العيد تلك الكلمة التي نسمعها في المناسبات الدينية مرتبطة بكل ما يملأ الحياة بالجمال والنور والسعادة والتسامح.
وهنالك عشرات التعريفات لكلمة "العيد"، ولكنها جميعها تدور حول ما "يعود كل سنة بفرح مُتجدّد".
وقال الإمام البغوي "رحمه الله" بأن: العيد هو يوم السرور، وَسُمِّي به للعود من الفرح إلى الفرح.
وقال الإمام الشوكاني "رحمه الله": قيل ليوم الفطر والأضحى عيدان لأنهما يعودان في كل سنة.
ويرى الأديب مصطفى صادق الرافعي بأن العيد هو: "يوم الخروج من الزمن إلى زمن وحدَه لا يستمر أكثرَ من يوم، زمن قصير ظريف ضاحك، تفرضهُ الأديان على الناس، ليكونَ لهم بين الحين والحين يوم طبيعي في هذه الحياة".
وهكذا فإن العيد مناسبة لتبادل التهاني والتبريكات وزراعة المحبة والتعاطف والتكاتف الإنساني في الأرض.
وساعات العيد القليلة والبهية تغرس في الأرواح والعقول والزمان والمكان البهجة والسعادة والحب.
والعيد فرحة للصغار والكبار والأغنياء والفقراء ولكنه لأكثرية المغتربين والمهجرين مناسبة مؤلمة تَعْجَز عن نشر البهجة التامّة، والسعادة الكاملة في قلوبهم وأرواحهم.
وقديمًا قالوا إن العيد لمن لبس الجديد، ولكن حياتنا المعقدة جعلتنا نتساءل: ما أثر الثوب الجديد في أرواح بالية، وقلوب مرهقة، وأرواح ممزقة، وذكريات مغمورة؟!
وعذرًا من القراء والأصدقاء الكرام فليس مِن الحكمة، ولا مِن المروءة الحديث عن الأتراح أيام الأفراح، وبالذات في أوقات الأعياد والمناسبات الجميلة والسعيدة، ولكنها، أيها الكرام، صرخات صامتة أُرْغِمْت على كتابتها لعلّها تُخفف من هموم غربتنا وآلامها وتعاستها!
ومنذ أن قطعت بنا تلك العجلة الحديثة طرقات الهجرة الصحراوية لخارج البلاد، وبعد أقل من نصف نهار وجدت نفسي في عالم آخر، ودولة أخرى، وهكذا - وفي لحظات ممزوجة بين الواقع والخيال- عانقت قدماي أرض الغربة!
ومن يومها صرت أسير في طرقات لا يَعرفني فيها أحد، وأدخل لأحياء وأسواق ومساجد لا يَعرفني فيها أحد، وأدخل لنواد ثقافية وأدبية وإعلامية لا يَعرفني فيها أحد، وهكذا صِرْت مجرّد شبح يسير في طرقات الغربة!
منذ أكثر من 42 عيدًا ونحن مُجرّد كائنات تَكْبر في الغربة، ولكن أحلامها مؤجلة، وطموحاتها مؤجلة، وذكرياتها مُخدّرة، وعواطفها مُخدّرة، وكل ما يمكن فعله أن نتقلب على جمر الغربة والفراق والضياع في المهجر، ونحاول الصبر والصمود في مواجهة صعوبات الغربة والمهجر، النفسية والفكرية والمالية والمجتمعية!
إن أثقال الغربة وهمومها قد تذبح الفرحة في قلوب المغتربين، وتقلب بهجتها إلى مواطن للألم!
في العيد تتغير رؤية الإنسان للناس والأرض والسماء والبحار والكون وتكون نظرته - رغم همومه وصعوبات الحياة والغربة - قائمة على محبة الناس والعمل على نشر الخير في الأرض والسعادة في الأرجاء.
هذه الفرحة المؤجلة تقف الأقلام والقلوب والألسن عاجزة عن وصفها، وهي بجميع الأحوال مناسبة أنيقة لإنعاش الحياة، وطرد عوامل الكراهية والخراب والهدم، وزراعة بذور المحبة والصلاح والبناء!
وحينما قال أمير الشعراء أحمد شوقي "رحمه الله":
"العيدُ أقبلَ مَزهوًّا بطلعتهِ كأنَّهُ ضاحكٌ في ثوبِهِ القَشِبِ".
فهو صادق في وصفه للعيد في الوطن وبين الأهل والأحباب ولكن حال العيد بالنسبة لأكثرية الغرباء والمهجّرين مختلف رغمًا عنهم!
ورغم هموم الغربة والفراق يَغْمرنا العيد بساعاته المليئة بالأمل والنور والأشواق التي لا حدود لها لأرض أُرْغِمنا على فراقها، ولأحباب أُجْبرنا على هجرهم، ولذكريات اضطررنا لتركها في طرقات الوطن القريب البعيد!
أيها العيد رفقًا بأرواحنا الرقيقة، وقلوبنا الكليمة، وأجسادنا الهزيلة، فما عُدنا نحتمل المزيد من الأفراح المزيفة في دروب الغربة القاتلة.
وهكذا سنستمر في قطع دروب لا يُنادينا فيها أحد، ومغازلة طرقات لم تحفظ وقع خطواتنا!
واليوم وكأنني بالمتنبي يتكلم بلسان ملايين المهجّرين والمغتربين بقوله:
عيدٌ بِأَيّة حال عُدتَ يا عيد
بما مَضى أَم بأمر فيك تَجديد
أَمّا الأحبة فالبَيداء دونــهم
فلَيت دونَك بيــــداً دونَها بيـدُ!
كل عام وأنتم بخير وسعادة وأمن وأمان وبهجة وسرور، وأيامكم جميلة وسعيدة ومليئة بالحب والأمل والعطاء والبهاء.
الشرق القطرية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.