المجر: هزيمة أخرى لدونالد ترامب

مدى الفاتح
جيتي
جيتي
شارك الخبر
في السابع من هذا الشهر، وبينما كان العالم يحبس أنفاسه بعد اقتراب انتهاء المهلة، التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي توعد بعدها بمحو إيران وإعادتها للعصر الحجري، إن لم يتم التوصل لاتفاق، كان نائبه جي دي فانس يقوم بزيارة مهمة إلى المجر. الزيارة تزامنت مع الاستعدادات، التي كانت تجري لعقد الانتخابات التشريعية، التي كانت الولايات المتحدة تدعم فيها بشكل واضح رئيس الوزراء اليميني فيكتور أوربان.

ترامب كان قد سبق هذه الزيارة بتأكيد دعمه، من خلال ابتعاث وزير خارجيته ماركو روبيو، وأيضا من خلال تسجيل خاص بالفيديو وصف فيه أوربان بأنه «زعيم قوي أظهر للعالم ما هو ممكن عندما تدافع عن حدودك وثقافتك وتراثك وسيادتك وقيمك».

فانس، الذي عرف بانتقاده للحكومات الأوروبية الليبرالية، لأنها تسمح بإلغاء الهوية والخصوصية، عبر استقبالها لأعداد من اللاجئين وسماحها بتعدد الثقافات، كان أيضا من مناصري أوربان. أوربان، الذي يحكم البلاد منذ 16 عاما، والذي كان يطمح للفوز بفترة حكم خامسة، لم يكن يتمتع بعلاقة طيبة فقط مع الرئيس الأمريكي، ولكنه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضا. بوتين كان يراهن عليه كحليف مهم قادر على كسر حالة العداء والتوتر، التي تشهدها العلاقات الروسية الأوروبية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

هذه العلاقة المتشابكة مع اليمين، ومع أنظمة تنظر إليها أوروبا بتشكك، كانت تدفع المسؤولين الأوروبيين للتكتل ضده وتمني خسارته، لأنه يلعب في نظر كثير منهم دور المعرقل للمشاريع الأوروبية، ولجهود التنسيق المختلفة، التي يرعاها الاتحاد. في الواقع فإن أوربان، وعلى الرغم من أنه لم يكن يريد إخراج بلاده من هذا النادي الأوروبي، إلا أنه لم يكن يظهر أي احترام لمؤسسة الاتحاد، بل كان يرفض بشكل صريح كثيرا من سياساتها، خاصة تلك المتعلقة بتشريعات الهجرة واللجوء.

بسبب أهميتها لروسيا ولأوروبا وللولايات المتحدة، فقد شهدت الانتخابات تبادل الاتهامات بالتدخل الخارجي، فبينما اتُهم أوربان بتلقي مساعدات روسية وبمنح روسيا فرصة التلاعب بالرأي العام وبالناخبين، من خلال حملات مكثفة عبر الإنترنت، كان المقربون من أوربان يتهمون الدول الأوروبية بقيادة حملات مضللة لتشويه صورة مرشحهم. في داخل الولايات المتحدة وبالنسبة لمجموعة «ماغا»، كان أوربان رمزا لنجاح المحافظين، الذين يجمعون بين الأفكار القومية والدين المسيحي، وقيم الأسرة في بيئة معادية لذلك كله. كان ذلك ملهما، وكانت الخطب اليمينية تقول إنه، ومثلما انتصر أوربان في أوروبا، التي تسيطر عليها الأفكار اليسارية والليبرالية، واستطاع أن يعيد إنتاج السرديات القومية والتراثية، فإن الجمهوريين القوميين الأمريكيين يمكنهم الانتصار على أعدائهم الديمقراطيين، الذين ينظر كثير من أنصار ترامب إليهم كخونة تساهم سياساتهم في تخريب البلاد.

اليمين الأمريكي كان معجبا بأوربان لسبب آخر، وهو أنه نجح في الجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وفق نموذج فريد نجح بواسطته في استغلال اللعبة الديمقراطية للبقاء في السلطة. يطلق الأكاديمي لوكان واي على هذا النموذج اسم «الاستبداد التنافسي»، أي المزج بين الدعوة للانتخابات وضمان فوز الحزب الحاكم.

في الحقيقة فإن أوربان قد قام بالفعل بتحقيق ما تحلم به كل الجماعات اليمينية، أي البقاء لأطول مدى في السلطة. ترامب، الذي لا يبدو راغبا في التنحي الهادئ، لم يخف امتلاكه لهذه الرغبة في التشبث بالحكم، لدرجة أن البعض ناقشوا فرضية انزلاق البلاد لحرب أهلية عقب نهاية فترة حكمه.

