زوجة معتقل مصري لـ"عربي21": هل تنتظرون أن ننتحر؟

بعض الأسر تقضي نحو 72 ساعة سفر لزيارة تستغرق 10 دقائق فقط داخل السجون- الأناضول
بعض الأسر تقضي نحو 72 ساعة سفر لزيارة تستغرق 10 دقائق فقط داخل السجون- الأناضول
شارك الخبر
دعت زوجة معتقل مصري للنظر في أحوال آلاف المصريات المعتقل أزواجهن وأبنائهن والذين يصلون في بعض الإحصاءات لنحو 100 ألف معتقل أغلبهم منذ العام 2013، داعية لإخلاء سبيل أزواجهن.

وتساءلت السيدة الستينية المعتقل زوجها وابنها والتي تمتهن بيع الملابس الجاهزة، في حديث مع "عربي21": هل تنتظرون أن ننتحر حتى تنظروا إلى أزماتنا؟، لن نفعلها ولن نكل في تحمل المسؤولية"، رافضة أن تروي تفاصيل معاناتها المالية والنفسية والأسرية حتى لا تكون شكوى تنتقص من أجرها، وفق رؤيتها.

وأشارت إلى قيامها "بدور الأب، والعائل لأسرتها وأسرة ابنها، (3 بنات، وزوجة ابن وحفيد وحفيدة) في صمت ودون دعم مجتمعي"، كما لفتت إلى "قيامها بزيارة زوجها وابنها وتوفير احتياجاتهما من دواء ومتعلقات تتكلف آلاف الجنيهات سنويا".

القصص لا تنتهي

"عربي21"، اخترقت جدار صمت بعض أسر المعتقلين كاشفة عن بعض قصص مأساوية، منها أزمة سيدة أربعينية اعتُقل زوجها الخمسيني مريض السكر عام ٢٠١٤، وابنها الشاب طالب الجامعة عام ٢٠١٥، وتذهب لكل منهما زيارة بسجن مختلف كل أسبوع، وفشلت محاولاتها بلم شملهما، ليس بخروجهما لكن فقط لتخفيف المعاناة بجمعهم في سجن واحد.

ووفق رواية مقربين منها: "انقطع دخل الأسرة بعد سنة بفصل الزوج من عمله، لتصبح بلا مصدر دخل، إلا من مساعدات مقربين قلت مع الزمن مع تكرار اعتقال من يثبت مساعدته لأسر المعتقلين فأصبحت المساعدات لا تكفي تحضير زيارة واحدة".

"بدأت السيدة، مشروع صغير من البيت، لتجهيز احتياجات الزيارات وتربية أطفالها؛ ليشتد المرض على الزوج العلاج غير متوفر بالسجن فتضطر لشرائه رغم غلاء ثمنه، وسط صراع طويل وجهود مضنية لعدة شهور حتى يُسمح بدخول العلاج للزوج المريض، قبل أن يتوفاه الله بعد عدة أشهر من المعاناة والإهمال الطبي المتعمد والعجز".

أم و3 معتقلين وطفلة مريضة

وفي أزمة ثالثة لزوجة أربعينية، تشير أحداثها إلى "اعتقال زوجها ثم ولديها المراهقين (١٦ و١٤ عاما)، وثلاثتهم بمكان احتجاز مختلف تدور حول سجون ثلاثة بطفلة ٨ سنوات يقضيان أسبوعهما يوم زيارة ويوم مدرسة ومذاكرة، حيث تصطحبها لزيارة والدها وأخويها، بينما يقضون ساعات الانتظار الطويلة بالمذاكرة وشرح ما يفوتها بالمدرسة".

"تذهب الابنة للمدرسة فتجد زميلاتها ذات مرة ذهبوا في رحلة بدونها، ومرة يتحدثون عن السهرة العائلية التي قضوها، وعن العيدية وهدايا الآباء لهن، والفسحة مع الإخوة، بينما تظل حكايات الفتاة عن السجون والزيارات التي لا يصح ولا يجوز أن تحكيها، لأن مفهوم الأطفال عن السجون أنها مكان للمجرمين الأشرار".

