انتشار الحشرات في المدن المغربية.. إنذار بيئي أم ظاهرة عابرة؟

تحولت الحشرات، خلال الأيام الأخيرة، إلى حديث يومي داخل عدد من المدن المغربية - جيتي
تحولت الحشرات، خلال الأيام الأخيرة، إلى حديث يومي داخل عدد من المدن المغربية - جيتي
شارك الخبر
في ساعات الليل المتأخرة بمدينة بني ملال، تحوّلت أعمدة الإنارة في بعض الشوارع إلى ما يشبه "سحبا سوداء" متحركة. كانت الحشرات تتطاير بكثافة غير مألوفة حول الأضواء، وتغطي واجهات المحلات والسيارات المتوقفة، بينما سارع بعض السكان إلى إغلاق نوافذ منازلهم، كما لجأ آخرون إلى إطفاء الأنوار تفاديا لاجتياح الأسراب.

على بعد مئات الكيلومترات، تكرّر المشهد تفسه في قلعة السراغنة، حيث وثقت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي انتشارا كثيفا للبعوض وحشرات طائرة صغيرة، غطّت أجزاء من الشوارع والأحياء السكنية، وسط حالة من الخوف والاستياء والتساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلّق بظاهرة طبيعية موسمية، أم مؤشر جديد على اختلال بيئي ومناخي أعمق يتسلل إلى المدن المغربية.

وتحولت الحشرات، خلال الأيام الأخيرة، إلى حديث يومي داخل عدد من المدن المغربية. لم تعد مجرد مصدر إزعاج موسمي معتاد مع بداية فصل الصيف، وإنما ظاهرة لافتة بصريا ومقلقة بيئيا، خاصة مع الكثافة غير المسبوقة التي ظهرت بها الأسراب، واتساع رقعة انتشارها، وتزامنها مع موجات حرارة مرتفعة وتقلّبات مناخية حادة شهدتها المملكة خلال الأسابيع الماضية.



مشاهد غير مألوفة 


في العديد من الفيديوهات المتداولة، بدت الحشرات وكأنها تحتل المجال الحضري ليلا. أسراب كاملة تنجذب نحو الإنارة العمومية، تغطي الأرصفة والمقاهي والنوافذ، وتدخل إلى المنازل. وفي بعض الأحياء، اضطر سكان إلى إغلاق محلاتهم مبكرا بسبب كثافة الحشرات، بينما اشتكى آخرون من الحساسية والحكة وصعوبة النوم.

إلى ذلك، رصدت "عربي21" أنّ الأمر لم يقتصر فقط على بني ملال وقلعة السراغنة، حيث سجّلت حالات مشابهة في قصبة تادلة وبجعد وبن أحمد والدار البيضاء، إلى جانب مدن في الشمال مثل طنجة والعرائش ومرتيل.

وعلى الرغم من أن المغرب اعتاد خلال السنوات الماضية على موجات موسمية من البعوض والذباب، فإن ما يلفت الانتباه هذه المرة هو الحجم غير الاعتيادي للانتشار، وتكرار المشاهد نفسها في مدن متباعدة جغرافيا، ما فتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتجاوز مجرد "غزو موسمي" للحشرات.



هل يغيّر المناخ إيقاع الطبيعة؟


بحسب خبراء بيئيون فإنّ ما يحدث يرتبط بشكل مباشر بالتقلبات المناخية المتسارعة التي يعيشها المغرب خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت البلاد تنتقل في ظرف أيام قليلة من أمطار وعواصف رعدية إلى موجات حرارة مرتفعة تتجاوز أحيانا 40 درجة مئوية.

وفي حديثه لـ"عربي21" قال الخبير البيئي ورئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، مصطفى بنرامل، إنّ: "تعاقب الأمطار والرطوبة مع الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة يخلق ظروفا مثالية لتكاثر الحشرات وتسريع دورة حياتها بشكل غير مسبوق؛ خاصة بعد تشكل البرك والمياه الراكدة والرطوبة الناتجة عن الأمطار الأخيرة، والتي تُعد بيئة مناسبة لوضع البيوض وتفقيسها".

وأوضح بنرامل: "من بين الحشرات التي تم رصدها: البعوض، والنمل المجنح، والخنافس الطائرة الصغيرة، وحشرات الرطوبة، وبعض أنواع الصراصير الليلية التي تنجذب بقوة إلى مصادر الإضاءة"، مردفا: "يمكن تفسير هذه الظاهرة أساسا بالتقلبات المناخية الحادة التي عرفها المغرب مؤخرا".

