نيويوركر: هل تستطيع بطولة كأس العالم تجاوز دونالد ترامب؟

“نيويوركر” ترى أن هذه النسخة تحمل أبعادًا سياسية واضحة - جيتي
“نيويوركر” ترى أن هذه النسخة تحمل أبعادًا سياسية واضحة - جيتي
شارك الخبر
تتحول بطولة كأس العالم في كل نسخة جديدة من مجرد حدث رياضي إلى ساحة واسعة تتقاطع فيها السياسة بالرمزية، وتختلط فيها لحظات التتويج الكروي بحسابات النفوذ وصورة الدول المضيفة، حتى يبدو أن كرة القدم أحيانًا لا تكفي وحدها لتفسير ما يجري داخل وخارج الملاعب، وأن ما يحدث على المنصات لا يقل أهمية عما يحدث داخل المستطيل الأخضر.

وفي هذا الإطار، أشارت مجلة "نيويوركر" إلى أن النسخة السابقة من بطولة كأس العالم التي استضافتها قطر قبل أربع سنوات حملت في طياتها لحظة بدت حاسمة لدى كثير من المتابعين، لكنها لم تكن بالضرورة مرتبطة فقط بالكرة، بل بما دار حولها من مشاهد سياسية ورمزية لافتة.

وتابعت المجلة، في مقال للصحفي إيشان ثارور، أن اللحظة التي اعتُبرت الأكثر تأثيرًا في تلك النسخة بالنسبة للجمهور العام كانت في المباراة النهائية التي جمعت الأرجنتين بفرنسا، وانتهت بتتويج المنتخب الأرجنتيني باللقب عبر ركلات الترجيح، في مواجهة دراماتيكية وُصفت بأنها واحدة من أعظم نهائيات كأس العالم في التاريخ الحديث.

ذلك التتويج، بحسب المقال، لم يكن مجرد فوز رياضي، بل جاء أيضًا تتويجًا لمسيرة طويلة للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، قائد المنتخب، الذي نجح أخيرًا في الوصول إلى الكأس التي ظلّت عصيّة عليه لسنوات طويلة، ليُحسم بذلك أحد أكثر الفصول انتظارًا في تاريخ كرة القدم الحديثة، ويُرسّخ مكانته كأحد أعظم اللاعبين الذين أنجبتهم اللعبة على الإطلاق.

لكن قبل أن يصعد ميسي إلى منصة التتويج ويتسلّم الكأس من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، لفتت “نيويوركر” إلى مشهد آخر خطف جزءًا كبيرًا من الاهتمام، عندما تقدم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني نحو اللاعب الأرجنتيني وقام بإلباسه “البشت” التقليدي، وهو رداء احتفالي عربي فاخر مصنوع من قماش أسود مطرّز بخيوط ذهبية، غطّى القميص الأرجنتيني الأزرق والأبيض في لحظة التتويج التاريخية.

وتوضح المجلة أن هذا المشهد قوبل بتفسيرات متباينة، إذ اعتبره البعض تعبيرًا عن الترحيب والاحتفاء بالضيف والفائز، بينما رأى آخرون فيه محاولة لإضفاء حضور رمزي للدولة المضيفة على لحظة يفترض أنها مخصصة بالكامل للاعبين وإنجازهم الرياضي، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا في وسائل الإعلام العالمية وبين محللي كرة القدم.

ونقلت المجلة عن بعض الأصوات الإعلامية والرياضية، ومن بينهم اللاعب الأرجنتيني السابق بابلو زاباليتا، تساؤلات حول دلالة هذا التدخل في لحظة التتويج، وما إذا كان هناك مبرر له في سياق احتفال يُفترض أن يكون خالصًا للفريق الفائز.

وفي سياق أوسع، تشير “نيويوركر” إلى أن الجدل حول كأس العالم في قطر لم يبدأ في يوم النهائي، بل سبق البطولة بأسابيع طويلة من الانتقادات الدولية، التي ركزت على ملف حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بالعمالة المهاجرة التي شاركت في بناء الملاعب والمشاريع الضخمة المرتبطة بالبطولة، إضافة إلى النقاشات المتعلقة بحقوق مجتمع الميم، وظروف الاستضافة في بلد ذي مناخ شديد الحرارة وبنية حضرية محدودة مقارنة بحجم الحدث العالمي.

ومع اقتراب انطلاق المباريات، تصف المجلة كيف بدأت حدة هذه الانتقادات تتراجع تدريجيًا، لتحل محلها حالة مختلفة تمامًا داخل الملاعب وخارجها، حيث امتلأت المدرجات بالمشجعين، وظهرت منشآت حديثة ومرافق نقل متطورة، من بينها شبكة مترو مجانية خُصصت للجماهير، ما ساهم في تغيير صورة البطولة لدى كثير من الزوار الذين أشادوا بالتجربة التنظيمية.

