على الرغم من أن المباحثات الأخيرة بين الجانبين
الإيراني والأمريكي، لم تسفر عن أي شيء ملموس، إلا أن سياسيين وإعلاميين كانوا يصرون على التحدث بأمل، والتأكيد على أنه ما يزال هناك متسع لاحتواء الأزمة. هذا التفاؤل لم يكن ليصمد كثيرا أمام الواقع، الذي كان يخبرنا أنه، بالنسبة للجانب الأمريكي/الإسرائيلي، فقد كان من الصعب تمرير أي اتفاق لا يشمل التنازل عن المشروع النووي، ولا الموافقة على تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية.
ترامب بدوره لم يكن يخفي نواياه، ورغبته في تحويل إيران لدولة منزوعة القوة ومنفصلة عن شبكة الأذرع والميليشيات، التي تهدد أمن المنطقة، مهما كانت تكلفة هذا الهدف. لكل هذا فقد كانت الحرب الوشيكة هي الفرضية الأقرب للتحقق، لكن السؤال، الذي كان يشغل مراكز البحث والتحليل العالمية خلال الأسابيع الماضية، والذي ما يزال مطروحاً اليوم، بعدما اندلعت المواجهة بالفعل، هو عما إذا كانت الضربات المحتملة سوف تؤدي إلى الوصول إلى ما يريده الأمريكيون، أو ما إذا كانت على العكس ستزيد الواقع تعقيداً.
طبيعة النظام الدولي الحالي، الذي تتفكك فيه التحالفات الإقليمية وتزداد فيه هيمنة الإرادة الأمريكية الترامبية بشكل مفترس، تجعل كثيرين مؤمنين بأنه لا جدوى من تحدي الأمريكيين
ما قام به الأمريكيون في كاراكاس من اختطاف للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان حاضراً في ذهن المحللين. هذه العملية، التي نجحت في شل النظام الفنزويلي، كانت تفرز تساؤلات، حول ما إذا كان بالإمكان تكرارها في طهران، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين البلدين. المعترضون على هذه الخطوة كانوا يرون أن مكانة المرشد الروحية وطبيعة النظام الإيراني، الذي يحظى فيه علي خامنئي بمكانة خاصة، لكن من دون أن يعني غيابه زوال النظام، كانت تجعل العمل على تكرار العملية الفنزويلية، غير مضمون النتائج.
في الحالة الفنزويلية كان تغييب مادورو يعني بشكل ما إنهاء نظامه، فعلى الرغم من أن ديلسي رودريغز الرئيسة بالوكالة، هي ابنة النظام القديم، التي كانت مقربة من مادورو، إلا أن بإمكان المرء أن يشعر بما حدث من اختلاف وتغيير بين العهدين. إلى جانب فتح أبواب الاستثمار، خاصة في مجال النفط، بالنسبة للأمريكيين، فإن رودريغز، التي بادرت لإطلاق سراح مئات المعتقلين السياسيين، بالتزامن مع إظهار النأي عن الحليف السابق، كوبا، بدأت تظهر انتقاداً لما كان عليه الحال في السابق مع وعود بفنزويلا أكثر حرية وديمقراطية. كان كل هذا يعني أن العملية قد حققت أهدافها، حتى إن لم يتم تغيير النظام بشكل انقلاب تقليدي كامل.
في إيران باركت واشنطن عملية اغتيال علي خامنئي، التي حتى إن لم تؤد لإسقاط النظام، فإنها كانت، وفق النظرة الأمريكية، خطوة في سبيل إضعافه وتليين مواقفه، كما كان الأمر في المثال الفنزويلي. دول الإقليم كانت تستشعر خطورة الموقف، ما جعل عواصمها تنشط خلال الأيام الأخيرة، التي سبقت الحرب، ضمن جهود الوساطة بين الجانبين.
كانت تلك الدول تعلم أنها أمام خيارين خطرين: خيار الضربات الأمريكية المحدودة الفاعلة والمؤلمة، لكن التي قد تدفع النظام الإيراني في الوقت ذاته للرد عبر استهداف مناطق ومصالح حيوية في الجوار، أو الضربات الشاملة، التي سوف تنقل المنطقة لحالة أشبه «بحرب
الخليج الثالثة»، التي يصعب فيها تخمين ما ستؤول إليه الأحداث. الخطورة، التي كان يدركها عقلاء المنطقة، هي أنه، وفي كلا الحالتين، فإن أحداً لا يعلم كيف ستكون طبيعة الردود الإيرانية، خاصة في حال شعر النظام، الذي يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة، بأن الأمور بدأت تفلت من بين يديه.
