تواصل دول مجلس التعاون
الخليجي استدعاء السفراء
العراقيين وتقديم مذكرات احتجاج على خلفية الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية ضدها، مطالبةً بغداد بالتعامل بمسؤولية وإيقاف "الاعتداءات الآثمة" بالطائرات المسيرة تجاه الدول الخليجية.
واستدعت كل من
السعودية والإمارات والبحرين والكويت في الأسبوع الماضي سفراء العراق وقدمت لهم احتجاجاً رسمياً على الهجمات، وذلك بعد نحو عشرة أيام من إصدار دول الخليج بياناً مشتركاً دعت فيه بغداد إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف أنشطة الفصائل والميليشيات المسلحة.
وأكدت هذه الدول حقها الكامل في الدفاع عن النفس استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ ما يلزم من تدابير لحماية أمنها واستقرارها في مواجهة هذه التهديدات، في إشارة إلى المادة 51 من الميثاق الأممي التي تتيح للدول الدفاع عن نفسها فردياً أو جماعياً في حال وقع عليها هجوم مسلح.
تداعيات محتملة
تعليقاً على ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية في العراق، معتز النجم، إن "الموضوع يتعلق بسلوكيات الفصائل التي تسببت بحرج كبير للحكومة العراقية، بالتالي الدولة مسؤولة كونها تمتلك السيادة والقدرة على التعامل مع هذه الجماعات التي بدأت تُدخل البلد في أزمات سياسية ودبلوماسية".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف النجم لـ"
عربي21" أن "الحكومة العراقية الحالية أمامها خيار تفعيل الردع بالقوة والقانون، خصوصاً أن الفصائل منقسمة، لأن جزءاً منها لديه ثنائية التعامل مع الدولة وأخرى مرتبطة عقائدياً بجهات خارج الحدود".
في المقابل، يؤكد الخبير العراقي أن "دول الخليج هي الأخرى محرجة في التعامل مع هذه الفصائل كون العراق يمثل حضناً عربياً، وأن الدولة فيه بدأت منذ سنوات تسير في الطريق الصحيح في سلوكياتها وتعاملاتها".
وتابع: "هناك إدراك لدى صانع القرار السعودي والخليجي بشكل عام لماهية الأزمات داخل العراق والتكتلات السياسية، على اعتبار أن الحكومة العراقية منبثقة من الإطار التنسيقي، وأن الفصائل لديها تمثيل سياسي فيه، وهذا يؤمّن لها مظلة أمنية وحصانة قانونية أمام دعوات المحاسبة".
ورأى النجم أن "عملية مسك العصا من الوسط وعدم وجود إجراءات حكومية حقيقية رادعة ستكون لها تداعيات أمنية وسياسية ودبلوماسية على العراق، بالتالي حتى القرار الأممي رقم 2817 لعام 2026 والعراق جزء منه، يمكن أن ترتكز عليه الدول الخليجية للمطالبة بالحصول على
تعويضات".
وشدد على أن "الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني بحاجة إلى قرار سياسي يردع الفصائل حتى لا نصل إلى مرحلة اختطاف الدولة والقرار السياسي على اعتبار أن الأخيرة لها ارتباط عقائدي خارجي، لذلك نحن بحاجة إلى مظلة وطنية تضع مصلحة الوطن في المقدمة".
وأكد النجم أهمية أن "يكون هناك مسار قانوني عراقي رادع لهذه الجماعات على اعتبار أن قرار السلم والحرب بيد الدولة، وإلا فإن العراق مقبل على عزلة إقليمية سياسية ودبلوماسية، في وقت نحن بأمس الحاجة للتعاون وفتح آفاق جديدة للعلاقات في ظل التغير الجيوسياسي الذي تقوده أمريكا".
وأردف قائلاً: "ديدن دول الخليج هو التعامل بالقانون الدولي ولديها باع طويل في هذا المجال، ومرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت شاهدة على ذلك".
وبحسب النجم، فإن "العراق لم يستطع أن يبني شبكات علاقات سياسية واقتصادية مع محيطه العربي وتجاهل حتى رسائل الولايات المتحدة حين جاء توم براك مبعوث ترامب إلى بغداد قبل ثلاثة أشهر وجلس مع رئيس الحكومة العراقية وطالبه بوضع حد لهذه الجماعات".
