مضيق هرمز يُعمق خلافات الأمريكيين والأوروبيين.. ما خيارات الطرفين لرأب الصدع؟

أكدت إيران مرارا على أن الحرب هي التي تسببت بإعاقة الإبحار في هرمز - جيتي
أكدت إيران مرارا على أن الحرب هي التي تسببت بإعاقة الإبحار في هرمز - جيتي
شارك الخبر
لا زال قرار إيران إغلاق مضيق هرمز الحيوي يُشكل عقدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدول المنتجة للنفط وأخرى تستخدمه في نقل مواد الطاقة التي تحتاجها وغيرها من البضائع والسلع.

وجاء قرار إيران رداً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي شنها تحالف ترامب نتنياهو وحدهما دون حلفائهما الغربيين، وساهم رفض وتجاهل الدول الغربية الأخرى لنداء ترامب بالمشاركة عسكريا في منع إغلاق المضيق في تأجيج غضبه.

وتسمح إيران لبعض الدول بالمرور من هرمز عبر اتفاقات ثنائية بينها، أو لاعتبارات خاصة، مع استمرار حظر السفن المرتبطة بالاحتلال والولايات المتحدة من استخدام المضيق.

وهاجم ترامب بعض الدول الغربية وخص بالذكر بريطانيا وفرنسا، متهما إياها بالتقاعس خلال الحرب التي تشنها أمريكا و"إسرائيل" على إيران.

ودعا تلك الدول إلى شراء الوقود من أمريكا، قائلاً إنها تمتلك كميات كافية، كما حثها على "التحلي بشجاعة مؤجلة" والتوجه إلى مضيق هرمز للحصول على النفط بنفسها، مضيفاً أن عليها "تعلم القتال والدفاع عن نفسها".

قدرة محدودة


كما نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن مصادر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوّح بإمكانية وقف تزويد أوكرانيا بالسلاح في حال لم تنضم الدول الأوروبية إلى تحالف هرمز والذي مهمته الأساسية بتأمين الممر البحري الاستراتيجي.

ومع إصرار إيران على إغلاق المضيق ورغبة ترامب بمنع ذلك عسكريا، ومع رفض الأوروبيين المساعدة أو على الأقل ليس رفض بل عدم مد يد العون لواشنطن، تلوح في الأفق تساؤلات حول خيارات واشنطن.

الدكتورة إيما سالزبوري، زميلة أولى في معهد أبحاث السياسة الخارجية، قالت إنه "لإعادة فتح مضيق هرمز دون التفاوض مع إيران، ستحتاج الولايات المتحدة إلى حماية السفن العابرة من الهجمات الإيرانية (الطائرات المسيّرة والصواريخ) ومن الألغام البحرية".

وأوضحت سالزبوري لـ"عربي21"، "أن ذلك يتطلب في البداية عمليات كاسحات الألغام لضمان إزالة أي ألغام تم زرعها، تليها مرافقة السفن الحربية الأمريكية لِقوافل السفن عبر المضيق لتوفير الغطاء للدفاع الجوي".

واستدركت بالقول، "إلا أن قدرة الولايات المتحدة على القيام بذلك محدودة بناء على مدى توفر السفن".

وأضافت، "أما بالنسبة لمهمة مسح الألغام فإن البحرية الأمريكية تُعاني من نقص حاد في التجهيزات، إذ خفضت قدراتها في مجال مكافحة الألغام بشكل كبير على مدى العقود القليلة الماضية، ومن المستبعد للغاية أن تتمكن أمريكا بمفردها من مسح المضيق بنجاح بحثًا عن الألغام".

وأكدت سالزبوري أن "مرافقة القوافل تتطلب توافر سفن حربية مزودة بقدرات دفاع جوي، كما أن إعادة أي حركة مرور قريبة من الوضع الطبيعي قبل الحرب يتطلب أعدادًا كبيرة من السفن الحربية لفترة غير محددة".

وقالت إنه "من المشكوك فيه ما إذا كانت البحرية الأمريكية تمتلك هذه الوفرة من السفن، لا سيما أنها تعمل حاليًا في مسارح عمليات أخرى".

