جديدة من "مشكلة الدم"، إذ تفرض الحروب الحديثة، وخاصة
أي صراع محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تحديات لوجستية تتعلق بنقل الإمدادات
الطبية عبر آلاف الأميال. كما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية كيف يمكن لاستهداف خطوط
الإمداد ووسائل الإجلاء الطبي أن يحرم المصابين من الوصول السريع إلى المستشفيات، ما
دفع إلى إعادة التفكير في آليات إيصال منتجات الدم إلى الخطوط الأمامية.
اظهار أخبار متعلقة
وأفاد الموقع بأن أطروحة
تشارلز درو التي حملت عنوان "الدم المخزّن: دراسة حول حفظ الدم" عام 1940؛
لخّصت المعارف العلمية المتعلقة بتخزين الدم آنذاك. وتمثلت المشكلة الأساسية في سرعة
تحلل خلايا الدم الحمراء، التي تُحدد بناءً عليها فصائل الدم. أما البلازما، وهي الجزء
السائل من الدم بعد إزالة خلاياه، فقد شكلت حلًا عمليًا لأنها لا تحمل فصيلة دم محددة
ويمكن إعطاؤها لأي مريض، فضلًا عن إمكانية تجفيفها بالتجميد وإعادة استخدامها لاحقًا
دون الحاجة إلى تبريد دائم.
لكن تطوير تقنية تجفيف
البلازما لم يكن إنجازًا فرديًا لدرو، بل جاء نتيجة جهود عدد من العلماء الأمريكيين
خلال ثلاثينيات القرن الماضي. فقد طوّر علماء في جامعة بنسلفانيا تقنية التجفيف بالتجميد،
فيما طور باحثون في جامعة هارفارد تقنيات فصل مكونات البلازما وتصميم القوارير المستخدمة
في جمع الدم. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، كانت القوات الأمريكية
تمتلك بالفعل معايير صناعية لإنتاج البلازما المجففة وتخزينها.
وأشار الموقع إلى أنه
تم تكليف تشارلز درو خلال صيف عام 1940، بإدارة مشروع "الدم من أجل بريطانيا"،
الذي أُطلق لجمع البلازما في نيويورك وإرسالها إلى بريطانيا خلال تعرضها للقصف الألماني.
وعند تسلمه المشروع، كانت المستشفيات المشاركة تستخدم إجراءات مختلفة لجمع ومعالجة
الدم، الأمر الذي أدى إلى تلوث جزء كبير من الشحنات.
وقام درو بإعادة تصميم
البرنامج بالكامل، من خلال توحيد إجراءات جمع الدم وفحصه وتخزينه ونقله، وفرض معايير
دقيقة للتعقيم وضبط درجات الحرارة، ما أدى إلى تقليل معدلات التلوث بشكل ملحوظ. وخلال
خمسة أشهر فقط، نجح البرنامج في جمع تبرعات من نحو 15 ألف شخص وشحن أكثر من 5500 قارورة
بلازما إلى بريطانيا، ليصبح بذلك أول نظام متكامل لإنتاج ونقل البلازما بكميات ضخمة
عبر المحيط الأطلسي.
وأضاف الموقع أن نجاح
البرنامج دفع الحكومة الأمريكية إلى التعاون مع مجلس البحوث الوطني والصليب الأحمر
الأمريكي لإنشاء أول برنامج وطني لبنوك الدم، حيث تولى تشارلز درو منصب المدير المساعد
للمشروع التجريبي الذي أصبح لاحقًا نموذجًا لأول بنك دم تابع للصليب الأحمر الأمريكي.
وقد أطلق بنك الدم
التابع للصليب الأحمر عام 1941 خمسة وثلاثين مركزًا لجمع الدم في أنحاء الولايات المتحدة
لتأمين احتياجات الجيش والبحرية. كما ابتكر درو مفهوم "عربات الدم المتنقلة"،
وهي شاحنات مبردة تنقل خدمات التبرع بالدم إلى المتبرعين بدلًا من انتظار وصولهم إلى
مراكز التبرع، ما ساعد على توسيع شبكة الإمدادات الطبية العسكرية.
وأسهم هذا النظام بشكل
مباشر في خفض معدلات وفيات الجنود المصابين الذين تمكنوا من الوصول إلى المستشفيات
الميدانية؛ فقد انخفضت نسبة الوفيات من ثمانية جنود من كل مئة خلال الحرب العالمية
الأولى إلى 4.5 خلال الحرب العالمية الثانية، ثم إلى 2.6 خلال الحرب الكورية.