وفي هذا السياق، نقلت “نيويوركر” عن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو إشادته الكبيرة بالبطولة لاحقًا، حيث وصفها بأنها واحدة من أفضل نسخ كأس العالم على الإطلاق، مشيرًا إلى ما شهدته من مباريات مثيرة ومشاعر جماهيرية واسعة، في تعبير اعتبره المقال جزءًا من الخطاب الرسمي الذي رافق نجاح البطولة من منظور تنظيمي وتسويقي.

اظهار أخبار متعلقة


لكن المجلة تلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا الخطاب الإيجابي لم يُنهِ الجدل، بل انتقل إلى مستوى جديد مع اقتراب النسخة المقبلة من البطولة، التي ستستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عام 2026، والتي ستشكل أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم من حيث عدد المنتخبات المشاركة، إذ ستضم 48 منتخبًا و104 مباريات تُقام في 16 مدينة مضيفة.

وترى “نيويوركر” أن هذه النسخة تحمل أبعادًا سياسية واضحة، خصوصًا مع حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المشهد العام المرتبط بالبطولة، حيث يبدو أنه ينظر إلى الحدث بوصفه فرصة سياسية وإعلامية يمكن أن تعزز صورته على الساحة الدولية، في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها رئاسته.

وتتابع المجلة أن العلاقة بين ترامب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو شهدت تقاربًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، تجلى في عدة مناسبات ولقاءات دولية، إضافة إلى ظهورهما المشترك في فعاليات سياسية ورياضية، ما أثار تساؤلات حول حدود التداخل بين الرياضة والدبلوماسية.

كما تشير “نيويوركر” إلى أن إنفانتينو منح ترامب جائزة رمزية من الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال حفل أُقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن، وهي جائزة وُصفت بأنها مثيرة للجدل، نظرًا لطبيعتها الرمزية وطريقة تقديمها، إذ قُدمت في سياق احتفالي بدا أقرب إلى دعم سياسي غير مباشر.

وفي سياق الاستعدادات لكأس العالم 2026، يلفت المقال إلى أن بعض المؤشرات أثارت قلقًا متزايدًا، خصوصًا فيما يتعلق بسياسات الدخول والتأشيرات في الولايات المتحدة، حيث واجهت بعض المنتخبات والوفود صعوبات في الحصول على التأشيرات اللازمة، وهو ما انعكس على استعداداتهم الفنية واللوجستية.

وتذكر المجلة أن المنتخب الإيراني، على سبيل المثال، واجه تعقيدات تتعلق بإجراءات السفر، حيث لم يحصل عدد من أعضاء الطاقم الفني والإداري على تأشيرات الدخول، ما اضطر الفريق إلى نقل تدريباته إلى مدينة تيخوانا في المكسيك استعدادًا لمبارياته الأولى، في مشهد يعكس التداخل المعقد بين السياسة والرياضة.

كما تشير إلى حالات أخرى طالت مشجعين من دول مختلفة، تحدثوا عن عراقيل بيروقراطية منعتهم من السفر رغم شرائهم تذاكر المباريات وحجز أماكن الإقامة، وهو ما تسبب بخسائر مالية كبيرة، وأثار موجة من الانتقادات حول جاهزية الدولة المضيفة لاستقبال هذا العدد الضخم من الجماهير.

وتتوقف “نيويوركر” عند قصة الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم لإدارة مباريات في البطولة، قبل أن يتم منعه من الدخول إلى الولايات المتحدة بعد احتجازه لساعات طويلة في ميامي، ثم ترحيله لاحقًا إلى إسطنبول، في واقعة أثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط الرياضية والإعلامية.

وبحسب ما نقلته المجلة، فإن الحكم أكد أنه كان يحمل التأشيرات والأوراق اللازمة، لكنه واجه إجراءات مفاجئة انتهت بإبعاده، بينما أعلن الاتحاد الدولي لاحقًا أنه لن يتمكن من المشاركة في إدارة مباريات البطولة، في قرار أثار تساؤلات حول آليات الاختيار والتنسيق.

وفي تعليق لافت، دعا رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم المنتقدين إلى التهدئة، مؤكدًا أن المنظمة الرياضية لا تملك سلطة على قرارات الدول وسياساتها، في محاولة لفصل المجال الرياضي عن الاعتبارات السيادية، رغم تداخلهما الواضح في واقع البطولة الحديثة.

وتخلص "نيويوركر" إلى أن كأس العالم، رغم كل ما يحيط به من توترات سياسية، وجدالات تنظيمية، وصراعات على الصورة والرمزية، يظل حدثًا عالميًا قادرًا على خلق لحظات إنسانية مشتركة بين الشعوب، تتجاوز الحدود والخلافات، وتعيد كرة القدم إلى جوهرها الأول بوصفها مساحة تجمع لا تفرّق، حتى وإن ظل هذا الجوهر مهددًا دائمًا بتدخل السياسة وثقلها.
التعليقات (0)