نقص السفن العسكرية يقلل خيارات واشنطن


معهد واشنطن قال في تقرير أعده مايكل آيزنشتات وأساف أوريون، إن للولايات المتحدة تجربة سابقة فيما يخص فتح وحماية مضيق هرمز، حيث نظمت في عامي 1987-1988، مع اقتراب نهاية الحرب العراقية الإيرانية، عملية "الإرادة الجادة"، وهي عملية لحماية قوافل النفط الكويتية.

إلا أن التقرير قال إن الوضع حاليا يختلف عما كان عليه في ذلك الوقت، حيث كانت البحرية الأمريكية لديها 250 سفينة حربية سطحية، شاركت 30 منها في عملية "الإرادة الجادة".
لكن الآن فإن قوة مهام بهذا الحجم ستشكل ما يقرب من ثلث الأسطول الأمريكي، الذي تقلص إلى حوالي 100 سفينة حربية سطحية رئيسية.

اظهار أخبار متعلقة



ووفقا للتقرير من المرجح أن هذا ليس التزامًا مستدامًا. كما تفتقر البحرية الأمريكية إلى معدات حيوية؛ إذ لا تملك القيادة المركزية الأمريكية حاليًا سوى سفينة قتالية ساحلية واحدة مزودة بحزمة مهام مكافحة الألغام منتشرة في المنطقة.

تصريحات ترامب توتر العلاقة الأمريكية الأوروبية


ولكن على الرغم من حرص واشنطن على عدم إغلاق المضيق، فإنها نظريا أقل تضررا من إغلاقه من الأوروبيين، حيث قد يؤدي ذلك  إلى حدوث أزمة طاقة في أوروبا.

خاصة أن دول الاتحاد الأوروبي قاطعت ولو بشكل متفاوت إمدادات الطاقة الروسية، لذا هي تعتمد حاليا لسد معظم احتياجاتها على نفط وغاز الشرق الأوسط.

ورغم سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفع حلفائه الأوروبيين لمساعدة واشنطن عسكريا في منع إغلاق المضيق إلا أنه لم يتلق رد إيجابي منهم، ما دفعه لمهاجمة هذه الدول.

حيث طالب المملكة المتحدة بالتوجه إلى مضيق هرمز و"السيطرة عليه"، وقال إن على الدول "أن تبدأ بتعلم كيفية الدفاع عن نفسها".

وقال "ستضطرون إلى تعلم كيفية الدفاع عن أنفسكم، فالولايات المتحدة لن تكون موجودة لمساعدتكم بعد الآن، تمامًا كما لم تكونوا موجودين للمساعدة. لقد تم تدمير إيران، بشكل أساسي. انتهى الجزء الأصعب. اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم".

بالمقابل ردت المملكة المتحدة بعقد اجتماع ضم 40 دولة لمناقشة اتخاذ إجراءات مشتركة بهدف إعادة فتح مضيق هرمز، وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر والتي ترأست الاجتماع، إن "تهور" إيران في إغلاق المضيق "يضرب أمن اقتصادنا العالمي".

وأضافت كوبر في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام قبل عقد باقي الاجتماع دون تغطية إعلامية " شهدنا إيران وهي تختطف ممرا للملاحة الدولية لتتخذ الاقتصاد العالمي رهينة".

وقال مسؤولون أوروبيون إن الاجتماع الأولي الذي عُقد الخميس ركز على الدول المستعدة للمشاركة في التحالف المقترح، والخيارات الدبلوماسية والاقتصادية المتاحة لإقناع إيران بفتح المضيق.

وعلى الرغم من انتهاء الاجتماع دون التوصل إلى اتفاقات محددة، أوضح مسؤول أنه شهد إجماعا بضرورة منع إيران من فرض رسوم عبور على السفن التي تستخدم الممر المائي، وأن تتمكن جميع الدول من استخدامه بحرية، وفقًا لأحد المسؤولين.

وقالت وكالة رويترز في خبراً لها إن الولايات المتحدة لم تشارك في هذا الاجتماع، والذي عُقد بعد تصريحات ترامب الغاضبة ضد الدول الأوروبية وعلى رأسها المملكة المتحدة راعية هذا الاجتماع.

إيان بوند نائب مدير مركز الإصلاح الأوروبي قال، "أفترض أن ترامب، بعد تصريحه بأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى النفط من مضيق هرمز، لم يُرد أن يُلمّح إلى أنها ستتدخل في أي جهود لإعادة فتح المضيق، لذا لم يكن لواشنطن ممثل في الاجتماع".

