شهد وسط العاصمة البريطانية
لندن، اليوم السبت، واحدة من أكبر التظاهرات الداعمة لفلسطين منذ أشهر، تزامنا مع إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة
الفلسطينية، وسط انتشار أمني غير مسبوق ومظاهرة موازية لأنصار اليمين المتطرف بقيادة الناشط البريطاني تومي روبنسون تحت شعار "وحّدوا المملكة".
وتحوّلت شوارع وسط لندن إلى ما يشبه الثكنة الأمنية، بعدما دفعت شرطة العاصمة البريطانية بنحو أربعة آلاف عنصر، مدعومين بمروحيات وطائرات مسيّرة ووحدات خيالة وكلاب بوليسية وآليات مسلحة، إضافة إلى استخدام تقنيات التعرف المباشر إلى الوجوه، في محاولة لمنع أي احتكاك بين التظاهرتين المتزامنتين.
وانطلقت المسيرة المؤيدة لفلسطين من منطقة "شارع إكزيبيشن" باتجاه "بال مال"، بدعوة من تحالف واسع ضم منظمات أبرزها حملة التضامن مع فلسطين وائتلاف أوقفوا الحرب وأصدقاء الأقصى والمنتدى الفلسطيني في
بريطانيا وانهضوا ضد العنصرية، إلى جانب نقابات وحركات مناهضة للعنصرية.
وأكد المنظمون أن التظاهرة تأتي لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية، التي هجّر خلالها أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم عام 1948، وللمطالبة بحق العودة ووقف الدعم البريطاني للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فضلا عن رفض تصاعد خطاب الكراهية واليمين المتطرف في بريطانيا.
وسلكت المسيرة شوارع رئيسية في وسط لندن، بينها كرومويل غاردنز وبرومبتون رود ونايتسبريدج وبيكاديللي وسانت جيمس ستريت، قبل أن تختتم فعالياتها في منطقة "بال مال"، وسط مشاركة كثيفة من الجاليات العربية والفلسطينية ومتضامنين بريطانيين.
وقال عدنان حميدان رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا لـ "عربي21": ، إن "النكبة ما تزال جرحًا مفتوحًا لا يسكنه الزمن، لأنها لم تكن حدثًا عابرًا انتهى، بل مشروع اقتلاع مستمر تتبدل وجوهه وتبقى غايته واحدة: سرقة الأرض، وكسر الإنسان، ومحو الحكاية الفلسطينية".
وأضاف أن "الجريمة تتواصل من قرى التهجير الأولى إلى غزة الجريحة اليوم، بأدوات مختلفة، لكن الشعب الفلسطيني ما زال واقفًا، يحمل ذاكرته كما يحمل حقه، ويرفض أن يتحول الوطن إلى مجرد رواية من الماضي".
وشدد حميدان على أن "فلسطين ليست ذكرى تُستعاد مرة كل عام، بل قضية شعب يواجه محاولات الشطب يوميًا"، مؤكدا أن "الأرض لا تُنسى، وأن القدس ليست قابلة للمساومة، وأن العودة ليست شعارًا بل حقًا لا يسقط".
وختم بالقول: "في ذكرى النكبة لا نبكي على الأطلال، بل نجدد العهد بأن هذه القضية لا تُصفّى، وأن شعبًا قدّم كل هذه التضحيات لا يمكن أن يُهزم، وأن إرادة البقاء وتحرير الأرض والعودة أقوى من كل مشاريع الاقتلاع".
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، تجمع أنصار روبنسون في مناطق قريبة من محطتي يوستن وكينغز كروس، ما دفع الشرطة إلى إقامة مناطق عازلة، خاصة في محيط ميدان ترافالغار، لمنع أي مواجهات مباشرة بين الطرفين.
وأعلنت شرطة لندن، عبر منصة "إكس"، توقيف رجلين في محيط محطة يوستن، مطلوبين للاشتباه بتورطهما في قضية إلحاق أذى جسيم على خلفية حادثة دهس وقعت في مدينة برمنغهام، مشيرة إلى أنهما كانا في طريقهما للمشاركة في تظاهرة "وحّدوا المملكة".
وفي موازاة الحشد الميداني، تصاعدت المخاوف داخل الأوساط العربية والفلسطينية في بريطانيا من تنامي خطاب اليمين المتطرف، خاصة مع ورود تقارير عن احتمال مشاركة مجموعات من مشجعي كرة القدم في التحركات، وهو ما اعتبرته وسائل إعلام بريطانية عاملا قد يرفع مستوى التوتر في العاصمة.
وقبيل انطلاق المسيرة، وجّه قادة وناشطون وشخصيات مهنية من الجاليتين العربية والفلسطينية رسالة عاجلة إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، طالبوا فيها بضمان حماية متساوية للمشاركين في فعاليات إحياء النكبة، وعدم التعامل مع المناسبة باعتبارها "مشكلة أمنية" فقط.
وشدد الموقعون على الرسالة على أن العرب والفلسطينيين في بريطانيا يعيشون "حالة قلق مرتفعة" بسبب تهديدات اليمين المتطرف، مطالبين بخطة أمنية واضحة تضمن سلامة المشاركين، والاعتراف بذكرى النكبة بوصفها فترة حداد مشروعة لجزء من النسيج المجتمعي البريطاني.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه بريطانيا تصاعدا في التوتر السياسي والمجتمعي المرتبط بالحرب الإسرائيلية على غزة، بالتزامن مع تنامي حضور التيارات اليمينية المتشددة في المشهد العام، مقابل اتساع رقعة التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية في المدن البريطانية الكبرى.