وسط تحديات معقدة
وبيئة كارثية مدمرة ومن بين خيمة وأخرى وحطام منزل يتجول فريق عمل فلسطيني لإجراء
توثيق دقيق ومهني لجرائم
الإبادة الجماعية التي ارتكبها ويرتكبها جيش
الاحتلال
بحق الإنسان الفلسطيني في قطاع
غزة المنكوب.
وخوفا من ضياع الأدلة
أو طمس الوقائع مع مرور الوقت، بدأ فريق الباحثين التابع لمشروع توثيق الإبادة في
قطاع غزة الذي يشرف عليه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عمله في منتصف 2024.
ويعمل الفريق بشكل علمي ودعم تقني من أجل جمع الأدلة والقرائن وتوثيق
الشهادات التي تثبت ارتكاب جيش الاحتلال جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جريمة
الإبادة الجماعية في القطاع.
اظهار أخبار متعلقة
وفي ظل الجرائم مستمرة
التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة، يحرص فريق المشروع على بناء قاعدة أدلة قوية
ومتماسكة وسجل حقوقي متكامل وفق معايير الإثبات المعتمدة دوليا، لضمان تحقيق
العدالة وتقديم قادة الاحتلال للمحاكمة على ما ارتكبوه من جرائم لم تعرف البشرية
مثيلا لها، وهذا يتطلب دعم الآليات القضائية الدولية، وتمكينها من العمل دون عوائق
سياسية، وهذا "المسار يتقدم بشكل تراكمي".
قاعدة أدلة لحفظ
الذاكرة
وعمل جيش الاحتلال
بتخطيط مسبق خلال حرب الإبادة التي بدأت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023،
على تدمير كافة القطاعات الحيوية الضرورية للحياة وارتكب آلاف المجازر والفظائع
والجرائم بحق المدنيين في القطاع، ما أدى إلى ارتفاع عدد الشهداء إلى 72593
والجرحى 172399، بحسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة وصلت "عربي21"
نسخة عنها، إضافة لوجود آلاف المفقودين تحت ركام المنازل المدمرة وفي سجون
الاحتلال.
وحول طبيعة وأهداف هذا
المشروع الحقوقي الضخم، أوضحت منسقة المشروع بسمة الغصين، أن "مشروع توثيق
الإبادة في قطاع غزة، جاء استجابة لحاجة ملحّة إلى تسجيل ما يجري على الأرض بشكل
منهجي ودقيق، قبل أن تضيع الأدلة أو تُطمس الوقائع مع مرور الوقت".
ونبهت في حديثها
لـ"عربي21"، أن "الفكرة الأساسية ليست مجرد جمع روايات أو شهادات
فردية، بل بناء سجل حقوقي متكامل يوثق أنماط الجرائم والانتهاكات،
ويربط بين الوقائع الفردية والصورة العامة لما يحدث".
وأفادت الغصين، أن
"الهدف من المشروع مزدوج؛الأول:حفظ الذاكرة القانونية والإنسانية لما يتعرض
له المدنيون، والثاني: إنتاج قاعدة أدلة قابلة للاستخدام أمام آليات المساءلة
الدولية، علما أنه في سياقات الحروب والإبادة الجماعية، كثير من الجرائم تُنكر أو
تُشكك فيها لاحقًا، لذلك يصبح التوثيق الفوري والمنهجي ضرورة قانونية وليس مجرد
عمل حقوقي تقليدي".
وأكدت أن
"المشروع في جوهره يسعى لضمان ألا تضيع الحقيقة، وأن تبقى الوقائع محفوظة بما
يسمح بمحاسبة المسؤولين عنها في المستقبل"، موضحة أن "عملية التوثيق
تعتمد على منظومة متعددة المسارات تجمع بين العمل الميداني المباشر والرصد عن بُعد".
وأضافت: "يعمل
باحثون ميدانيون داخل القطاع على جمع الشهادات والبيانات الأولية فور وقوع
الحوادث، رغم القيود الأمنية وظروف النزوح المستمرة، ويتم إجراء مقابلات تفصيلية
مع الضحايا والشهود، مع تسجيل المعلومات بدقة زمنية ومكانية، بما يشمل وصف الحدث،
وطبيعته، وعدد الضحايا، وظروف الاستهداف".
تقنيات التحقق الرقمي
بالتوازي مع ما سبق،
"يعتمد فريق المشروع على قنوات رقمية متعددة لتلقي المواد التي يشاركها شهود
العيان، مثل الصور ومقاطع الفيديو، إضافة إلى تحليل المصادر المفتوحة، والتقارير
الطبية، والمواد الإعلامية، ولا تُعتمد أي شهادة أو مادة مباشرة، بل تخضع لعملية
تحقق متعددة المراحل، تشمل فحص المصدر، وتحليل البيانات الوصفية المرتبطة بها، مثل
التوقيت والموقع، ثم مقارنتها مع مصادر أخرى مستقلة"، بحسب منسقة المشروع.