واستطرد الخبير البيئي بالقول: "ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، مع ضعف عمليات النظافة البيئية وتراكم النفايات العضوية ببعض الأحياء، يساهم في جذب الحشرات وتكاثرها بشكل أكبر، خصوصا خلال الفترة الليلية حيث تنجذب بكثافة إلى الإنارة العمومية والأضواء القوية".

"في بعض المناطق الجنوبية وشبه الجافة، قد ترتبط الظاهرة أيضا بظهور أنواع من الجراد والحشرات الموسمية التي تنشط بعد التغيرات المناخية والأمطار غير المنتظمة" استرسل بنرامل، مضيفا: "رغم أن المشاهد المتداولة أثارت تخوف المواطنين، فإن أغلب هذه الحشرات تبقى موسمية ومؤقتة، ولا تشكل خطرا مباشرا كبيرا على صحة الإنسان، لكنها قد تسبب الإزعاج أو بعض حالات الحساسية الخفيفة، خاصة لدى الأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية أو حساسية جلدية".

وتابع: "يمكن القول إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد ظاهرة معزولة أو موسمية عابرة فقط، بل هو أيضا أحد المؤشرات البيئية المرتبطة بتأثيرات التغيرات المناخية على النظم البيئية المحلية، ما يفرض تعزيز المراقبة البيئية، وتحسين تدبير النظافة والصرف الصحي، وتكثيف حملات التوعية والوقاية للحد من الآثار الصحية والبيئية لهذه الظواهر المتكررة".

وأبرز بنرامل في حديثه لـ"عربي21": "بعض الاختلالات المرتبطة بالتدبير الحضري والبيئي تساهم بدورها في تفاقم الوضع، مثل ضعف تصريف المياه، ووجود نقاط سوداء للنفايات، وتراجع المساحات الخضراء، وتلوث المجاري المائية، وكلها عوامل تساعد على انتشار الحشرات والقوارض والكائنات الناقلة للأمراض داخل المجال الحضري".

اظهار أخبار متعلقة




أمّا من الناحية العلمية، فأكّد بنرامل أنّ: "الحشرات تُعتبر من الكائنات الحساسة جدا للتغيرات المناخية والبيئية، لذلك فإن تغير سلوكها أو ظهورها بكثافة في مناطق وأوقات غير معتادة يُعد بمثابة "مؤشر بيئي" على وجود خلل في المنظومة البيئية المحلية".

"لهذا فإن الظاهرة لا ينبغي التعامل معها فقط كإزعاج موسمي عابر، ولكن كرسالة تنبيه تدعو إلى إعادة التفكير في سياسات التخطيط الحضري، والتدبير البيئي، والتكيف مع التغيرات المناخية داخل المدن المغربية" وفقا للخبير البيئي ورئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ.

حين تصبح المدن بيئة خصبة للحشرات


رصدت "عربي21" أنه في قلب كثير من الأحياء الشعبية وشبه الحضرية، لا تحتاج الحشرات إلى أكثر من بركة مياه صغيرة أو حاوية نفايات مفتوحة لتبدأ دورة تكاثر جديدة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول تلك النقاط بسرعة إلى بؤر حقيقية لانتشار البعوض والذباب وحشرات الرطوبة.

ويرى متخصصون أن التوسع العمراني السريع الذي شهدته مدن مغربية خلال السنوات الأخيرة لم يواكبه في المقابل تطوير كاف للبنيات البيئية المرتبطة بالتطهير السائل وتصريف مياه الأمطار والنظافة الحضرية، ما ساهم في خلق ما بات يوصف بـ"نقاط سوداء" تساعد على تكاثر الحشرات.

أيضا، في بعض المدن، زادت هشاشة شبكات الصرف الصحي، وتراكم المياه الراكدة بعد الأمطار، من تعقيد الوضع، خصوصا داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة. كما أن الاستهلاك المرتفع للإضاءة الاصطناعية ليلا يجذب أنواعا متعددة من الحشرات، خاصة تلك الحساسة للضوء مثل العث والبعوض وبعض الخنافس الطائرة.


وجوابا على سؤال بخصوص الإجراءات الوقائية العاجلة التي يجب اعتمادها للحد من تكرار انتشار هذه الحشرات مستقبلا، أوضح بنرامل: "من الضروري اعتماد مقاربة وقائية واستباقية تجمع بين التدخل البيئي والصحي والتوعوي، لأن معالجة الظاهرة لا تقتصر فقط على استعمال المبيدات، بل ترتبط أساسا بتحسين شروط النظافة والتوازن البيئي داخل المجال الحضري".

"في مقدمة الإجراءات العاجلة، يجب تكثيف حملات النظافة وجمع النفايات بشكل منتظم، خاصة النفايات العضوية التي تشكل بيئة جاذبة للحشرات. كما ينبغي القضاء على المياه الراكدة بمحيط المنازل والأحياء، وتنظيف قنوات الصرف الصحي والبالوعات، لأنها تعتبر من أهم بؤر تكاثر البعوض والحشرات الطائرة" بحسب ما قال بنرامل في حديثه لـ"عربي21".

