ليست
العلاقة بين السلطة
المدنية والمؤسسة
العسكرية مسألة إجرائية يمكن حسمها بقرار
سياسي عابر، ولا هي معركة صفرية تُدار بمنطق الغلبة، وليست ملفا إداريا عابرا، ولا
قضية يمكن حسمها بخطاب سياسي حاد أو قرار دستوري منفرد، إنها في جوهرها مسألة
تأسيس طويل لمفهوم الدولة ذاتها: من يملك القرار السيادي؟ وكيف تُمارس القوة؟ ومن
يراقب أدواتها؟
التجارب
الدولية تشير بوضوح إلى أن الدول التي نجحت في تنظيم هذه العلاقة لم تفعل ذلك عبر
الصدام، بل عبر الزمن؛ عبر بناء تقاليد دستورية، وترسيخ أعراف سياسية، وتطوير
احترافية عسكرية منضبطة بإطار الدولة.
التجربة
المقارنة تشير إلى قاعدة تكاد تكون عامة: الدول التي نجحت في ضبط العلاقة المدنية-
العسكرية لم تفعل ذلك عبر المواجهة المباشرة مع
الجيش، بل عبر بناء تدريجي لمؤسسات
الدولة، وترسيخ أعراف دستورية، وتطوير احتراف عسكري يجعل الحياد السياسي جزءا من
الهوية المهنية.
ضبط العلاقة المدنية- العسكرية ليس مشروعا أيديولوجيا، بل مشروع دولة. إنه انتقال من "الشرعية الثورية" أو "الشرعية الأمنية" إلى "الشرعية الدستورية"
منذ منتصف
القرن العشرين، انشغل علماء السياسة بسؤال: كيف تُضبط العلاقة بين المدنيين
والعسكر بحيث تبقى المؤسسة العسكرية قوية وفاعلة، دون أن تتحول إلى فاعل سياسي
مهيمن؟
فقدّم صمويل
هنتنغتون في كتابه "الجندي والدولة" مفهوم الضبط الموضوع (Objective Control)، ومفاده أن أفضل وسيلة
لإبعاد الجيش عن السياسة ليست إضعافه، بل احترافه؛ أي تكريس عقيدته المهنية في
حماية الدولة لا في إدارة الحكم، بمعنى أنه يقوم على منح المؤسسة العسكرية استقلالا
مهنيا في شؤونها التقنية، مقابل التزامها الصارم بالخضوع للقرار السياسي المنتخب..
في المقابل، شدّد موريس جانويتز في كتابه "الجندي المحترف" على الاندماج
التدريجي للمؤسسة العسكرية داخل المجتمع الديمقراطي، بحيث تصبح الثقافة المدنية
جزءا من تكوينها المؤسسي لأنها لا يمكن عزلها بالكامل عن المجتمع، بل تتطور كجزء
من بنيته، ما يقتضي إدماج القيم المدنية داخلها تدريجيا. فالاحتراف وحده لا يكفي،
بل يجب أن تتشكل لديها ثقافة مؤسسية ترى في الحياد السياسي فضيلة لا تنازلا.
هذان
الطرحان -رغم اختلاف زاوية النظر- يلتقيان في نقطة مركزية: التحول مسار زمني
تراكمي، لا قرارا ثوريا. والنقطة
الجوهرية في الطرحين معا أن التحول لا يحدث بالتصادم، بل بالتدرج. فالدساتير
تُختبر عبر الزمن، والمؤسسات تترسخ بالممارسة، والجيش نفسه يعيد تعريف دوره ضمن
تطور الدولة. فالتجارب المقارنة -في أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا- تكشف أن
الصدام المباشر غالبا ما يؤدي إلى ارتداد عكسي، بينما يفضي التراكم المؤسسي إلى
إعادة توزيع هادئة ومتوازنة للأدوار. فضبط العلاقة المدنية- العسكرية ليس مشروعا
أيديولوجيا، بل مشروع دولة. إنه انتقال من "الشرعية الثورية" أو "الشرعية
الأمنية" إلى "الشرعية الدستورية". وهذا الانتقال لا يُفرض بقرار
فوقي، بل يُبنى بثلاثة مسارات متوازية:
1. ترسيخ الرقابة البرلمانية الفعلية على السياسات الدفاعية.
