مقال في الغارديان: قبل الحرب لم تملك إيران سلاحا نوويا لكن ومن سيمنعها الآن؟

شنت الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضربتين دون سابق إنذار في خضم مفاوضات دبلوماسية- جيتي
شنت الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضربتين دون سابق إنذار في خضم مفاوضات دبلوماسية- جيتي
شارك الخبر
ناقش معلق الشؤون الخارجية في صحيفة "الغارديان" سيمون تيسدال، أنه مع كل قنبلة تسقط وكل تهديد مرعب بالإبادة، يزيد دونالد ترامب من حافز إيران لرفض اتفاق "السلام الشامل" الذي طرحه، والاندفاع بدلا من ذلك نحو امتلاك أسلحة نووية للدفاع عن النفس مستقبلا. 

وقال تيسدال في مقال نشرته الصحيفة: "فقد برر الرئيس الأمريكي إعلان الحرب ضد الجمهورية الإسلامية في 28 شباط/فبراير بزعم أنها وبالتحديد برنامجها النووي  تشكل "تهديدا وشيكا"، مع أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية، بل الولايات المتحدة وإسرائيل".

وأضاف أن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية ومفتشي الأمم المتحدة، يتفقون جميعا على عدم وجود أدلة قاطعة على أن النظام، في ظل تطويره لقدراته التقنية وإبقاء الخيارات السياسية مفتوحة، قد بنى أو حاول بناء أسلحة نووية ومنذ عام 2003 على الأقل، حين تم الكشف عن مخطط سري بهذا الشأن.

إلا أنه وبعد الهجوم الثاني غير المبرر الذي شنه ترامب في غضون عام وتعهده بإبادة الحضارة الإيرانية وإعادتها إلى "العصور الحجرية"، فمن المرجح جدا أن يتغير هذا الوضع.

وذكر الكاتب "فقد بات من الصعب وبشكل متزايد لأحد أن يحاجج الرأي المنسوب إلى جنرالات الحرس الثوري الإسلامي "المتشددين" الذين يديرون إيران حاليا، بأن الأسلحة النووية هي الوسيلة الوحيدة المؤكدة لردع أي هجمات مستقبلية".

اظهار أخبار متعلقة


 فقد شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتين دون سابق إنذار، في خضم مفاوضات دبلوماسية. 
وحتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام، يدرك الإيرانيون أن ترامب وبنيامين نتنياهو، اللذان لا يكفان عن الانتقام، لا يمكن الوثوق بهما. وقد يستمر المحور الأمريكي الإسرائيلي في عدوانه لسنوات قادمة.

 ويضيف تيسدال أن تركيز ترامب على "تدمير" البرنامج النووي الإيراني لا يصيب الهدف، تماما كأي صاروخ توماهوك أمريكي طائش. 

ومن جانب آخر، لا يمكن تدمير الخبرة النووية المحلية بسهولة بالقصف، مهما قتلت إسرائيل من علماء. وعلى أي حال، ليس بالضرورة أن تعيد طهران بناء القدرات والمهارات اللازمة لصنع أسلحة نووية محليا، فقد تتمكن من شرائها جاهزة من الخارج.

وتعد كوريا الشمالية، الحليف القديم، المصدر الأرجح، بينما لا يمكن استبعاد مساعدة روسيا بقيادة فلاديمير بوتين (التي تتعاون بالفعل في مشاريع الطاقة النووية). 

وقد تجنب كيم جونغ أون، ديكتاتور بيونغ يانغ، الحرب حتى الآن، لكن كما أرسل سرا قوات لمساعدة بوتين في أوكرانيا، فإنه قد يتدخل سرا لتسليح طهران، ولدى كيم سابقة في مجال الانتشار النووي.
كما وانضمت إيران إلى عدد متزايد من الدول غير النووية التي عانت بشدة على أيدي القوى النووية المهيمنة.