وكان عمار الحكيم، رئيس تيار "الحكمة الوطني" وأحد أبرز قيادات الإطار التنسيقي الشيعي، قد حذر خلال تصريحات الشهر الماضي من "عزلة عراقية محتملة في مرحلة ما بعد الحرب"، داعياً إلى "نبذ خطابات التخوين وتغليب الوحدة الوطنية واعتماد معادلة العراق أولاً".
"احتجاج متبادل"
وفي السياق، قال رئيس مركز "بغداد" للدراسات الاستراتيجية، مناف الموسوي لـ"
عربي21" إنه "من المتوقع أن تذهب هذه الدول إلى تقديم شكاوى لدى الأمم المتحدة للمطالبة بتعويضات من العراق؛ لأنها تدعي أن الهجمات التي تلقتها كانت قد انطلقت من الأراضي العراقية".
وأكد الموسوي أنه "في المقابل هناك من يرى أن هذه الضربات لم تصدر من القوات الرسمية العراقية وإنما من الفصائل، لكن مع هذا فإن الدولة هي الجهة المسؤولة عن ضبط حدودها وأراضيها وألا تكون مصدراً لتهديد الجوار".
وأشار إلى أن "مطالبة هذه الدول بتعويضات تعتمد على شكل الحكومة العراقية المقبلة وقدرة رئيس الوزراء على إقناعهم بإعادة العلاقات وعدم تقديم شكوى؛ لأن البلد يعاني جملة من الإشكاليات، ولاسيما الاقتصادية؛ بالتالي فرض ديون جديدة يجعل الحكومة أمام مأزق كبير".
وأكد الموسوي أن "تشكيل الحكومة المقبلة يغير الكثير من المسارات، فإذا كانت شخصية رئيس الوزراء تمتلك الكثير من العلاقات والقبول الدولي، فإنها ممكن أن تساهم في إعادة العراق إلى وضعه الطبيعي والحاضنة العربية والوضع الإقليمي ويخفف عنه الكثير من القضايا والإشكاليات".
وبخصوص مدى إقدام هذه الدول على الرد عسكرياً على مصدر الهجمات، رأى الموسوي أن "كل الاحتمالات واردة، وأن نتائج الحرب قد ترسم شكل العلاقات داخل دول المنطقة ومع دول الجوار، ولا نعلم حتى الآن نوع وشكل الحكومة المقبلة وإذا ما كان لديها القبول الدولي والإقليمي".
بدوره، كشف السياسي العراقي المعارض والنائب السابق فائق الشيخ علي أن "
الميليشيات المحسوبة على الحشد الشعبي مسؤولة عن الكثير من الصواريخ والمسيرات التي ترسل إلى دول الجوار، وهم من قصفوا
الكويت والسعودية أيضاً".
وقال فائق الشيخ علي خلال مقابلة له نشرت في 22 آذار/ مارس الماضي إن "من أسرار الدولة العراقية -التي ربما يكشف عنها لأول مرة- أن السعودية ردت على الميليشيات قرب حدودها مع العراق رداً عسكرياً عنيفاً".
اظهار أخبار متعلقة
وفي تصريح يؤكد ما كشف عنه الشيخ علي، قال عدنان السراج، مستشار رئيس الوزراء العراقي، خلال مقابلة تلفزيونية الأربعاء، إنه مقابل الاحتجاج الخليجي، قدم العراق أيضاً احتجاجاً لأنه تعرض لضربات من دولة عربية وأن الحكومة تجري تواصلاً دبلوماسياً.
وأضاف السراج أن "آبار النفط في البصرة وبعض أماكن الحشد الشعبي التي قصفت بطائرات مسيرة، كان مصدرها دولة عربية، بالتالي يقوم العراق بمعالجتها بطريقة دبلوماسية وهادئة".
وكان رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني قد قدّم خلال رسالة مصورة وجهها إلى المجتمع الدولي الأسبوع الماضي اعتذاره للدول العربية التي تعرضت للهجمات من الأراضي العراقية.
وقال: "نبدأ بتقديم اعتذار صادق إلى الدول العربية المجاورة التي تعرضت لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، نتقدم إليكم بأعمق تعازينا، ونحن نشعر بالخجل الشديد من هذه الأفعال".
وأكد طالباني أن "العراق في طور تشكيل حكومة جديدة ستعمل على إصلاح الجسور التي تضررت لكنها لم تُكسر؛ حكومة ستضمن أن تبقى الأسلحة حصراً بيد الدولة، حكومة مستقلة وطنية ملتزمة بالدفاع عن حقوق شعبها".