2. تعزيز الشفافية في الموازنات العسكرية دون المساس بالأمن القومي.
3. ترسيخ ثقافة احتراف عسكري تعتبر الحياد السياسي جزءا من الشرف
المهني.
العلاقة
المدنية-العسكرية: كيف تبني الدول توازنها عبر الزمن لا عبر الصدام؟
الصدام
كاختزال خطر
التجارب
التي اختارت مسار الصدام غالبا ما دفعت أثمانا مضاعفة، فعندما تُدار العلاقة بمنطق
كسر الإرادات، يصبح الجيش فاعلا سياسيا بحكم الضرورة، حتى لو كان الهدف تقليص دوره.
الصدام يُنتج استقطابا، والاستقطاب يُنتج تسييسا متبادلا. أما الدول التي بنت
توازنا مستقرا -في أوروبا الغربية أو بعض دول شرق آسيا- فقد فعلت ذلك عبر ثلاثة
مسارات متوازية:
1. دسترة واضحة للسلطة المدنية، بحيث لا تكون الرقابة على المؤسسة
العسكرية إجراء استثنائيا، بل جزءا طبيعيا من النظام.
2. احتراف عسكري عميق، يجعل الولاء للدستور لا للحكومة، وللدولة لا
للنظام.
المؤسسة العسكرية ليست حزبا سياسيا يمكن حلّه أو دمجه، بل جهازا سياديا يحتكر أدوات القوة، وأي انتقال غير محسوب قد يهدد الاستقرار ذاته وقد يؤثر في تماسك الدولة، لذلك فإن بناء الثقة بين المدني والعسكري شرط لازم
3. تدرج في إعادة توزيع الأدوار، فلا تُسحب ملفات حساسة دفعة واحدة،
بل تُنقل تدريجيا إلى مؤسسات مدنية مؤهلة..
ما الذي
يجعل التدرج أنجح؟
لأن
المؤسسة العسكرية ليست حزبا سياسيا يمكن حلّه أو دمجه، بل جهازا سياديا يحتكر
أدوات القوة، وأي انتقال غير محسوب قد يهدد الاستقرار ذاته وقد يؤثر في تماسك
الدولة، لذلك فإن بناء الثقة بين المدني والعسكري شرط لازم قبل إعادة رسم الحدود
بينهما. الزمن هنا ليس عامل تأجيل بل أداة إصلاح، فكل دورة انتخابية مستقرة، وكل
موازنة دفاع تُناقش برلمانيا، وكل أزمة تُدار بقرار مدني نهائي، تترسخ معها قاعدة
جديدة.
بين
الشرعية الأمنية والشرعية الدستورية
كثير من
الدول الخارجة من أزمات أو صراعات تعيش مرحلة تُسمّى "الشرعية الأمنية"،
حيث يُنظر إلى الجيش بوصفه الضامن الأخير للاستقرار. الانتقال إلى "الشرعية
الدستورية" يتطلب نقل هذا الضمان من الأشخاص والمؤسسات إلى النصوص والإجراءات؛
إذ ليس الهدف إضعاف الجيش، بل إعادة تعريف دوره، فالدولة الحديثة لا تستقر إلا حين
تكون أدوات القوة خاضعة لرقابة مدنية مؤسسية، لا لمعادلات قوة ظرفية.
ضبط
العلاقة المدنية-العسكرية ليس معركة سياسية، بل مشروع بناء دولة. والصدام قد يحقق
انتصارا مؤقتا، لكنه لا يبني توازنا دائما، أما التراكم المؤسسي، فيحوّل الحياد
العسكري من خيار تكتيكي إلى ثقافة راسخة.
في
النهاية، ليست المسألة من يحكم، بل كيف يُحكم؛ الدولة التي تنجح في بناء توازن
مستقر بين المدني والعسكري لا تنتصر فيها فئة على أخرى، بل تنتصر فيها فكرة الدولة.