 ففي عام 1994، تخلت أوكرانيا عن أسلحتها النووية مقابل ما تبين، عندما هاجمتها روسيا لأول مرة عام 2014، أنها مجرد ضمانات أمنية غربية لا قيمة لها. واستسلم النظام العراقي، الذي كان يفتقر إلى رادع نووي، للغزو الأمريكي في عام 2003. والسؤال: هل كان ترامب سيهاجم فنزويلا في كانون الثاني/ يناير لو كانت مسلحة نوويا؟

وقال تيسدال إن الدول النووية التي تملك الأسلحة حقيقة، لو أوفت بالتزاماتها، بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، والتي تنص على خفض ترسانتها النووية والقضاء عليها نهائيا، لأدت إلى تراجع دافع  الدول الأخرى للبحث عن درع نووي، لكنها تنكث بوعودها باستمرار. 

وتتزايد إساءة الولايات المتحدة وروسيا استخدام موقعهما المهيمن، وهي إساءة صممت معاهدة عدم الانتشار خصيصاً لمنعها. كما أن إسرائيل (على عكس إيران) لم توقع على المعاهدة قط.
وقال إن سلوك ترامب غير العقلاني والمتهور والتهديدي، والذي يثير القلق،  يخلق حالة من عدم اليقين وانعدام الأمن في حد ذاته. 

إلا أن نزعته العسكرية تغذي أيضا الدافع باتجاه انتشار الأسلحة النووية عالميا، حيث تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات لتحديث ترسانتها. وكذلك تفعل روسيا وكوريا الشمالية وفرنسا وبريطانيا، بينما توسع الصين قواتها بسرعة وبشكل هائل. 

ومع ذلك، رفض ترامب تجديد سلسلة من معاهدات الحد من التسلح التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة.

وقد ألغى الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما مع إيران عام 2015 بدعم أوروبي، وهو قرار طائش أدى مباشرة إلى المواجهة الحالية. 

وفي اليوم الأول للحرب، استهدف المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وقتل. وماتت معه، على ما يبدو فتواه الملزمة التي تحظر صراحة تطوير إيران لقنبلة نووية.

ويعتقد تيسدال أنه فيما يتعلق بإيران يعاني ترامب ونتنياهو يعانيان بفهمين خاطئين. 

اظهار أخبار متعلقة


الأول، حتى لو تم التوصل إلى شكل من أشكال السلام البارد، فإن الإيرانيين لن يغفروا ولن ينسوا فظائع مثل مجزرة مدرسة ميناب والدمار الشامل الذي لحق ببلادهم وخيانات واشنطن الدبلوماسية، سواء بقي النظام الحالي في السلطة أم لا، وهو ما يعني أن "التهديد الإيراني" سيظل  قائما.

 ثانيا، لا تزال طهران تمتلك خيارات لا تسيطر الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، على الرغم من تفوقهما العسكري.

ومن هنا، تقدم كوريا الشمالية، الخاضعة للعقوبات والمعزولة، نموذجا محتملا لطهران. 
فقد طور نظام بيونغ يانغ في الأصل أسلحته الذرية باستخدام تكنولوجيا السوق السوداء التي حصل عليها من باكستان. وقامت سلالة كيم لاحقا بنقل تقنيات نووية إلى سوريا بقيادة بشار الأسد. وتبيع حاليا صواريخ باليستية، من بين دول أخرى، لإيران وروسيا.

وربما كان الأمر تكهنات، لكن من يضمن ألا يزود كيم إيران برؤوس نووية كاملة؟ وإذا كان ذلك محفوفا بالمخاطر، فقد يزودها باليورانيوم عالي التخصيب وتصاميم الرؤوس الحربية والخبرات اللازمة مقابل النفط، كما أشار مارك فيتزباتريك، خبير منع الانتشار النووي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، والدبلوماسي الأمريكي السابق.

 وإذا فعل كيم ذلك، فمن سيعلم؟ ومن سيمنعه؟ وقد ازداد كيم جرأة منذ فشل حملة ترامب المحرجة لكسب وده خلال ولايته الأولى.

