بيونغ يانغ تنشر مدفعية على حدود جارتها الجنوبية.. ماذا يحدث في أعقد مناطق التوتر بالعالم؟

مدفعية كورية شمالية جديدة بمدى يتجاوز 60 كيلومتراً تهدد العمق الجنوبي - أ ف ب "أرشيفية"
مدفعية كورية شمالية جديدة بمدى يتجاوز 60 كيلومتراً تهدد العمق الجنوبي - أ ف ب "أرشيفية"
شارك الخبر
تشهد الحدود بين الكوريتين تصعيدا عسكريا متسارعا، مع إعلان كوريا الشمالية خططا لنشر مدفعية جديدة بعيدة المدى على طول الحدود الجنوبية، في خطوة قد تضع العاصمة سيول ومحيطها ضمن نطاق النيران المباشرة. 

ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه مؤشرات التهدئة السياسية، وتتحول فيه المنطقة المنزوعة السلاح إلى واحد من أكثر الخطوط الحدودية تحصينا وتوترا في العالم.

أفادت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية بأن بيونغ يانغ تعتزم نشر مدافع هاوتزر ذاتية الدفع عيار 155 ملم على طول الحدود مع كوريا الجنوبية خلال العام الجاري.

وذكرت التقارير أن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون تفقد مصنعاً لإنتاج الذخيرة، واطلع على تطوير هذا النوع الجديد من المدفعية، الذي يُتوقع أن يتجاوز مداه 60 كيلومتراً.

ويضع هذا التطور العاصمة سيول، التي تبعد نحو 50 إلى 60 كيلومتراً عن الحدود، ضمن نطاق محتمل للنيران، إضافة إلى أجزاء واسعة من مقاطعة غيونغي، وهي المنطقة الأكثر كثافة سكانية في كوريا الجنوبية ومركزها الصناعي الرئيسي.

سيول في مرمى التهديدات

يشكل نشر هذه المنظومة المدفعية تحولا نوعيا في ميزان الردع بين البلدين، إذ إن نطاقها الجغرافي يغطي مناطق حيوية داخل كوريا الجنوبية، بما فيها محيط العاصمة.

ويعزز هذا التطور استراتيجية الضغط العسكري التي تتبعها بيونغ يانغ، في ظل استمرار حالة العداء بين الجانبين، اللذين لا يزالان في حالة حرب قانونية منذ 1953 بعد انتهاء النزاع بهدنة دون توقيع معاهدة سلام.

يتزامن التصعيد العسكري مع خطوات سياسية متشددة، أبرزها إعلان كوريا الشمالية قبل أيام حذف بند إعادة توحيد الكوريتين من دستورها، في إشارة إلى تكريس الفصل السياسي الكامل بين البلدين.

وفي المقابل، تواصل سيول الدعوة إلى استئناف الحوار دون شروط مسبقة، مع التأكيد على التمسك بالمسار السلمي رغم التوترات المتصاعدة.

اظهار أخبار متعلقة



ماذا تحتوي المنطقة المنزوعة السلاح؟

تُعد المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين واحدة من أكثر المناطق العسكرية كثافة في العالم، وقد تحولت مع مرور السنوات إلى خط مواجهة شديد التحصين يجمع بين البنية العسكرية الثقيلة والعوامل البيئية النادرة.

وتشمل هذه المنطقة جدرانا وحواجز مضادة للدبابات تمتد لأكثر من 10 كيلومترات، إضافة إلى حقول ألغام يُقدر عددها بأكثر من مليون لغم، وأسلاك شائكة مزدوجة ومناطق مراقبة مكثفة مزودة بأبراج مراقبة وأنظمة استشعار وكاميرات حرارية.

كما تنتشر خلف الخط الحدودي مباشرة آلاف القطع من المدفعية بعيدة المدى، إلى جانب أنظمة راجمات ومدافع يعتقد إنها قادرة على الوصول إلى العاصمة سيول، مع تقارير عن وجود أنفاق عسكرية سرية محتملة تحت الحدود.

