يشكل قطاع النفط في
ليبيا العمود الفقري
للاقتصاد الوطني، لكنه ظل منذ عام 2011 محورًا للصراعات السياسية والمؤسسية بين
السلطات المختلفة، وأحيانًا بين الحكومات المؤقتة ومجلس النواب، ما انعكس سلبًا
على استقرار الدولة وأداء مؤسساتها.
ومنذ توليه رئاسة المجلس الرئاسي، أصبح محمد
المنفي المتزعم الفعلي لمعركة مكافحة
الفساد، مسلطًا الضوء على الانتهاكات
الإدارية والمالية التي تعرقل التنمية وتضعف إدارة الموارد الحيوية للبلاد.
1 ـ السياق السياسي والاقتصادي منذ 2011
بعد سقوط النظام السابق، شهدت ليبيا حالة من
الانقسام المؤسسي بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية، وتنافس الأطراف المختلفة على
السيطرة على الموارد الوطنية، لا سيما النفط. وقد أدى هذا الانقسام إلى تباطؤ جهود
التنمية، وظهور مظاهر فساد مالي وإداري واسعة النطاق، شملت منح عقود نفطية بشكل
غير شفاف وتجاوز الصلاحيات التنفيذية.
2 ـ الرئيس المنفي في طليعة مكافحة الفساد
منذ توليه منصبه، سعى المنفي إلى وضع مكافحة
الفساد على رأس أولويات المجلس الرئاسي، مؤكدًا أن حماية الثروات الوطنية تعد
شرطًا أساسيًا لإنجاح الانتقال الديمقراطي وتحقيق الاستقرار. ويعتبر المنفي أن
الفساد في المؤسسات العامة، خصوصًا في قطاع النفط، يمثل أحد أكبر التحديات أمام
الدولة، ويعمل على تطوير آليات رقابة صارمة لضمان المساءلة القانونية والشفافية في
إدارة الموارد.
3 ـ تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة
أشار تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن الدولي
إلى انتشار تجاوزات مالية وإدارية في مؤسسات الدولة الليبية، مع تأكيد خاص على
قطاع النفط. وقد ناقش المنفي وتكالة، خلال لقائهما الأخير، سبل معالجة هذه
التجاوزات، بما في ذلك: تعزيز دور الأجهزة الرقابية الوطنية، فعيل آليات المساءلة والمحاسبة
القانونية بحق المتورطين، اتخاذ إجراءات رادعة ضد الفساد لضمان نزاهة مؤسسات
الدولة وحماية المال العام.
وأكد المنفي أن أي اتفاقيات نفطية جديدة يجب
أن تحصل على موافقة جماعية من المؤسسات السيادية العليا، منعًا لتجاوز الصلاحيات
وحماية مصالح الدولة والشعب.
4 ـ استجابة حكومة الوحدة الوطنية
في ضوء المسار الذي يقوده المنفي، أصدرت
حكومة الوحدة الوطنية مؤخرًا توجيهات لإنهاء اتفاقية تطوير نفطي كانت موقعة مع
شركة خاصة، وأُحيلت ملفاتها إلى الأجهزة الرقابية. وتعكس هذه الخطوة استجابة
مباشرة لمسار الرئيس المنفي في مكافحة الفساد، وتعزيز الرقابة على الموارد الوطنية
ضمن إطار دستوري وقانوني.
5 ـ تحديات إدارة الموارد الوطنية
يبين تقرير لجنة الخبراء أن الفساد في قطاع
النفط يتخذ أشكالًا متعددة، بما في ذلك: منح عقود غير شفافة، تجاوز الصلاحيات التنفيذية في توقيع الاتفاقيات، ضعف
الرقابة على المشاريع النفطية الكبرى.
ويؤكد الخبراء أن معالجة هذه التجاوزات
تتطلب مؤسسات متماسكة، إرادة سياسية قوية، وتعاونًا بين السلطات التنفيذية
والتشريعية، إلى جانب دور فعال للمجتمع المدني في مراقبة إدارة الموارد وضمان
الشفافية.
6 ـ خطوات مستقبلية متوقعة
أكد المنفي وتكالة أن المرحلة المقبلة ستشهد: تفعيل الرقابة على جميع
العقود والاتفاقيات النفطية، إصلاح القوانين والأنظمة المتعلقة بإدارة الموارد
الوطنية، متابعة تنفيذ السياسات المالية الرشيدة للحد من استغلال الموارد وتعزيز
الاستقرار السياسي.
وشدد الطرفان على أن حماية الثروات الوطنية
من الاستغلال غير الشفاف تعد شرطًا أساسيًا لإنجاح العملية الانتقالية وتحقيق
التنمية المستدامة، مع التأكيد على ضرورة احترام القوانين الدستورية وتكامل الجهود
بين مختلف المؤسسات الحكومية.
وتؤكد خطوة حكومة الوحدة الوطنية الأخيرة أن
مسار المنفي يشكل مرجعية أساسية لإعادة تنظيم إدارة النفط ضمن قواعد دستورية
وقانونية، بما يضمن الشفافية والمساءلة والاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
ويستمد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي،
سلطاته وصلاحياته من اتفاق الصخيرات لعام 2015 الذي أسس المجلس كهيئة وطنية عليا
تمارس وظائف رئاسة الدولة مؤقتًا خلال المرحلة الانتقالية. وبموجب هذا الاتفاق،
يمتلك المنفي سلطة التنسيق بين مختلف المؤسسات التنفيذية والتشريعية، والمصادقة
على الاتفاقيات الدولية والعقود
الاقتصادية الكبرى بعد استشارة المؤسسات السيادية
العليا.
وتأتي هذه الصلاحيات في قلب جهوده لمكافحة
الفساد، حيث يضمن له الاتفاق الحق في التدخل لمنع أي استغلال غير شفاف للموارد
الوطنية، وفرض الرقابة على التعاقدات النفطية، وفرض إطار دستوري وقانوني يحمي
المال العام.