 وقال بوند لـ"عربي21"، "إن علاقات أمريكا مع أوروبا متوترة للغاية في الوقت الحاضر - لأن ترامب بدأ الحرب دون أي تشاور مع حلفائه الأوروبيين (أو الآسيويين)؛ ولأن إغلاق مضيق هرمز وتأثيره الاقتصادي كان متوقعًا تمامًا، لكن يبدو أنه لم يتوقعه؛ ولأنه أهان مرارًا وتكرارًا القادة الأوروبيين بسبب إحباطه من عدم انضمامهم إلى حربه".

اظهار أخبار متعلقة




وفي ظل التوتر الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، يبقى السؤال الأهم ما إمكانية جلوسهم على طاولة الحوار لحل خلافاتهما فيما يتعلق بقضية غلق المضيق، وما تأثير هذا التوتر على علاقات الطرفين؟

إيان بوند قال إنه "لا شك أن هناك فرصًا ستتاح للأوروبيين والأمريكيين للالتقاء، في اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو مجموعة السبع، على سبيل المثال. إلا أن ترامب قد ألحق ضررًا بالغًا بالعلاقات عبر الأطلسي".

 وأوضح أنه "كلما طال أمد إغلاق مضيق هرمز، وازدادت معاناة أوروبا من الآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار النفط والأسمدة وغيرها من السلع، ازداد العداء للولايات المتحدة".

وأكد أن "الحكومات الأوروبية ستسعى جاهدةً للحفاظ على تهدئة الوضع مع واشنطن قدر الإمكان، فهي تدرك أن تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تدهور الأمن الأوروبي، على سبيل المثال، إذا قطع ترامب جميع أشكال المساعدة عن أوكرانيا، أو إذا أعلن أنه لن يدافع عن أي دولة عضو في الناتو تتعرض لهجوم.

 وتابع، "لكن ثقة الشعب الأمريكي تتهاوى، وستجد الحكومات الأوروبية صعوبة سياسية في الاستمرار على النهج المعتاد، مثال على ذلك: تواجه الحكومة البريطانية انتقادات بسبب زيارة الدولة التي سيقوم بها الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا الشهر، بعد أسابيع فقط من إهانة دونالد ترامب للقوات المسلحة البريطانية ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ويرى بعض المعلقين وسياسيين المعارضة في ذلك إهانة للملك وللمملكة المتحدة ككل".

وحول الخيارات الأوروبية، "لا يرى بوند أي خيار عسكري أمام الدول التي اجتمعت الخميس لإعادة فتح مضيق هرمز. لذا، سيتعين عليها الاعتماد على الدبلوماسية، وسيكون من الصعب ممارسة الدبلوماسية مع إيران في خضم حرب".

وإضاف، "ورغم قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة عن واشنطن، إلا أنها لا تستطيع إجبار ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على فعل ما تريد".

اظهار أخبار متعلقة




وخلص بالقول، "بالتالي، فإن أي اتفاق قد تتوصل إليه مع طهران للسماح باستئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، كليًا أو جزئيًا، سيكون عرضة للانهيار السريع إذا واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل العمل العسكري ضد إيران".

من جهتها قالت الدكتورة إيما سالزبوري، "إن ترامب يُهدد حلف الناتو منذ أكثر من عام، وقد أثار تهديده بضم غرينلاند قلقًا بالغًا لدى حلفاء الناتو الآخرين، لكن لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب من الناتو، لكن على الحلفاء الآخرين التفكير جديًا في وضع خطط طوارئ للدفاع عن أنفسهم دون دعم أمريكي".

 وأوضحت أن "أي تقويض للناتو يُعد مكسبًا لبوتين، لذا يتعين على حلفاء الناتو الأوروبيين، على وجه الخصوص، تعزيز قوتهم والحفاظ على قدرتهم على الردع ضد أي توغل روسي محتمل في دول الناتو الأعضاء في أوروبا الشرقية".

وترى سالزبوري أنه "سواء نفّذ ترامب تهديده بالانسحاب من الناتو أم لا، فقد ألحقت هذه الإدارة ضررًا بالغًا بتحالفاته، ليس فقط الناتو، بل في جميع أنحاء العالم. حتى بعد مغادرة ترامب منصبه، ستستغرق العلاقات والثقة وقتًا لإعادة بنائها".

التعليقات (0)