واسترسل رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ بالقول: "من المهم أيضا تعزيز عمليات المراقبة البيئية والصحية بشكل استباقي، عبر رصد أماكن تكاثر الحشرات والتدخل المبكر قبل وصولها إلى مرحلة الانتشار الواسع، مع اعتماد برامج دورية للتطهير والمعالجة البيولوجية والبيئية، مع الحرص على استعمال مبيدات بشكل عقلاني وآمن يحترم صحة الإنسان والتوازن الإيكولوجي".

واستطرد: "كما يتعين على الجماعات الترابية والسلطات المختصة تعزيز صيانة المساحات الخضراء والمجاري المائية داخل المدن، والحد من النقط السوداء البيئية التي تشجع على تكاثر الحشرات والقوارض، إضافة إلى تحسين شبكات التطهير السائل وتصريف مياه الأمطار، خصوصا في الأحياء التي تعرف هشاشة بنيوية".

من البعوض إلى الجراد.. ظواهر متكررة


مشاهد الحشرات الحالية لم تأتِ من فراغ. ففي الأشهر الماضية، حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة من تزايد انتشار أسراب الجراد الصحراوي بعدد من مناطق جنوب ووسط المغرب، وذلك نتيجة تحسن الغطاء النباتي وملاءمة الظروف المناخية لتكاثره.

ووفق المنظمة، فإن الأمطار غير المنتظمة، وارتفاع درجات الحرارة، وتحسن الغطاء النباتي في بعض المناطق، ساهمت في خلق بيئة مواتية لتحركات الجراد وتكاثره، ما دفع السلطات المغربية إلى تنفيذ عمليات مسح ومكافحة واسعة شملت آلاف الهكتارات.

وأوضحت المنظمة أن تحسن الغطاء النباتي في عدة مناطق بالمغرب ساهم في انتشار الجراد على طول الساحل الأطلسي، إضافة إلى مناطق جبال الأطلس الصغير وأودية سوس ماسة ودرعة، فضلاً عن منطقة بئر أنزران.

وحذرت النشرة من احتمال استمرار تحرك الأسراب نحو الشمال خلال شهر مارس، مع إمكانية حدوث عمليات تكاثر جديدة في المغرب والجزائر، الأمر الذي يستدعي تكثيف عمليات الرصد والمسوحات الميدانية وتعزيز جهود المكافحة.

وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الجراد عن الحشرات التي ظهرت داخل المدن خلال الأيام الأخيرة، فإن الخبراء يرون أن الرابط المشترك بين الظاهرتين يكمن في التحولات المناخية والبيئية المتسارعة التي باتت تعيد تشكيل سلوك الكائنات الحية وأنماط انتشارها.



هل نحن أمام "إنذار مبكر"؟


مع كل تغير مناخي حاد، تظهر انعكاسات جديدة داخل المدن المغربية: ارتفاع استهلاك المياه، تراجع الغطاء النباتي، اختلال التوازنات البيئية، وظهور آفات وحشرات بأعداد غير معتادة.

إلى ذلك، بحسب عدد من المختصين فإنّ: "تكرار هذه الظواهر البيئية يطرح أسئلة أعمق بخصوص مدى جاهزية المجال الحضري للتكيف مع التحولات المناخية المقبلة؛ فالمغرب، مثل بقية دول حوض المتوسط، يوجد ضمن المناطق الأكثر تعرضا لتأثيرات التغير المناخي، سواء من خلال موجات الحر، أو الجفاف، أو الأمطار المفاجئة، أو اضطراب الفصول".

اظهار أخبار متعلقة




وفي السياق نفسه، ومع تسارع وتيرة شكاوى السكان، أطلقت السلطات المحلية بعدد من المدن المغربية حملات لرش المبيدات ومكافحة الحشرات، شملت شوارع وأحياء ومناطق قريبة من المياه الراكدة.

إلى ذلك، في الليل، تبدو الحشرات مجرد نقاط صغيرة تدور حول الضوء. لكن خلف هذا المشهد تختبئ أسئلة أكبر بخصوص المناخ والمدينة والطبيعة التي باتت تتغير بصمت.

في بني ملال وقلعة السراغنة وطنجة والدار البيضاء ومدن أخرى، لم يكن السكان يتحدثون فقط عن "بعوض مزعج"، ولكنّهم كذلك يعبّرون عن إحساس متزايد بأن شيئا ما داخل البيئة المحيطة بهم لم يعد يعمل بالطريقة نفسها.
التعليقات (0)