جزيرة الوراق تعود للاشتعال بثاني أيام رمضان.. توقيف وإفراج يعيدان ملف التهجير للواجهة

توتر متجدد في جزيرة الوراق.. إفراج سريع عن موقوف بعد احتجاجات شعبية - الأناضول
توتر متجدد في جزيرة الوراق.. إفراج سريع عن موقوف بعد احتجاجات شعبية - الأناضول
شارك الخبر
شهدت جزيرة الوراق، شمالي محافظة الجيزة، اشتباكات مساء الجمعة في ثاني ليالي شهر رمضان، بين عدد من الأهالي من جهة، ومجموعة من الأشخاص قالت مصادر محلية إنهم “بلطجية” برفقة قوات الشرطة من جهة أخرى، وذلك على خلفية إجراءات أمنية مشددة وقيود على حركة الدخول والخروج من الجزيرة.

وأفاد شهود عيان بأن التوتر تصاعد بعد منع عدد من السكان من مغادرة الجزيرة أو العودة إليها، ما أثار حالة من الغضب في صفوف الأهالي، الذين اعتبروا الإجراءات تضييقا عليهم تمهيدا لإجبارهم على مغادرة منازلهم.

وقال سكان إن الاشتباكات اندلعت عقب مشادات كلامية تطورت إلى تدافع ورشق بالحجارة، قبل أن تتدخل قوات الأمن لاحتواء الموقف. ولم تصدر حتى الآن حصيلة رسمية بشأن وقوع إصابات أو توقيفات على خلفية الأحداث.



توقيف وإفراج في ساعات

بدأت التطورات مساء الثلاثاء الماضي، عندما أوقفت قوات الأمن المواطن سيد القرموطي من حي وراق الحضر المجاور، بينما كان متجها إلى عيادة برفقة طفليه (خمسة وستة أعوام) للكشف عليهما، وفق مصادر من الأهالي. 

وتضيف المصادر أنه جرى اقتياده مع طفليه إلى قسم شرطة وراق الحضر، قبل أن يسمح بخروج الطفلين لاحقا مع اثنين من الأهالي، مع وعود بالإفراج عنه “لاحقا”، وهو ما لم يحدث في حينه.

انتشر الخبر سريعا داخل الجزيرة، فخرج مئات من الأهالي مساء الثلاثاء الماضي إلى محيط تمركز قوة الشرطة بالجزيرة احتجاجا على توقيفه. ويقول مصدر لموقع “مدى مصر” من “مجلس عائلات جزيرة الوراق” – وهو كيان يضم مندوبين عن عائلات الجزيرة تأسس لتنظيم جهود السكان – إن القوة المتمركزة أكدت للمحتجين أن الواقعة تمت بناء على “تعليمات عليا”، نافية صلتها المباشرة بها. 

كما أشار مصدر آخر إلى أن شخصا مجهولا تواصل مع والد القرموطي وأبلغه باعتقاله “بناء على طلب منه” بعد إغلاق هاتفه، قبل أن ينكر قسم الوراق وجوده في البداية ثم يقر به لاحقا.

مساء الأربعاء الماضي، أفرج عن القرموطي بعد لقاء ضم عشرين من الأهالي مع قيادات في جهاز الأمن الوطني بقسم الدقي للتوسط لإخلاء سبيله. 

وبحسب مصدر حضر الاجتماع، ذكر “لمدى مصر” حاول ممثلو الجهاز إقناع الأهالي بـ“التهدئة”، فيما ترى مصادر محلية أن الضغط الشعبي كان “العامل الحاسم” في صدور قرار الإفراج السريع لتجنب تصادم أوسع.



اتهامات بـ“حصار” إداري وخدمي

تأتي هذه التطورات في سياق أطول من التوتر، إذ يتهم الأهالي الدولة بإحكام حصار على الجزيرة منذ 2017، عبر حظر مرور مواد البناء لمنع تشييد مبان جديدة – بما قد يرفع قيمة التعويضات المحتملة – ووقف بعض الخدمات، وهدم مركز الشباب ومكتب البريد، ومحاولات قياس المنازل جبرا تمهيدا للحصر.

