أصدر قاض فيدرالي أمريكي الإثنين، حكما بالسجن لمدة 30 عاما على رجل الأعمال
الصيني المنفي
جوو وينغوي، بعدما أدانته هيئة محلفين في 9 من أصل 12 تهمة جنائية، شملت الابتزاز المنظم والاحتيال في الأوراق المالية وغسل الأموال، إثر مخطط استولى بموجبه على أكثر من مليار دولار من أموال مؤيديه.
وأشار الصحفي الأمريكي مايكل فورسايث في
تقريره بصحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أن جوو، المعروف أيضا باسم مايلز كواك، حول نفسه من رجل أعمال يتمتع بنفوذ وعلاقات واسعة داخل دوائر السلطة في
بكين إلى ناشط مناهض للشيوعية وحليف لليمين المتطرف الأمريكي، قبل أن يدان باستخدام أموال داعميه لتمويل أسلوب حياة فاخر شمل قصورا ويخوتا وسيارة بوجاتي سوبركار بقيمة 4.4 مليون دولار.
من قطب عقاري إلى معارض سياسي
جمع جوو، البالغ من العمر نحو 58 عاما، ثروته في الصين عبر تطوير العقارات، وبحسب ما ذكره محاموه فإن ممتلكات عائلته جعلتها أكبر مساهم في واحدة من أكبر شركات الأوراق المالية المدرجة في البورصة الصينية، وفق ما نقلته صحيفة "الإندبندنت".
وأقام جوو في تلك الفترة تحالفا مع مسؤول استخبارات صيني رفيع المستوى يدعى ما جيان، الذي أدى اعتقاله بتهم فساد في أوائل عام 2015 إلى فرار جوو من البلاد.
وبعدما اتهم علنا مسؤولين كبارا في
الحزب الشيوعي الصيني بالفساد، ردت السلطات الصينية باتهامه بارتكاب جرائم عدة، منها الاغتصاب والخطف والرشوة، وهي اتهامات نفاها جوو باستمرار، مؤكدا أنها ذات دوافع سياسية وتشكل جزءا مما وصفه محاموه بأنه حملة "واسعة النطاق وشاملة ومهددة للحياة" يشنها الحزب الشيوعي الصيني ضده.
وبعد مغادرته البر الرئيسي للصين، انتقل أولا إلى هونغ كونغ، التي كانت تتمتع آنذاك بنظام قانوني وإداري منفصل رغم أنها جزء من جمهورية الصين الشعبية، ثم أقام في لندن، قبل أن يستقر عام 2015 في شقة بنتهاوس فاخرة بقيمة 68 مليون دولار في مانهاتن تطل على سنترال بارك، حيث طلب اللجوء وأعاد تقديم نفسه كمعارض صريح لبكين.
شبكة سياسية وتحالف مع بانون
تحرك جوو بسرعة لبناء شبكة سياسية في
الولايات المتحدة، فأصبح بحلول عام 2017 عضوا في نادي مارالاغو التابع للرئيس المنتخب الأمريكي دونالد ترامب في فلوريدا.
وبنى علاقات وثيقة مع شخصيات نافذة في دائرة ترامب، أبرزها الاستراتيجي المحافظ ستيف بانون، الذي كان لديه بحسب ما ذكرته "نيويورك تايمز" عقد استشاري بقيمة مليون دولار لتقديم المشورة لجوو وشركته الإعلامية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي حزيران/ يونيو 2020، أعلن جوو، وبانون إلى جانبه أمام تمثال الحرية، تأسيس "الدولة الفيدرالية الجديدة للصين"، ووصَفاها بأنها حركة سياسية مشتركة مكرسة لإنهاء حكم الحزب الشيوعي الصيني، فيما عين بيتر نافارو، أحد مساعدي ترامب الآخرين، "سفيرا دوليا" لهذه الحكومة الموازية. وقال جوو حينها: "من هذا اليوم فصاعدا، لم يعد الحزب الشيوعي الحكومة الشرعية للصين!".
وبعد أشهر، أصدر أغنية بعنوان "إسقاط الحزب الشيوعي الصيني" تصدّرت لفترة قصيرة قائمة آيتونز.
وفي آب/ أغسطس 2020، وأثناء وجوده على متن يخت جوو "ليدي ماي"، أُلقي القبض على بانون بتهم احتيال على المستثمرين، قبل أن يصدر ترامب عفوا عنه لاحقا.
وفي العام نفسه، تدخّل جوو في الحملة الرئاسية الأمريكية، إذ ظهرت عبر شبكته الإعلامية لأول مرة مواد من حاسوب محمول يخص هانتر بايدن، نجل الرئيس الحالي جو بايدن. واستضاف جوو في أكتوبر 2020 كلًا من بانون ورودولف جولياني، محامي ترامب وعمدة نيويورك السابق، في شقته بمانهاتن لتناول العشاء، بحسب "نيويورك تايمز".
تفاصيل الاحتيال
استغل جوو، بحسب الادعاء الفيدرالي، ثقة أتباعه بين عامي 2018 و2023، وأقنع مئات الآلاف من الأشخاص بالاستثمار في شركات ومشروعات للعملات المشفرة كانت تحت سيطرته، من بينها "جي تي في ميديا غروب" و"هيمالايا فارم أليانس" و"هيمالايا إكستشينج"، بحسب ما أوردته صحيفة "الإندبندنت".
وضخ المستثمرون أكثر من مليار دولار معتقدين أنهم يدعمون مشاريع مرتبطة برسالته السياسية، فيما استُخدمت الأموال، وفق السلطات، لتمويل أسلوب حياة "يتسم بالبذخ والإفراط الاستثنائي" شمل منازل فاخرة ويخوتا وسيارات سباق وملابس من أشهر دور الأزياء. واشترى جوو بالتحديد عقارًا في ريف نيوجيرسي ومنزلًا في غرينتش بولاية كونيتيكت إضافة إلى سيارة البوجاتي.