وأوضح الموقع أن البلازما
تساعد على تعويض حجم الدم المفقود وتعزيز عملية التجلط، لكنها لا تنقل الأكسجين إلى
أنسجة الجسم كما تفعل خلايا الدم الحمراء. ولذلك، أدرك الجيش الأمريكي مع نهاية الحرب
العالمية الثانية أن البلازما وحدها غير كافية لعلاج الإصابات الخطيرة، فأنشأ خطوط
إمداد خاصة لنقل الدم الكامل المبرد جوًا إلى مناطق العمليات العسكرية.
وقد استمرت برامج بنوك
الدم العسكرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتقلت إلى الحروب الأمريكية في
كوريا وفيتنام، ثم إلى العراق وأفغانستان؛ حيث ظل فقدان الدم أحد أبرز أسباب الوفيات
التي يمكن الوقاية منها في ساحات القتال. كما أصبحت البنية التحتية التي أسسها درو
أساسًا للنظام المدني الأمريكي الخاص بإمدادات الدم المستخدم حتى يومنا هذا.
اظهار أخبار متعلقة
ومما يثير الانتباه،
أن كثيرًا من الابتكارات العسكرية الأمريكية تحولت لاحقًا إلى تطبيقات مدنية واسعة
النطاق، ومن بينها إنتاج البنسلين وتقنيات الرادار وأنظمة بنوك الدم، التي نشأت استجابةً
لاحتياجات الحروب قبل أن تصبح جزءًا من الحياة اليومية للمجتمعات المدنية.
وسلط الموقع الضوء
على أن احتمالات اندلاع نزاعات واسعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أعادت مشكلة
إمدادات الدم إلى الواجهة، إذ تجعل المسافات الطويلة واستهداف وسائل النقل الطبي عملية
إيصال الدم إلى الجنود المصابين أكثر تعقيدًا، بما يشبه التحديات التي واجهتها الجيوش
خلال أربعينيات القرن الماضي.
وقد عادت البلازما
المجففة بالتجميد لتُطرح بوصفها أحد الحلول الواعدة؛ حيث استخدمت الولايات المتحدة
بلازما فرنسية الصنع بشكل تجريبي منذ عام 2010 ضمن وحدات العمليات الخاصة، قبل أن تبدأ
وكالة الصحة الدفاعية الأمريكية عام 2026 العمل على تعميم استخدامها في القوات النظامية،
نظرًا لإمكانية تخزينها لفترات طويلة واستخدامها في البيئات القتالية النائية.
وأكد الموقع أن الحرب
الروسية الأوكرانية قدمت نموذجًا عمليًا للتحديات الجديدة التي تواجه الطب العسكري،
إذ دفعت الضربات الروسية التي استهدفت المستشفيات وطرق الإجلاء القوات الأوكرانية إلى
نقل إمدادات الدم وأجهزة الإنعاش إلى الخطوط الأمامية. ولم يعد بإمكان الجنود المصابين
الاعتماد على الإجلاء الجوي السريع بسبب الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، ما
دفع المسعفين إلى إجراء عمليات نقل الدم مباشرة في مواقع الإصابات.
وقد توصل المخططون
العسكريون الأمريكيون إلى استنتاج مماثل، مفاده أن نموذج "الإجلاء ثم العلاج"
الذي اعتُمِد خلال العقدين الماضيين لن يكون فعالًا في الحروب واسعة النطاق ضد خصوم
قادرين على استهداف الخطوط الخلفية. كما كشفت الحرب في أوكرانيا عن عودة مشكلة العدوى
البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية التقليدية، الأمر الذي يهدد بعض المكاسب الطبية
التي تحققت خلال العقود الماضية.
واختتم الموقع بالإشارة
إلى أن النقاشات المتعلقة بالتكنولوجيا العسكرية غالبًا ما تركز على الأسلحة المتطورة،
بينما يعتمد نجاحها الفعلي على أنظمة الدعم اللوجستي التي تضمن وصول الوقود وقطع الغيار
والإمدادات الطبية والدم إلى أماكن الحاجة. ويُعد نظام بنوك الدم الذي أسسه تشارلز
درو مثالًا بارزًا على الابتكارات العسكرية التي لا تزال تنقذ حياة الملايين حتى اليوم.