سلّطت وسائل إعلام عالمية الضوء على الحضور الجماهيري الكثيف الذي شهده
المدرج الروماني في عمّان وسط العاصمة الأردنية، حيث تجمّع الآلاف منذ ساعات الفجر لمتابعة مباراة "النشامى" التاريخية الأولى له في مونديال
كأس العالم.
وتوافد الأردنيون بكثافة إلى المدرج الروماني رغم ارتفاع درجات الحرارة في السابعة صباحا، وامتلأت المدرجات الحجرية تدريجياً حتى لحظة انطلاق المباراة. وكان من بين الحضور رئيس الوزراء جعفر حسان وعدد من الوزراء، حيث أعلنت الحكومة تخصيص الموقع التاريخي لمشاهدة مباريات المنتخب.
وتناولت وسائل إعلام عالمية، بينها ABC News، إلى جانب حسابات إخبارية أوروبية ولاتينية هذه اللقطات، وركزت على اختيار الأردنيين للموقع التاريخي لمشاهدة مباريات المنتخب، حيث حظيت لقطات المدرج وهي ممتلئة بتفاعل واسع.
وتداول مغردون على منصات التواصل الاجتماعي في عدد من الدول دعوات لتطبيق الفكرة نفسها في بلدانهم، عبر نقل عرض المباريات الوطنية إلى ساحات عامة ومعالم تاريخية، لتعزيز التفاعل الجماهيري حول المنتخبات.
وفي المقابل، دعا أردنيون إلى توسيع التجربة داخل المملكة لتشمل مواقع سياحية أخرى، وعلى رأسها مدينة البتراء، معتبرين أن هذه الفعاليات تمنح بعداً سياحياً وثقافياً إضافياً وتعيد تنشيط المواقع الأثرية.
وأشار مغردون إلى أن هذه الفكرة تعد من أبرز النماذج الترويجية للسياحة في الأردن خلال السنوات الأخيرة، وبكلفة منخفضة.
اظهار أخبار متعلقة
تاريخ عريق
يعتبر المدرج الروماني في العاصمة الأردنية عمّان شاهداً على العمارة الرومانية وتاريخها في بلاد الشام. ويعود تاريخ بناء المدرج إلى القرن الثاني الميلادي، وتحديداً في الفترة الواقعة بين عامي 138م و161م إبان عهد الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس.
وقد شُيِّد المسرح في الأصل إكراماً للقيصر الروماني هادريانوس الذي زار المدينة عام 130 م، حيث كانت عمان تُعرف آنذاك باسم "فيلادلفيا" وتُعد عضواً بارزاً في حلف المدن العشر المعروف باسم "الديكابوليس".
وتجلت العبقرية الهندسية للرومان في اختيار موقع المدرج، حيث نُحتت مدرجاته بعناية في المنحدر الشمالي لجبل الجوفة. وجاء هذا التوجيه الجغرافي بهدف حجب أشعة الشمس المباشرة عن أعين المتفرجين أثناء حضورهم الفعاليات.
ولم يقتصر دور المدرج في تلك الحقبة على تقديم المسرحيات والعروض الترفيهية الفنية فحسب، بل كان مركزاً سياسياً ودينياً واجتماعياً تُلقى فيه الخطابات الإمبراطورية، وتُجرى فيه المناظرات السياسية، وتُقام فيه استعراضات القوة العسكرية للمقاتلين الرومان.
اظهار أخبار متعلقة
ثلاث فئات
وعكست التقسيمات الداخلية للمدرج، الذي يتسع لنحو 6 آلاف متفرج، الهيكل الطبقي الصارم للمجتمع الروماني آنذاك.
فقد قُسمت المقاعد البالغ عددها 33 صفاً إلى ثلاث فئات أفقية؛ خُصصت الأولى منها والمحاذية لخشبة العرض للحكام، وأعضاء مجلس الشيوخ، والطبقة الأرستقراطية، بينما خُصصت الطبقة الوسطى لرجال الجيش والجنود، في حين تُركت الصفوف العلوية والأكثر بعداً لعامة الشعب والفقراء.
وبالرغم من بُعد الطبقة الأخيرة، إلا أن التصميم الهندسي الصوتي (الأكوستيك) ضمن وصول الصوت بوضوح تام ونقاء إلى أعلى نقطة في المسرح.
ومع مرور القرون وتوالي العصور، تراجع الدور الحضاري للمدرج تدريجياً، حيث عانى الموقع من الإهمال الطويل وتعرض لأضرار جسيمة نتيجة للزلازل الطبيعية التي ضربت المنطقة، مما أدى إلى طمر أجزاء واسعة منه تحت الأتربة والركام والبيوت الناشئة على ضفاف سيل عمّان.
وظل الحال على ما هو عليه حتى عام 1957، عندما أطلقت دائرة الآثار العامة الأردنية مشروعاً ضخماً للتنقيب والترميم. واستخدمت اللجان الفنية الحجارة والمواد الأصلية ذاتها لإعادة بناء الواجهة الأمامية والأعمدة المتهدمة، ليُعاد إحياء الصرح من جديد ويُربط بالساحة الهاشمية ومسرح الأوديون المجاور.
جبل القلعة
مقابل المدرج الروماني، يقع ما يعرف بـ"جبل القلعة" وسط عمّان أيضا، وتشير الروايات إلى ارتباط تاريخي بينهما.
ووفقا للروايات، بُني المدرج الروماني في مواجهة جبل القلعة تماماً، ليتيح للمتفرجين الجالسين على المقاعد العلوية رؤية معبد هرقل فوق قمة جبل القلعة بوضوح.
وتذكر مصادر تاريخية أنه كان هناك ممر مرصوف بالأعمدة، يمتد من الساحة الرئيسية للمدرج، صعوداً عبر أدراج ومنعطفات منحوتة في الصخر، ليصل مباشرة إلى القلعة في الأعلى.
وكان يستخدم هذا الممر لتسهيل حركة الحكام، والكهنة، والجنود بين المركز الإداري والعسكري في الجبل، والمركز الثقافي والاجتماعي في الوادي.