أثبتت أحداث الأيام الماضية أن لهذا القلق ما يبرره، حيث قامت إيران باستهداف عشوائي وغير مبرر لمواقع كثيرة في دول خليجية، على الرغم من أن هذه الدول لم تكن طرفاً في العدوان عليها، بل عمل بعضها، كما هو الحال بالنسبة لدولة قطر مثلاً، على محاولة رأب الصدع وتجنب انزلاق الأمور نحو المواجهة. في داخل الولايات المتحدة كان كثير من الخبراء يميلون للقول، إن مواجهة مع إيران قد تؤثر بشكل سلبي على الأمن والاستقرار في المنطقة، المهمة للولايات المتحدة، أكثر مما تؤثر على النظام الإيراني المستهدف، فيكفي عند هؤلاء التفكير في تداعيات آثار متوقعة من قبيل إغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، وتأثير ذلك على الأسواق العالمية وأسعار النفط. استطاعت هذه الآراء أن تنجح في تأخير التحرك الأمريكي لبعض الوقت، لكن ترامب، الذي لا يحب الظهور بمظهر المتراجع، والذي استطاع تأمين مخزون مناسب من النفط بعد عملية كاراكاس، كان يتابع في الوقت ذاته زيادة الحشود العسكرية قرب الحدود الإيرانية في رسالة مفادها أن كل الخيارات ما تزال على الطاولة.
الإيرانيون أيضاً لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بل بدؤوا، بالتزامن مع انخراطهم في التفاوض، بدراسة كل السيناريوهات الممكنة وصولاً لعقد مناورات عسكرية منها ما يحاكي إغلاق مضيق هرمز. طهران لم تتوقف عن التلميح بامتلاك القدرة على إغراق السفن الحربية وحاملة الطائرات الأمريكية، إذا ما تعرضت لهجوم. كانت هذه الثقة تثير الشكوك وتدفع للتساؤل حول ما إذا كان الإيرانيون قد طوروا بالفعل أسلحة نوعية جديدة مثل القنابل أو الذخائر الذكية المخترقة للتحصينات.
في تفسير هذه الأحداث يمكن القول إننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ»لحظة هيروشيما»، على عكس ما يظن الناس، فإن الرئيس الأمريكي ترومان لم يلجأ آنذاك لخيار إلقاء القنبلة الذرية على اليابان، لأن الأخيرة كانت متعنتة أو رافضة بشكل نهائي للتفاوض، بل لأنه أراد أن يخبر الجميع أن العالم بات بصدد مرحلة جديدة. هذه بالضبط الرسالة، التي يريد ترامب أن يرسلها، ليس فقط للنظام الإيراني، وإنما لجميع دول العالم، التي يجب، وفق هذا المنطق أن تتقي غضب أمريكا حتى لا تواجه مصير أعدائها. المؤسف هو أن طبيعة النظام الدولي الحالي، الذي تتفكك فيه التحالفات الإقليمية وتزداد فيه هيمنة الإرادة الأمريكية الترامبية بشكل مفترس، تعزز هذه الفكرة، وتجعل كثيرين مؤمنين بأنه لا جدوى من تحدي الأمريكيين.
استعرت هنا تعبير «الهيمنة المفترسة»، الذي استخدمه المنظر الأمريكي البارز ستيفان والت في مقالة نشرها قبل أسبوعين في مجلة «فورين أفيرز». يقول والت، إن ترامب في فترته الرئاسية الثانية كان يتبع هذه الاستراتيجية، التي تهدف لاستغلال الموقع المميز للولايات المتحدة من أجل الضغط على الأطراف الأخرى، الحلفاء والخصوم على السواء، وذلك لدفعهم إلى الخضوع وإلى تقديم تنازلات. المخيف في ما سميناه مقاربة هيروشيما هو أن الأمريكيين استخدموا في ذلك الوقت أقصى ما يملكون من قوة، القنبلة النووية، من أجل إجبار اليابان على الاستسلام.
لم يحقق استخدام القنبلة انتصاراً سريعا فحسب، وإنما تسبب في كارثة إنسانية وبيئية وفي موت مئات الآلاف من سكان المدينتين هيروشيما وناجازاكي، سواء في لحظة القصف أو بسبب التعرض اللاحق للإشعاعات. منح ذلك الهجوم، على ما كان فيه من عنف، الولايات المتحدة مكانتها الدولية، التي كسبتها عبر تفسير ما يعنيه امتلاك سلاح نووي. اليوم ربما يريد ترامب تكرار المشهد بعنف غير مسبوق مماثل من أجل تذكير العالم بالقوة الأمريكية التي لا تضاهى. لهذا التذكير أهمية ورسالة تتجاوز إيران وصولاً لبريد أصوات ناقمة ومعترضة على تلك «الهيمنة المفترسة» في أكثر من مكان.
(
القدس العربي)