اظهار أخبار متعلقة



"حياة تلك الطفلة تحولت إلى صراع وصدمات وضغوط معقدة متتالية، لتصاب بمرض نفسي شديد، وتصبح حياة الأم ما بين زيارات السجون والذهاب للأطباء بالبنت المريضة، وبأحد الأبناء الذين خرجوا بعد سنوات بمرض أصيب به داخل السجن، وتستمر تلك الأم الصامدة في هذه الرحلة في دعم كل هؤلاء المكروبين في الحياة دون أن تجد من يساعد أو يرحم"، وفق وصف راوية قصتها.

زواج فاعتقال فطفل يسأل

وفي أزمة إنسانية أخرى تواجهها فتاة عشرينية "اعتُقل زوجها بعد أسابيع قليلة من الزفاف؛ لتكتشف أنها حامل عندما تفقد الوعي في إحدى رحلات البحث عنه أثناء فترة اختفائه القسري، ليظل الزوج مختفي قسريا مدة عام كامل حتى وضعت مولودها، بينما الأب لم يعلم أن له ابن في الحياة إلا بعد ظهوره".

"تبدأ تلك الأم التي قضت شهور الحمل والولادة دون زوج يشاركها رحلة الذهاب لزيارة زوجها بالسجون البعيدة عن مكان سكنهم بمئات الكيلومترات، فتقضي سفرا عصيبا بهذا الرضيع فقط لتتمكن من زيارة ١٠ دقائق لزوجها يتعرف فيها على ابنه، الذي دخل المدرسة الابتدائية وبدأ سنواته الأولى في الدراسة".

"مازال الطفل يكبر ويريد أخا ويريد مثل أصدقائه أبا بالبيت يلعب معه ويصطحبه لصلاة الجمعة، كما يرى جيرانه يذهبون برفقة آبائهم، وهو الوحيد الذي تذهب معه أمه (لأنه صغير) وتنتظره حتى تنتهي الصلاة، ومازال الأب بالسجن والفتاة التي أصبحت ثلاثينية تتساءل مع طفلها: متى تعيش مثل كل النساء حياة طبيعية؟".

وتؤكد راوية قصتها لـ"عربي21"، أنها "ومع كل ذلك صامدة وتستكمل حياتها ما بين رعاية الابن وحيدة، أو بزيارة الزوج البعيدة".

زواج لأيام وضياع حلم الإنجاب

وحول فتاة عشرينية "تزوجت؛ وبعد الزواج بأيام تم اعتقال الزوج، وأصبحت حياتها الزوجية زيارة لا تتعدى ١٠ دقائق تسافر لها ما يزيد عن 10 ساعات وتنتظر مثلهم مرة كل شهر"، تروي مقربة منها قصتها لـ"عربي21"..

وتوضح أنها "مازالت منذ 10 أعوام تنتظر عودته لتبدأ حياتها، بعد أن تجاوزت منتصف الثلاثينيات، وبدأ الأطباء حولها في تحذيرها من تأخير الحمل الأول أكثر من هذا، بينما هي لا تملك إلا الانتظار؛ وتصبر وتنتظر عودة حبيبها حتى لو لم يرزقوا بأبناء، فهي تعلم أنه رزق وقدر".

اعتقال الزوج وموت الأب

وحول التحولات في حياة أم ثلاثينية ومعها ٣ أطفال صغار أكبرهم لم يتجاوز 7 سنوات، واعتقل زوجها منذ العام ٢٠١٥، تقول أحداث مأساتها إنها "ظلت ما بين المحاكم والزيارات حتى حُكم على زوجها بالسجن المؤبد، وكانت أسرتها داعمة لها فتترك أبنائها مع أمها وقت الزيارات وأبوها ينفق عليها وعلى أبنائها".