وفي تجاهل لإشارات البيت الأبيض، بشأن استئناف الاتصالات خلال زيارة ترامب لبيجين الشهر المقبل، يجري الزعيم الكوري الشمالي تجارب إطلاق صواريخ جديدة بشكلٍ استعراضي ويتحدى كوريا الجنوبية واليابان ويؤكد على توثيق العلاقات مع الصين وروسيا وبيلاروسيا. 

وفي حديثه في آذار/ مارس، قال إن العدوان الأمريكي على إيران "أثبت" أن كوريا الشمالية كانت محقة في تطوير رادع نووي، وبلا شك قد فهمت إيران هذه الرسالة.

اظهار أخبار متعلقة


وإذا كان كيم مخطئا، فلماذا إذا يعامل ترامب كوريا الشمالية بشكل مختلف تماما عن إيران؟ فكلا البلدين يهدد جيرانه ويؤيد تحالفات معادية للغرب وكلاهما نظامان استبداديان يقمعان مواطنيهما، والتهديد النووي الكوري الشمالي حقيقي لا لبس فيه. 

ويبدو سبب ازدواجية المعايير واضحا، فكوريا الشمالية نوويى، وترامب ليس بذلك الغباء ليهاجم دولة نووية.

ويعلق تيسدال قائلا إن الطريقة التي يضفي بها سلوك ترامب وبوتين العدائي شرعية على الحجج المؤيدة لامتلاك الأسلحة النووية ستجلب كارثة محتملة على جهود منع الانتشار النووي عالميا. 

فإذا سعت إيران إلى امتلاك أسلحة نووية للدفاع عن نفسها، فهل ستحذو السعودية ومصر وتركيا حذوها؟ وهذا فقط في الشرق الأوسط. ومثل أوكرانيا، توفر الحرب الإيرانية غطاء وسابقة لدول نووية أخرى إذا قررت هي الأخرى مهاجمة دول غير نووية. فهل يمكن أن تحذو الصين حذوها في تايوان؟ بالنظر إلى مصير إيران، هل ينبغي لتايبيه أن تسارع إلى امتلاك أسلحة نووية؟ هل ينبغي لليابان وكوريا الجنوبية فعل ذلك؟

وعليه فلا عجب أن يخيم جو من الكآبة على مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الذي يعقد كل خمس سنوات والذي يفتتح في نيويورك يوم الاثنين. 

 وتشمل تحدياته برامج تحديث وتوسيع الأسلحة النووية المنتشرة على نطاق واسع وانهيار دبلوماسية الحد من التسلح واستئناف التجارب النووية وما تسميه جمعية الحد من التسلح "تزايد المخاطر النووية" ومخاطر الانتشار النووي. 

وقد حذرت مذكرة بحثية صادرة عن مكتبة مجلس العموم هذا الشهر من أن "فكرة "الصفر العالمي"، أو عالم خال من الأسلحة النووية، تتلاشى باطراد".

ويقول تيسدال: " هذه ليست مجرد قصة مختلقة لإخافة الأطفال، بل هي حقيقة. فمنذ غزو أوكرانيا، هددت روسيا أكثر من مرة باستخدام الأسلحة النووية، ولحسن الحظ، لم تفعل ذلك حتى الآن". 

وفي الأسابيع الأخيرة، ومع انخراط ترامب في أزمة إيران، انتشرت تقارير، تم نفيها لاحقا، تفيد بأن الولايات المتحدة قد تلجأ هي الأخرى إلى الأسلحة النووية. 

وسواء أكانت هذه التهديدات مجرد استعراض للقوة أم لا، فقد أصبحت مألوفة للغاية. 
وإذا أمكن التوصل إلى مسار تفاوضي عادل ومعقول للخروج من المأزق الراهن، فقد تقنع إيران والدول المتوسطة الحجم المعرضة للخطر بالتخلي عن الأسلحة النووية. أما إذا انتشر العدوان غير القانوني من قِبل القوى النووية المهيمنة التي تؤمن بمبدأ "القوة هي الحق" دون رادع، فإن كابوس الحرب الباردة القديم المتمثل في الدمار المتبادل المؤكد سيتحول إلى واقع ملموس اليوم.
التعليقات (0)