للوصول لهذا الاستبداد التنافسي، كان على أوربان أن يسيطر على المجال العام وعلى القضاء والإعلام، بل على النظام الانتخابي نفسه، بما يجعل كل تصويت محسوما لصالحه. حاول ترامب خلال عامه الأول أن يكون نسخة ثانية من أوربان، وأن يستطيع مثله أن يعدل قانون الانتخاب، وأن يفرض خطابا قوميا بما يجعل الإعلام وغيره من المؤسسات العامة خاضعين لأفكاره، لكن الأمور لم تمض على النحو الذي أراده للاختلاف الكبير بين البلدين. من ناحية كان يصعب فرض الرؤية، التي تقول إن الولايات المتحدة هي أرض القومية البيضاء المسيحية، ومن ناحية أخرى كان يصعب اختراق استقلالية القضاء والإعلام، أو حتى كسب رجال المال عن طريق التسهيلات، أو الترهيب كما كان يفعل أوربان.
اليمين الأمريكي كان معجبا بأوربان لأنه نجح في الجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وفق نموذج فريد نجح بواسطته في استغلال اللعبة الديمقراطية للبقاء في السلطة

انتخابات المجر، التي أعلنت نتائجها مساء الأحد 12 إبريل/ نيسان، والتي أسفرت عن هزيمة أوربان وتفوق منافسه بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسا»، كانت مهمة، ليس فقط للرئيس المجري، وإنما أيضا للأمريكيين وللرئيس ترامب، الذي كان أوربان هو أحد الزعماء المقربين إليه. في هذه الانتخابات وصل «الاستبداد التنافسي» إلى منتهاه ولم يعد لدى النظام، على ما فيه من خروق، القدرة على دعم الزعيم المخضرم. بالمقابل فإن ماغيار، الذي انشق في 2024 عن حزب أوربان بسبب ما قال إنه ولوغ للحزب في الفساد، كان منافسا قويا وصاحب شخصية كاريزمية. وسائل إعلام أوروبية عديدة كانت تذهب منذ أسابيع إلى إنه صاحب الفرصة الأعظم في الفوز. حمل الحزب المعارض الجديد بعض الأمل لرافضي سياسات أوربان، في حين استغل داعموه حالة السخط العامة من تدهور الأوضاع من أجل أن يجمعوا حولهم جماعات من اتجاهات مختلفة، بمن فيهم اليساريون.

ربما لا يكون ماغيار بعيدا جدا عن أفكار اليمين، لكنه، وربما حرصا منه على وحدة صف أتباعه، كان يحاول أن ينأى بنفسه عن الدعاية الأيديولوجية بالتركيز على القضايا العامة، التي تشغل الناس، مثل الخدمات والنظام الصحي ومحاربة الفساد.

المجر بقيادة أوربان كانت إحدى نقاط الاختلاف في وجهات النظر بين الداعمين الأمريكيين بقيادة ترامب والقيادات الأوروبية، التي أوقفت منذ وقت تقديم المساعدات لبودابست، لأنها كانت ترى أن نظام أوربان أساء استخدام تلك الأموال ولم يوجّهها لمصارفها المطلوبة. في الوقت، الذي كان فيه ترامب يكيل المدح لأوربان، معبرا عن الإعجاب به كزعيم قوي، كانت وجهة نظر الأوروبيين هي أن النظام، الذي يقوده «مستبد المجر»، والذي قنن للفساد والرشاوى والارتباط غير الصحي بين رجال المال والسياسة، لن يستطيع أن يصمد أكثر. كان الإعلام الأوروبي يركز على الأزمة الاقتصادية وعلى حقيقة أن البلاد توقفت عن النمو، فصارت تقدم أداء اقتصاديا أسوأ بكثير من جميع جيرانها. السخرية من أوربان وصلت حد قول مجلة «إيكونومست» قبيل الانتخابا، إنه لم يبق هناك مال في خزائن الرجل لتقديم رشاوى جديدة.

بالنسبة لليبراليين الغربيين فإن أوربان يعد نموذجا لفشل مشروع اليمين القومي المرتبط بالاستبداد والفساد، والذي جعل دولة مثل المجر تحصل على نفط وغاز رخيص وعلى استثمارات مفتوحة بفضل علاقتها المميزة بكل من روسيا والصين، تصاب بالعجز والتراجع، وتحتاج إلى أن تحصل على مساعدة مالية من أجل ضمان الاستقرار.

أما الإحباط الأكبر فكان من نصيب ترامب، حيث قدمت له هذه الأحداث درسا جديدا قاسيا مفاده، أن رغباته ودعمه لا يشكلان دائما العلامة الفارقة النهائية لكل حدث، وأن مخططاته قد تتعرض للهزيمة. حدث هذا في الملف الإيراني، الذي جاءت تداعياته وتأثيراته بخلاف ما يشتهي ترامب ويتصور، بل أدخلت الرغبة في الحسم السريع رئيس الدولة الأكبر في سلسلة من التعقيدات، التي كانت بلاده في غنى عنها.

القدس العربي


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل