الواقع المظلم خلف الصفقة التجارية "التاريخية" للهند مع ترامب

ألطاف موتي
"أثارت السرعة والغموض اللذان أحاطا بالصفقة مخاوف جدية بشأن موقف الهند التفاوضي"- جيتي
"أثارت السرعة والغموض اللذان أحاطا بالصفقة مخاوف جدية بشأن موقف الهند التفاوضي"- جيتي
شارك الخبر
ظلت أضواء مكتب رئيس الوزراء في نيودلهي متقدة حتى ساعة متأخرة من الأسبوع الماضي، لكن كانت الألعاب النارية الحقيقية قد انطلقت شرارتها من واشنطن، فجاء الاتصال الهاتفي المفاجئ بين رئيس الوزراء ناريندرا مودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليفضي إلى اتفاق تجاري سارعت بعض الأوساط الهندية للاحتفاء به كـ"ضربة معلم" دبلوماسية. بيد أن قراءة متأنية للحقائق المتاحة تكشف عن رواية مغايرة، قوامها تنازلات جسيمة، ومخاطر اقتصادية محتملة، واختلال صارخ في مبدأ المعاملة بالمثل.

سراب الأرقام

يبدو عنوان الصفقة براقا للوهلة الأولى؛ إذ ستخفض الولايات المتحدة رسومها الجمركية على المنتجات الهندية من نسبة 50 في المئة الصادمة إلى 18 في المئة. وللمراقب العادي، قد يبدو هذا بمثابة انفراجة كبرى للمصدرين الهنود، إلا أن تاريخ هذه الأرقام يروي قصة مختلفة تماما.

ففي الحقبة التي سبقت التوترات التجارية الأخيرة، لم تكن الرسوم الجمركية الأمريكية على معظم السلع الهندية تتجاوز 2 في المئة أو 3 في المئة. وفي العام الماضي، رفعت إدارة ترامب هذه المعدلات إلى 25 في المئة ضمن سياسة تجارية قائمة على "المعاملة بالمثل"، ثم أضافت 25 في المئة أخرى كإجراء عقابي بسبب استمرار الهند في شراء النفط الروسي. وبقبولها نسبة 18 في المئة، فإن الهند لا تحتفل بالعودة إلى المسار الطبيعي، بل تستسلم لـ"واقع جديد" تُفرض فيه ضرائب على سلعها تزيد بستة أضعاف عما كانت عليه قبل عامين.

لعل العنصر الأكثر إثارة للذهول في هذا الإعلان هو الالتزام بشراء منتجات بقيمة 500 مليار دولار. فقد صرح الرئيس ترامب بأن الهند ستعتمد مبدأ "شراء المنتج الأمريكي" على نطاق غير مسبوق، مع التركيز على قطاعات الطاقة، والتكنولوجيا، والزراعة

وفي المقابل، وافقت الهند -حسبما ورد- على خفض رسومها الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية إلى الصفر. وهذا يخلق خللا هيكليا دائما؛ فبينما لا تزال السلع الهندية تواجه حاجزا بنسبة 18 في المئة لدخول السوق الأمريكية، ستتمتع المنتجات الأمريكية بدخول سلس وبلا قيود إلى واحد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.

التزام الـ500 مليار دولار

لعل العنصر الأكثر إثارة للذهول في هذا الإعلان هو الالتزام بشراء منتجات بقيمة 500 مليار دولار. فقد صرح الرئيس ترامب بأن الهند ستعتمد مبدأ "شراء المنتج الأمريكي" على نطاق غير مسبوق، مع التركيز على قطاعات الطاقة، والتكنولوجيا، والزراعة.

وتشير بيانات التجارة الحالية إلى أن واردات الهند من السلع الأمريكية لا تتجاوز 50 مليار دولار سنويا. لذا، فإن القفزة إلى 500 مليار دولار تعني زيادة بنسبة 900 في المئة، وهو رقم يبدو مستحيلا من الناحية الرياضية دون إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد الهندي. وإذا ما تم المضي قدما في هذا المستهدف، فقد يعني ذلك تحولا هائلا بعيدا عن الشركاء العالميين الآخرين، مما يؤدي إلى "أحادية تجارية" تصبح فيها نيودلهي معتمدة بشكل مفرط على مورد واحد متقلب.