وتقول روايات محلية إن القيود على التنقل وتكثيف الوجود الأمني يُنظر إليهما كأدوات ضغط على الرافضين للبيع.

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ مخطط تطوير شامل يستهدف تحسين الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للجزيرة في قلب النيل، مع تعويض المتضررين وفقا للقانون وتوفير بدائل مناسبة. وهو ما يرفضه الأهالي٬ الذين يطالبون بالتطوير أثناء وجودهم مع عدم إخلائهم قسرا.

قرارات نزع الملكية وتوسيع نطاق المشروع

الشق القانوني للمشروع تعززه قرارات منشورة في الجريدة الرسمية. ففي 13 أيلول/ سبتمبر الماضي، صدر قرار مجلس الوزراء رقم 37 لسنة 2021 بنزع ملكية أراض على جانبي محور روض الفرج (100 متر لحرم الطريق) وأراض بمحيط الجزيرة (30 مترا لتنفيذ الكورنيش)، مع الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي اللازمة للمشروع. وأُرفق القرار بكشوف حصر تضم أسماء ملاك وخرائط لمساحات تتجاوز 170 فدانا، من دون تفاصيل محددة عن آليات التعويض.

وسبق ذلك قرار رئيس الوزراء رقم 49 لسنة 2018 بنزع ملكية أراض في النطاقين نفسيهما، وقرار رقم 20 لسنة 2018 (في عهد رئيس الوزراء الأسبق شريف إسماعيل) بتخصيص أراض من الجزيرة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لإنشاء “مجتمع عمراني جديد”. وتشير الخريطة المرفقة إلى أن التخصيص يشمل معظم أراضي الجزيرة تقريبًا، ما يضعها تحت ولاية الهيئة.

وفي تموز/ يوليو 2020 أعلنت الجزيرة “منطقة إعادة تخطيط”، بما يسمح بتعديل الاشتراطات التخطيطية والبنائية، مثل خطوط التنظيم وارتفاعات المباني. وفي شباط/ فبراير من العام نفسه، أعلن المخطط العام للتطوير بالتعاون بين الهيئة العامة للتخطيط العمراني وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

ملامح المخطط العام

وفق المخطط المعلن، خصصت 29% من الأراضي كمناطق استثمارية محيطة بالجزيرة، و3% مناطق استثمارية متميزة عند الطرفين الشمالي والجنوبي، و3% منطقة خدمات تجارية. 

أما السكن فقسم إلى ثلاثة أنماط: إسكان متميز (6%) في النصف الشمالي؛ وإسكان “بطبيعة استثمارية خاصة” مواجه للشاطئ الشرقي (3%)؛ ومناطق إعادة تخطيط وتطوير مخصصة لأهالي الجزيرة الراغبين بالبقاء (17%) في النصف الجنوبي حيث تتركز المساكن الحالية.

وتقول الحكومة إن هذه النسب تعكس توازنا بين الاستثمار وتوفير سكن بديل ملائم، بينما يرى معارضون أن نسبة 17% المخصصة لإعادة تخطيط مناطق الأهالي لا تعكس الكتلة السكنية القائمة فعليا، وأن غياب تفاصيل واضحة بشأن التعويضات يُبقي المخاوف قائمة.

اظهار أخبار متعلقة


من 2017 إلى الآن

تعود جذور النزاع إلى 16 تموز/ يوليو 2017 حين داهمت قوات من وزارة الداخلية برفقة مسؤولين من الأوقاف والري والزراعة الجزيرة لتنفيذ قرارات إزالة لنحو 700 منزل. 