وذكرت أن فريقها
"يستخدم تقنيات التحقق الرقمي، مثل تحديد الموقع الجغرافي للمقاطع (Geolocation)، وتحليل التسلسل الزمني للأحداث، ومراجعة
السياق العام للحادثة، وهذه المنهجية التي تقوم على تقاطع الأدلة من مصادر متعددة،
تجعل المواد الموثقة قابلة للاستخدام كمادة داعمة في عمل المؤسسات الدولية، بما في
ذلك لجان التحقيق الدولية وآليات الأمم المتحدة".
وعن الكيفية التي يتم
التعامل فيها مع الكم الهائل من المعلومات والأحداث والمجازر، أقرت أن هذا الأمر
"يشكّل تحديًا يوميًا، خاصة في ظل كثافة الأحداث وتسارعها، لذلك يعتمد العمل
على نظام منظم يقوم على تقسيم المهام بين فرق متخصصة، تبدأ بجمع المواد الأولية،
ثم تمر بمرحلة الفرز الأولي، تليها مراحل التحقق والتحليل والتصنيف".
وتابعت: "كما يتم
تخزين البيانات ضمن قواعد معلومات منظمة تسمح بربط الحوادث ببعضها زمنيًا
وجغرافيًا، وهو أمر بالغ الأهمية لرصد الأنماط العامة للانتهاكات، وليس فقط تسجيل
الوقائع الفردية، كما يتم استخدام أدوات تحليل البيانات ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم خرائط مواقع الاستهداف والنزوح، إضافة
إلى تحليل صور الأقمار الصناعية لتتبع أنماط التدمير الحضري، وهذا النوع من العمل
يسمح ببناء صورة شاملة لطبيعة العنف وأنماطه، ويحول الكم الكبير من البيانات
لمعرفة قانونية يمكن الاستناد إليها لاحقا".
وعن الصعوبات التي
تواجه فرق العمل في المشروع، أفادت أن "التحديات التي تواجه فرق التوثيق داخل
القطاع معقدة ومتداخلة، ويأتي في مقدمتها القصف المستمر وخطر الاستهداف المباشر،
إضافة إلى النزوح المتكرر الذي كان يطال (وما يزال أحيانا) الباحثين أنفسهم، ما
يفقدهم الاستقرار الجغرافي ويصعّب متابعة الحالات والتحقق منها".
ولفتت أن "انهيار
البنية التحتية، بما في ذلك الكهرباء والإنترنت، يعرقل عملية نقل البيانات ويؤخر
توثيق بعض الحوادث. وفي كثير من الأحيان، يصبح الوصول المباشر إلى موقع الحادثة
مستحيلًا بسبب استمرار العمليات العسكرية أو تدمير الطرق".
إعدامات ميدانية وبيئة
كارثية
ورغم تلك الظروف
المعقدة إلا أن فريق الباحثين الذين وصل عددهم في ذروة الإبادة لأكثر من 20 باحثا
ميدانيا موزعين على محافظات قطاع غزة، يعتمد وفق إفادة الغصين، على "وسائل
بديلة، مثل التخزين المحلي المؤقت للمواد التوثيقية، وإعادة إرسالها عند عودة
الاتصال، إضافة إلى الاعتماد على مصادر متعددة لكل حادثة"، منوهة أنه "لا
يمكن إغفال الضغط النفسي الشديد الذي يرافق هذا العمل، إذ يعمل الباحثون في بيئة
كارثية، وغالبًا ما يكونون هم أنفسهم متأثرين بشكل مباشر بالأحداث التي يوثقونها".
وأشارت إلى أن
"الشبكة الواسعة من الباحثين الميدانيين القائمين على المشروع، يعملون إلى
جانب فريق قانوني وتحليلي متخصص يعمل على تحويل المواد الميدانية إلى ملفات
قانونية قابلة للاستخدام، كما يعتمد العمل على شراكات مهنية مع جهات حقوقية وخبراء
تقنيين وقانونيين، إضافة إلى التعاون مع آليات دولية معنية بالمساءلة، ويشمل ذلك،
في بعض الحالات، تقديم مواد موثقة إلى جهات تحقيق دولية وفق معايير تحافظ على سرية
الشهود وسلامة الأدلة".
وحول ما كشفه مشروع
توثيق إبادة غزة، أكدت مسؤولة الإعلام في المرصد الأورومتوسطي مها الحسيني، أن
"المشروع كشف عن صورة واسعة وممنهجة من الانتهاكات الجسيمة التي لم تعد تُفهم
بوصفها حوادث فردية معزولة، بل كأنماط متكررة تشير إلى سلوك منظم وممتد زمنيا".