اظهار أخبار متعلقة



"بعد سنوات توفيت الجدة ثم الجد، وأصبحت وحيدة معها ٣ مراهقين بمراحل التعليم الإعدادي والثانوي؛ فاضطرت للنزول للعمل لتتمكن من تلبية احتياجات أسرتها مع تُرك أبنائها بأصعب مراحل عمرهم احتياجا للأم والأب، ومازالت تجاهد ما بين العمل وتربية أبناءها وزيارة زوجها".

انهيار نفسي وإصرار وصمود

وفي مأساة أخرى وصلت إليها "عربي21"، "هناك شابة عشرينية اعتُقل أخوها في ٢٠١٤، وقضت سنوات الجامعة ما بين الدراسة وزيارة أخيها بالسجن، لأن والدها قعيد ووالدتها متوفية، وبعد ٥ سنوات تخرجت من الجامعة وتوفي الأب وأصبحت وحدها تماما".

"كانت تعاني وتُعالج نفسيا بسبب فقد أمها وأبيها والضغوط التي تتعرض لها في السجن خلال زيارة أخويا؛ وتحسنت صحتها النفسية وتجاوزت الفقد في حياتها، ثم تزوجت وأنجبت ومازالت تزور أخوها الذي دخل السجن في بداية العشرينات، لتكتمل المأساة باعتقال زوجها منذ عامين، لتعود مرة أخرى للعلاج بإصرار أن تستكمل رحلة حياتها، وأن تحسن التعامل مع الضغوط الكثيرة في حياتها ما بين عملها وتربية طفلها وحيدة وبين زيارات أخوها وزوجها".

ثبات رغم المعاناة

ويقول الحقوقي المصري خلف بيومي: "خلال 13عاما عانت الأمهات والزوجات والأبناء من تعسف السلطة تجاه ذويهم؛ ونالهم أذى لا يتحمله بشر، من إجراءات تعسفية بدأت من الإرهاق المادي والمعنوي، ووصلت للقبض عليهن والاختفاء القسري لهن وتلفيق القضايا بحقهن".

مدير مركز "الشهاب لحقوق الإنسان"، يضيف لـ"عربي21": "مهما سطرت الأقلام عن تلك المأساة فلن تعبر تعبيرا واقعيا عن حجم المعاناة؛ فلك أن تتخيل أن أسرة تقضي قرابة 72 ساعة بين الذهاب والعودة من البيت إلى السجن لتطمئن خلال 10 دقائق على عائلهم".

ويتابع: "ناهيك عن الأذى والتحرش والسب والقذف، وقد يصل الأمر في النهاية لمنع الزيارة"، مبينا أن "كل ذلك يصل بالبعض منهن بالكفر بدولة القانون وعدم الإحساس بالأمان على أنفسهن وذويهن".

ورغم تلك الأوضاع يؤكد بيومي، أنه "لم يصل إلينا أية أنباء عن تفكير البعض منهن في الانتحار؛ ولكن الكل يأس تماما في دولتهم، والبعض فكر في الرحيل، ومنهم من تفككت الأسر بسبب تلك الممارسات".

وذهب الحقوقي المصري للقول: "لا أعتقد أن النظام يلقي بالا بكل شاب أو فتاة أقدم على الانتحار، حتى يلقي بالا بأهالي المعتقلين"، مضيفا: "لكن ذلك كله يلقي بالعبء علينا جميعا في الوقوف بجانبهم وتقديم الدعم المادي والمعنوي والنفسي لهم".

وختم بالقول: "تبقى المسؤولية في رقبة السلطة القضائية التي انبطحت أمام تقارير وتحريات الأمن الوطني مما أدى بنا لما نحن فيه الآن".

يضعفن ولكن

الحقوقي عبدالرحمن بدراوي، قال إنه "وعلى الرغم من صعوبة أوضاع زوجات المعتقلين وسوء أحوالهن مع دخول بعضهن العام الـ13 يتنقلن بين السجون والمحاكم مع تحمل مسئولية التربية ورعاية الأسرة وزيارة الزوج المعتقل والعمل على كفاية المنزل ماديا وتوفير مصاريفه، لكل هذه العوامل وغيرها تتوغل في نفوسهن ويضعفن".

