النفط العراقي ينعش دمشق.. سوريا تقتنص فرصة اقتصادية من تداعيات الحرب

النفط العراقي يعبر الأراضي السورية نحو المتوسط لأول مرة منذ سنوات - وزارة النفط العراقية
النفط العراقي يعبر الأراضي السورية نحو المتوسط لأول مرة منذ سنوات - وزارة النفط العراقية
شارك الخبر
كشفت مجلة "إيكونوميست" البريطانية أن سوريا برزت كأحد المستفيدين غير المتوقعين من تداعيات الحرب الأخيرة في الخليج، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى إعادة رسم مسارات تصدير النفط في المنطقة وفتح نافذة اقتصادية جديدة أمام دمشق.

وقالت المجلة في تقرير إن الشاحنات المحملة بالنفط العراقي باتت تصطف على طول الطريق الممتد لمسافة 860 كيلومترا بين مدينة الرمادي غرب العراق والأراضي السورية، في مشهد يعكس التحولات التي فرضتها الأزمة على تجارة الطاقة في الشرق الأوسط.

وأوضحت أن إغلاق مضيق هرمز دفع كبار منتجي النفط في المنطقة إلى البحث عن بدائل لنقل صادراتهم إلى الأسواق العالمية. ففي الوقت الذي تعتمد فيه السعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، على خط أنابيب يصل إلى البحر الأحمر، وتعمل الإمارات على توسيع خطوط التصدير نحو خليج عمان، وجد العراق نفسه أمام معضلة جغرافية معقدة.

وبحسب التقرير، فإن العراق، الذي يحتل المرتبة السادسة عالميا بين أكبر منتجي النفط، يسعى إلى إيجاد منافذ بديلة لتصدير نحو أربعة ملايين برميل يوميا، ما جعل سوريا خيارا عمليا رغم التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة بالعلاقة بين البلدين.

وأشارت المجلة إلى أن إغلاق مضيق هرمز أجبر العراق خلال آذار/ مارس الماضي على خفض إنتاجه النفطي بنسبة 80 بالمئة بعد امتلاء منشآت التخزين، الأمر الذي دفع شركة تسويق النفط العراقية "سومو" إلى تكليف ثلاث شركات بنقل نحو 650 ألف طن من النفط شهريا بالشاحنات عبر الأراضي السورية.

اظهار أخبار متعلقة


ولفت التقرير إلى أن الطريق السوري يوفر للعراق ممرا أقصر مقارنة بالطرق التي تمر عبر الأردن أو تركيا، كما يتيح وصول النفط مباشرة إلى البحر الأبيض المتوسط.

ورأت المجلة أن هذا التطور يحمل دلالات سياسية لافتة، إذ يأتي رغم التحفظات التي تبديها أطراف نافذة في العراق تجاه الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، بسبب ارتباطه السابق بالعمل الجهادي خلال سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق.

وأضافت أن عددا من الفصائل الشيعية العراقية التي لا تزال تتمتع بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة سبق أن قاتلت إلى جانب نظام بشار الأسد خلال الحرب السورية، كما خاضت مواجهات ضد الشرع وحلفائه.

ومع ذلك، أكدت "إيكونوميست" أن المصالح الاقتصادية تجاوزت الانقسامات السياسية والطائفية، مشيرة إلى أن قوات الأمن السورية، التي تضم عناصر من الفصائل المسلحة السابقة المنضوية حاليا ضمن مؤسسات الدولة، تتولى حماية آلاف سائقي الشاحنات العراقيين خلال عبورهم معبر الوليد الحدودي، الذي أعيد افتتاحه للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

وفي المقابل، نبهت المجلة إلى وجود تحديات عملية تحد من قدرة هذا الممر على التحول إلى بديل كامل لمضيق هرمز، موضحة أن بعض أنواع النفط العراقي الثقيلة تحتاج إلى تسخين ومعالجة خاصة قبل التخزين أو الضخ، فضلا عن محدودية القدرة الاستيعابية لمنشآت التخزين في ميناء بانياس السوري.

وأضاف التقرير أن العراق يرغب في توسيع صادراته عبر هذا المسار، إلا أن الاعتماد على الشاحنات يفرض قيودا كبيرة على حجم الكميات المنقولة، كما يتسبب تدفق آلاف الشاحنات يوميا في ازدحام مستمر داخل مرافق الضخ والتخزين في بانياس.

وأكدت المجلة أن سوريا تستفيد حاليا من هذا النشاط النفطي المتزايد، إذ يستخدم جزء من النفط العراقي في تشغيل محطات توليد الكهرباء المحلية، التي كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على النفط الروسي الخاضع للعقوبات، والذي حل بدوره محل النفط الإيراني الذي دعم النظام السوري خلال سنوات الحرب.

اظهار أخبار متعلقة


وفي الوقت ذاته، أشارت إلى أن إعادة تأهيل الحقول النفطية السورية المدمرة تحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات بملايين الدولارات، وهو ما يدفع الحكومة الجديدة إلى التركيز على استكشاف حقول جديدة والسعي لاستعادة علاقاتها مع شركات الطاقة الأمريكية.

وأوضحت "إيكونوميست" أن الحكومة السورية تجني إيرادات مباشرة من حركة العبور عبر فرض رسوم على الشاحنات، فيما تستفيد هيئة الحدود السورية وشركة البترول السورية الحكومية الجديدة من عمليات التخزين والضخ في بانياس، إضافة إلى شركات خاصة تتولى إدارة حركة النقل.

ورغم ذلك، فإن العائدات الحالية ما تزال محدودة نسبيا، إذ تتراوح بين مليون ومليوني دولار يوميا، وفقا لتقديرات التقرير.

وأضافت المجلة أن أكثر من ألف شاحنة تعبر الصحراء يوميا، لكنها لا تنقل سوى نحو خمسة بالمئة من حجم صادرات العراق النفطية قبل الأزمة الأخيرة.

ومع ذلك، ترى المجلة أن هذا الممر يوفر متنفسا مهما للعراق ويمنح سوريا فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها في سوق الطاقة الإقليمية، خاصة إذا نجحت مستقبلا في إعادة إحياء خطوط الأنابيب القديمة أو إنشاء خطوط جديدة.

وأشارت إلى أن إعادة بناء شبكة الأنابيب تتطلب استثمارات لا تقل عن أربعة مليارات دولار، بعدما تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية السورية للتدمير أو التوقف خلال سنوات الحرب.

وختمت "إيكونوميست" تقريرها بالقول إن إغلاق مضيق هرمز كشف الحاجة الملحة لدى دول المنطقة لتنويع مسارات تصدير النفط، معتبرة أن سوريا قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى مركز عبور رئيسي للطاقة إذا نجحت في تطوير بنيتها التحتية النفطية وزيادة طاقات التخزين في بانياس وتشغيل حقولها النفطية.

وأضافت أن تحقيق هذه الأهداف قد يفتح الباب أمام استثمارات أجنبية تحتاجها البلاد بشدة، في وقت تقدر فيه تكلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 200 مليار دولار، ما يجعلها، على المدى القصير، واحدة من الدول القليلة التي استفادت اقتصاديا من تداعيات الحرب ضد إيران.
التعليقات (0)