وذكرت في حديثها
لـ"عربي21"، أن "من خلال آلاف الشهادات والمواد الميدانية التي
جُمعت، برزت مؤشرات واضحة على استهداف واسع النطاق للمساكن المدنية، ومحو عائلات
كاملة من السجل المدني، وتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات
والمدارس ومرافق المياه والغذاء".
وبينت الحسيني، أن
"المشروع كشف أيضا عن أنماط متكررة من الإعدامات الميدانية، وهي ممارسات لا
يمكن فهمها بمعزل عن سياق أوسع يشير إلى إلحاق أذى واسع النطاق بالسكان المدنيين
ومقومات حياتهم الأساسية"، منوهة أن "هذه النتائج لم تُبنَ على شهادات
فردية فقط، بل على تقاطع بيانات وتحليل أنماط زمنية ومكانية، ما يسمح بفهم طبيعة
الجرائم بوصفها جزءا من بنية متكررة وليست أحداثا عرضية".
وردا على سؤال: كيف
يمكن ترجمة هذه الحقائق والشهادات لمحاكمة حقيقية لقادة الاحتلال على ما ارتُكب من
جرائم حرب ضد المواطنين في القطاع؟، قالت: "ترجمة هذه الحقائق لمسار قضائي
تبدأ بتحويل المواد الخام، مثل الشهادات والصور ومقاطع الفيديو، إلى ملفات قانونية
منظمة وفق معايير الإثبات المعتمدة دوليا، وهذا يتضمن توثيق البيانات الوصفية لكل
دليل، وربطه بشهادات الشهود، وتحليل الوقائع في ضوء النصوص القانونية ذات الصلة،
سواء تلك المتعلقة بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة
الجماعية".
قاعدة أدلة متماسكة
وتابعت: "بعد
ذلك، تُصنّف الأدلة بحسب درجة التحقق، وتُبنى منها ملفات قانونية متكاملة تُقدَّم
إلى الجهات المختصة، مثل آليات التحقيق الدولية أو الهيئات القضائية المعنية، وهذه
العملية لا تحدث بشكل فوري، بل تتطلب تراكمًا طويل الأمد للأدلة، وتحليلا قانونيا
معمقا يربط الوقائع الفردية بالمسؤوليات القيادية، وهو ما يعد عنصرا أساسيا لإثبات
المسؤولية الجنائية الفردية لقادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية".
اظهار أخبار متعلقة
وعن المطلوب لتحقيق
العدالة لأهل غزة، نبهت مسؤولة الإعلام، أن "تحقيق العدالة لا يقتصر على جمع
الأدلة أو إصدار التقارير، بل يتطلب إرادة دولية حقيقية للانتقال من مرحلة التوثيق
والإدانة اللفظية إلى مرحلة الفعل القانوني والسياسي"، مشددة على وجوب
"حماية المدنيين ووقف الانتهاكات الجارية أولا ، لأن العدالة لا يمكن أن
تتحقق بينما الجرائم مستمرة".
وأضافت: "كما
يتطلب الأمر دعم الآليات القضائية الدولية، وتمكينها من العمل دون عوائق سياسية،
إضافة إلى فرض إجراءات فعالة لضمان المساءلة، مثل وقف أي دعم عسكري أو تقني قد
يسهم في استمرار الانتهاكات، كذلك، من الضروري ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون
قيود، لأن حماية الحق في الحياة والغذاء والدواء جزء لا يتجزأ من مفهوم العدالة".
ولفتت إلى أن
"العدالة في هذا السياق، ليست فقط معاقبة المسؤولين، بل أيضا الاعتراف
بالضحايا، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الجرائم في المستقبل"، مؤكدة أن العمل
في مسار تقديم قادة الاحتلال إلى المحكمة الجنائية الدولية "مستمر ويتقدم
بشكل تراكمي، ويتم تحويل المواد الموثقة لملفات قانونية قابلة للاستخدام ضمن
الإجراءات المعتمدة لدى الجهات الدولية المختصة بالمساءلة".
وكشفت الحسيني
لـ"عربي21"، أنه "تم خلال الفترة الماضية إعداد وتقديم مواد موثقة
ضمن آليات قانونية مختلفة، مع الاستمرار في تزويد الجهات المعنية بالأدلة الجديدة
كلما توفرت"، منوهة أن "مسار العدالة الدولية بطبيعته بطيء ومعقد،
ويتأثر بعوامل قانونية وسياسية متعددة، لكنه يعتمد في جوهره على تراكم الأدلة
الموثقة بشكل منهجي، والتجارب الدولية السابقة تظهر أن المساءلة قد تتأخر، لكنها
تصبح ممكنة عندما تتوفر قاعدة أدلة قوية ومتماسكة، وهو ما يسعى المشروع إلى بنائه
بشكل مستمر".