تقع المنطقة الأمنية المشتركة في بانمونجوم، وهي النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها جنود الكوريتين وجها لوجه، وقد تحولت من مساحة للتفاوض إلى موقع عسكري مغلق في ظل التصعيد الأخير. 

كما تضم الحدود ما يعرف بـ“قرى المواجهة” الرمزية، حيث توجد قرية ديسونغ-دونغ في الجنوب تحت إشراف الأمم المتحدة، مقابل قرية كيجونغ-دونغ في الشمال التي تُستخدم لأغراض دعائية ورمزية.




محمية شكلتها العزلة الطويلة

ورغم الطابع العسكري الكثيف، تحولت المنطقة المنزوعة السلاح بفعل العزلة الطويلة إلى واحدة من أغنى البيئات الطبيعية في شبه الجزيرة الكورية، إذ تضم آلاف الأنواع من الحيوانات والنباتات، بينها أنواع نادرة مهددة بالانقراض، نتيجة غياب النشاط البشري لأكثر من سبعة عقود.

وفي سياق تعزيز الانفصال، قامت كوريا الشمالية خلال السنوات الماضية بتدمير وقطع الطرق والسكك الحديدية التي كانت تربطها بالجنوب، ما أدى إلى إنهاء شبه كامل لأي ارتباط لوجستي مباشر بين الجانبين، وتكريس واقع الانفصال الجغرافي والسياسي.

في المقابل، تتجه كوريا الجنوبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر تطوير أنظمة اعتراض المدفعية والصواريخ، واستئناف تدريبات عسكرية واسعة قرب الحدود، إضافة إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة وتحديث خطط الردع الاستباقي. 

كما عادت سيول إلى استخدام أدوات الحرب النفسية عبر مكبرات الصوت الحدودية، رغم التذبذب في تفعيلها خلال السنوات سابقة.

اظهار أخبار متعلقة



تاريخ طويل عن الصراع بين الجارتين

يعود جذور الصراع بين الكوريتين إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، حين تم تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى منطقتين نفوذ: شمالية تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي، وجنوبية تحت إدارة الولايات المتحدة. 

وقد كان هذا التقسيم مؤقتاً في البداية، لكنه تحول سريعاً إلى انقسام سياسي وأيديولوجي عميق مع تصاعد الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

في عام 1948، أُعلن قيام دولتين منفصلتين: جمهورية كوريا في الجنوب، وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الشمال، وكل منهما ادعت تمثيل الشرعية الكورية الكاملة. 

قاد هذا الانقسام مباشرة إلى اندلاع الحرب الكورية عام 1950، عندما غزت القوات الشمالية الجنوب في محاولة لتوحيد البلاد بالقوة.

استمرت الحرب ثلاث سنوات، وشهدت تدخلاً عسكرياً واسعاً بقيادة الولايات المتحدة إلى جانب الجنوب، مقابل دعم صيني وسوفيتي للشمال. وانتهى القتال عام 1953 باتفاق هدنة فقط، دون توقيع معاهدة سلام، ما يعني أن البلدين لا يزالان تقنياً في حالة حرب حتى اليوم.

أدى الاتفاق إلى إنشاء “المنطقة المنزوعة السلاح” (DMZ)، وهي شريط حدودي بطول يقارب 250 كيلومتراً وعرض نحو 4 كيلومترات، يُفترض أنه يفصل بين الجانبين ويمنع الاحتكاك العسكري المباشر، لكنه في الواقع تحوّل إلى واحد من أكثر الحدود تسليحاً في العالم.

ورغم فترات متقطعة من الحوار ومحاولات التقارب، بما في ذلك قمم مشتركة واتفاقات تعاون محدودة، ظل الصراع السياسي والعسكري قائماً، مع استمرار برامج التسليح في الشمال، وتنامي التحالفات الدفاعية في الجنوب، ما جعل شبه الجزيرة الكورية واحدة من أكثر بؤر التوتر استقراراً من حيث عدم الحل النهائي.

تعكس التطورات الأخيرة على الحدود بين الكوريتين انتقال المواجهة من حالة التوتر المزمن إلى مرحلة أكثر خطورة من التحصين العسكري المتبادل والتصعيد التدريجي. 


التعليقات (0)