اظهار أخبار متعلقة



المدير التنفيذي لمؤسسة "جوار"، وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "لكن بفضل الله يستندن إلى وازعهن الإيماني وصحبتهن الصالحة المعينة على النوائب، كذلك رجاءهن القبول من الله والتضرع طلبا للفرج القريب".

وأوضح أنه هنا يأتي الدور الحقوقي والدعم النفسي، موضحا أنه "ولعلم الجميع بحالهن وأنهن أحيانا يضعفن وشبح اليأس وطول البلاء يحوم حولهن، تسعى منظمات حقوقية بينها (جوار) بالتعاون مع متخصصين على سلامة الأسر وزوجات المعتقلين نفسيا بتوفير استشارات أسرية ونفسية".

لا تستسلم أبدا

وفي روشتة نفسية لزوجات المعتقلين وكل مصرية تتعرض للأزمات، تقول الطبيبة النفسة الدكتورة نهى قاسم، لـ"عربي21": "حقيقة الحياة أنها مزيج من المتعة والألم وخليط من المعاناة والانجاز؛ وإدراك تلك الحقيقة يجعلنا نفهم أن الألم جزء من نسيج الحياة، وأن الصعوبات والضغوط أمر حتمي بالحياة، وبالتالي ليس المطلوب ولا المرجو عدم وجود الألم أو غياب الضغوط لكن حسن التعامل معهما بشكل يجعلها قابلة للتحمل، ويقلل من الألم ويسمح بقدر من الراحة".

وتضيف: "عندما تتعدد التحديات، وتتكالب الضغوط على الإنسان، يكون أمامه عدة اختيارات، أولها: الانهزام والاستسلام لكرة الثلج التي تبدأ بالمعاناة وتتراكم حتى تخنقه، وثانيها: الهروب والتجنب وعدم الانتباه لمتطلبات التحدي الجديد، وهنا تتأخر المعاناة قليلا لكنها تخنقه بالنهاية حين ينهار حاجز التجنب بالضرورة في لحظة ما، وثالثا: مواجهة التحديات بآليات المقاومة والمرونة والصلابة النفسية، وهذا اختيار صحيح ننصح به دوما".

قاسم، تعرب عن أسفها من أن "البعض لا يعي لحظة الاختيار تلك، ويسير بقوة الدفع بأحد الطرق دون وعي، وقد تكون النتائج سلبية بشدة على صحته النفسية، وعلى حياته الاجتماعية، لهذا ننصح دائما بإدراك لحظة الوعي هذه، ثم اتخاذ قرار واضح بالقدرة وتحمل المسؤولية (وهذا يأتي من اليقين بالله أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها)، وطالما الله كلف فقد رزق بالوسع؛ ثم المطلوب منا البحث عن سبل وأدوات داخلية وخارجية تعيننا وتساعد بمواجهة التحديات".

وتلفت إلى أسباب "اللجوء إلى الله بصدق، والتفكير الإيجابي المتفائل، وطلب العلم والخبرة من أهلها، والسعي في الأدوات والوسائل المعينة المختلفة، والاستعانة بالعلاقات الاجتماعية الطبيعية، وطلب الدعم من المجتمع المحيط، وتقديم الدعم أيضا للغير، واللجوء للمختصين حين الاحتياج".

وتؤكد أن "كلها أسباب تجنبنا الحلول الخطأ وتساعدنا على استكمال رحلة حياتنا بكل ما فيها من صعوبات وتحديات بما يرضي الله عنا ويعيننا على النجاح والاستمتاع بزينة الدنيا وتحمل قدر من الألم (جزء من نسيج حياتنا)"، داعية من يعاني بسبب الضغوط أن "يتحرك بحثا عن الحلول، والمختصين يستطيعون مساعدتك في عمل آليات التعامل والتحمل، لكن لا تستسلم أبدا".
التعليقات (0)