وتطورت الأحداث إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل أحد الأهالي وإصابة العشرات من أفراد الشرطة. وبعدها توالت الإجراءات والقرارات، في مسار اتسم بتوترات متقطعة واحتجاجات محلية.

وفي نهاية 2020، صدرت أحكام بالسجن المشدد بين المؤبد و15 عاما وخمسة أعوام بحق أكثر من 30 من أهالي الجزيرة في قضية “أحداث جزيرة الوراق”. 

كما يواجه عشرات آخرون اتهامات تتعلق بالإرهاب والتحريض ونشر أخبار كاذبة على خلفية احتجاجات سابقة أو النشر بشأن القضية. ويرى الأهالي أن هذه القضايا زادت من مناخ الاحتقان، فيما تؤكد الدولة أن تطبيق القانون يهدف إلى حفظ الأمن العام.

بين “المصلحة العامة” وحقوق الملكية

تتمسك الحكومة بخطاب “المصلحة العامة” وتطوير الواجهة النيلية، معتبرة أن المشروع سيخلق فرصا اقتصادية ويعيد تنظيم منطقة شهدت نموا عشوائيا. ويستند هذا التوجه إلى تصريحات سابقة لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي في حزيران/ يونيو 2017 حول استرداد أراضي الدولة وإعطاء أولوية للجزر النيلية في خطط التطوير.

في المقابل، يرفع قطاع واسع من الأهالي شعار “الحق في البقاء”، مؤكدين أن منازلهم وأراضيهم ليست مجرد أصول عقارية، بل تاريخ عائلي ومجتمعي ممتد. ويطالبون بضمانات مكتوبة بشأن التعويضات العادلة، وخيارات واضحة لمن يختار البقاء داخل الجزيرة، ووقف ما يصفونه بإجراءات الضغط الإداري والخدمي.

اظهار أخبار متعلقة


ابحث عن المستفيد.. "الإمارات"

كما كشفت مواقع إلكترونية لشركتين، إحداهما إماراتية-سنغافورية، في تموز/ يوليو 2017، عن مخططات هندسية لتطوير جزيرة الوراق الواقعة في نهر النيل غرب العاصمة القاهرة، في وقت سارعت فيه الحكومة المصرية، 18 تموز/ يوليو 2017 إلى نفي إبرام أي تعاقد مع أي من الشركتين بشأن المشروع.

وأفادت صحيفتا “المصري اليوم” و“الوطن” عبر موقعيهما الإلكترونيين بأن شركتي “أر أس بي” للتخطيط المعماري – وهي شركة إماراتية-سنغافورية – و“كيوب” للاستشارات الهندسية ومقرها القاهرة، نشرتا رسومات وتصورات تخطيطية لتطوير جزيرة الوراق ضمن مشروعات عمرانية مستقبلية.

وبحسب ما ورد على الموقع الرسمي لشركة “أر أس بي”، فإن الحكومة المصرية تعاقدت معها في 31 آذار/ مارس 2013 لإعداد مخطط يستهدف تطوير الجزيرة لتكون نموذجا للتنمية الحضرية المستقبلية في القاهرة.

ويتضمن المقترح إقامة مبان ومنشآت تجارية، وجامعة، ومجمعات سكنية، فضلا عن حدائق عامة ومساحات مفتوحة، إلى جانب خطة متكاملة لتطوير البنية التحتية وتوفير وسائل نقل عام حديثة، وفق ما نشرته الشركة.

ويظل المشهد في جزيرة الوراق مفتوحا على احتمالات متعددة٬ من تفاهمات مرحلية تهدئ الأوضاع وتسرع تسويات التعويض؛ أو جولات شد وجذب كلما تقدمت أعمال التنفيذ على الأرض. وبينما تؤكد الحكومة أن التطوير مسار لا رجعة فيه، يصر الأهالي على أن أي تغيير يجب أن يراعي حقوقهم في الملكية والسكن، وأن يتم بشفافية ومشاركة حقيقية.


التعليقات (0)

خبر عاجل