وألقي القبض على جوو في شقته بمانهاتن عام 2023، وأُدين في المحكمة الفيدرالية في العام التالي بتهم التآمر في مؤسسة إجرامية والاحتيال في الأوراق المالية والتآمر لغسل الأموال، بعد محاكمة استمرت سبعة أسابيع.
وقالت جوليانا موراي، مساعدة المدعي العام الأمريكي، لهيئة المحلفين خلال المحاكمة: "هل مايلز جوو ناشط سياسي حقيقي أم لا؟ لا أعرف، ولا يهمني، ولا ينبغي أن يهمكم. إنه انتهازي. إنه محتال".
اظهار أخبار متعلقة
القاضية: استغل من يسعون لجلب الديمقراطية
وأثناء النطق بالحكم يوم الاثنين في قاعة محكمة مكتظة في مانهاتن، قالت القاضية أناليزا توريس إن جوو "استغل الأشخاص الذين كانوا يسعون إلى جلب الديمقراطية إلى الصين"، وتسبب لهم بـ"أذى مالي وعاطفي كبير".
وأمرت بمصادرة 889 مليون دولار من أصوله وإلزامه بدفع تعويضات، بعدما خلصت إلى أن مخططه ألحق خسائر مالية مدمرة بأكثر من ألف ضحية حول العالم، وفق "الإندبندنت"، وقالت إن الحكومة الأمريكية ستتصرف في الأصول التي صادرتها بعد اعتقاله، بما في ذلك القصور والسيارة الفارهة والنقود، وستستخدم الأموال لتعويض الضحايا.
وقال رايان فينكل، أحد المدعين، إن 235 ضحية قدموا إفادات للمحكمة، وكثيرون منهم قالوا إنهم فقدوا مدخرات حياتهم بأكملها.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن أحد الضحايا قوله: "فقدت إرادتي في الحياة"، فيما قالت ضحية أخرى تدعى وي تشين للمحكمة إن احتيال جوو "دمر حياتي" وحياة أسرتها.
وانتقدت القاضية توريس جوو لأنه "لا يتحمل أي مسؤولية عن أفعاله، بل يصر بصورة لا تُصدق على أن سلوكه لم يسبب أي خسارة ولم يضر أحدًا"، إضافة إلى تشجيعه المزعوم أنصاره على "مضايقة وترهيب كل من يجرؤ على التحدث ضده".
مشهد في قاعة المحكمة
دخل جوو قاعة المحكمة يوم الاثنين، وكرر خلال جلسة النطق بالحكم رسالته السياسية، قائلا للمحكمة: "السبب الذي دفعني للمجيء إلى الولايات المتحدة هو تدمير الحزب الشيوعي الصيني." ودفع فريق دفاعه بأنه كان هو نفسه ضحية اضطهاد من الحزب الشيوعي الصيني، محذرا من أن الحكم عليه بالسجن لفترة طويلة لن يؤدي إلا إلى تعزيز حملة بكين ضد المعارضين في الخارج، لكن المحكمة لم تقتنع بذلك.
وحضر العشرات من مؤيدي جوو قاعة المحكمة، فيما شاهد أكثر من 100 آخرين في غرفة إضافية.
وبعد النطق بالحكم، التفت جوو إلى مؤيديه وابتسم، وضمّ كثيرون منهم أيديهم بإشارة احترام، وصفقوا له وهتفوا باتجاهه.
وأثناء اقتياده، شكرهم جوو وصاح باللغة الصينية: "لقد بدأ الأمر للتو!".
احتمالات العفو وأسلوبه القاسي في الأعمال
ورغم تحالفات جوو السياسية مع دائرة ترامب، يبدو العفو الرئاسي عنه غير مرجح، إذ سبق لترامب أن فكر عام 2017 في ترحيله إلى الصين، حيث كان يواجه سلسلة من التهم الجنائية الناجمة عن تحالفه مع المسؤول الاستخباراتي ما جيان، بحسب "نيويورك تايمز".
ومارس جوو على جانبي المحيط الهادئ أسلوبا قاسيا في إدارة خصوماته، ففي الصين، حصل على تسجيل أظهر نائب عمدة بكين، الذي كان عائقا أمام تطوير جوو لأرض مجاورة لموقع أولمبياد 2008، في علاقة جنسية مع عشيقة، ما أدى إلى إقالة المسؤول والحكم عليه بالإعدام مع وقف التنفيذ بتهمة الرشوة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي الولايات المتحدة، لاحق أنصار جوو أمين إفلاس كان يشرف على تصفية ممتلكاته، متهمين إياه بأنه أداة للحزب الشيوعي الصيني، بل تجمّعوا خارج مدرسة ابنته في ماساتشوستس حاملين لافتات تطعن في عمله.
سقوط صورة "الناشط السياسي"
أمضى جوو سنوات في بناء صورته كأحد أشد منتقدي الحزب الشيوعي الصيني، وجذب قاعدة واسعة من المؤيدين بين الجاليات الصينية في الخارج، وفق "الإندبندنت".
وفي أوائل عام 2017، بعد عامين من الابتعاد عن الأضواء، عاد للظهور بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي متهمًا نخبة الحزب الشيوعي الصيني بالفساد، في إطار محاولة طويلة لإعادة تقديم نفسه كناشط سياسي مبدئي، وهو الدفع الذي أكده محاموه خلال المحاكمة، إلا أن هيئة المحلفين لم تقتنع بهذا الطرح، وانتهت بإدانته في تسع تهم أفضت إلى الحكم الصادر يوم الاثنين بالسجن 30 عامًا.