تحول في سيادة الطاقة

على مدار عقود، تمسكت الهند بسياسة "الاستقلال الاستراتيجي"، حيث كانت تختار شركاءها في مجال الطاقة بناء على المصلحة الوطنية والسعر. ويبدو أن هذه الصفقة تؤذن بنهاية تلك الحقبة؛ فوفقا لواشنطن، وافقت الهند على وقف وارداتها المخفضة من النفط الخام الروسي -الذي كان يشكل قرابة 40 في المئة من وارداتها في وقت ما- لصالح النفط الأمريكي، وربما الفنزويلي، الأكثر تكلفة.

وبينما يُرضي هذا التوجه واشنطن، إلا أن أثره الاقتصادي على الهند قد يكون وخيما؛ فالنفط الروسي كان يمثل صمام أمان حيويا ضد التضخم العالمي. والتحول نحو مصادر الطاقة الأمريكية، المسعرة وفقا للمؤشرات القياسية العالمية دون خصومات تذكر، قد يؤدي إلى قفزة في أسعار الوقود المحلية وتفاقم عجز الحساب الجاري.

الأثر النوعي: قطاعا المنسوجات والجلود

إن القطاعات الأكثر حاجة لهذا الاتفاق هي ذاتها التي تواجه المستقبل الأكثر تعقيدا. فصناعات المنسوجات والجلود الهندية تعد من أكبر القطاعات الموفرة للوظائف، وتبلغ قيمة صادراتها المجمعة إلى الولايات المتحدة قرابة 12 مليار دولار. وعلى مدار شهور، أصيبت هذه القطاعات بالشلل جراء الرسوم الجمركية التي بلغت 50 في المئة.

ورغم أن الانخفاض إلى 18 في المئة يستعيد بعض التنافسية السعرية أمام دول الجوار مثل بنغلاديش وفيتنام، إلا أنه يأتي بتكلفة خفية. فبقبول ضريبة الـ18 في المئة كـ"انتصار"، يوافق المصنعون الهنود فعليا على "ضريبة هندية" دائمة لا يدفعها المصدرون الأمريكيون في المقابل. علاوة على ذلك، إذا فتحت الهند أسواقها أمام المنسوجات عالية التقنية أو المواد الاصطناعية الأمريكية بـ"صفر جمارك"، فإن سلاسل التوريد المحلية قد تتعرض للتفريغ لصالح التكنولوجيا الأمريكية المتفوقة.

الزراعة: الجبهة الهشة
قد يكون الاتفاق التجاري لعام 2026 بين الولايات المتحدة والهند قد ساهم في استقرار أسواق الأسهم وأزاح "الغيوم القاتمة" لرسوم الـ50 في المئة، لكن ثمن هذا الاستقرار باهظ جدا؛ لقد قايضت الهند استقلاليتها السياساتية طويلة الأمد بفرصة للبقاء الصناعي على المدى القصير

يبقى الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذه الصفقة هو فتح القطاع الزراعي. فلعقود طوال، حمت الهند 140 مليون عائلة فلاحية من ضغوط الشركات الزراعية العالمية الكبرى. وقد سارع وزير الزراعة الأمريكي للإشادة بالصفقة، معتبرا إياها وسيلة لضخ الأموال في "الأرياف الأمريكية" عبر تصدير المنتجات الزراعية إلى "السوق الهندية الهائلة".

وبينما يزعم المسؤولون الهنود حماية قطاعات الألبان والسلع الأساسية الحساسة، فإن مجرد ذكر "الزراعة" في اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة يعد خروجا عن "الخطوط الحمراء" التاريخية للهند. فالزراعة الأمريكية صناعة مميكنة ومدعومة بسخاء؛ وإذا سُمح للمنتجات "غير الأساسية"، مثل المحاصيل المتخصصة أو الأغذية المصنعة، بالدخول دون رسوم، فإن المزارع الهندي البسيط -الذي يعمل بهوامش ربح ضئيلة جدا- سيجد نفسه في صراع غير متكافئ من أجل البقاء.

تساؤلات حول السيادة

أثارت السرعة والغموض اللذان أحاطا بالصفقة مخاوف جدية بشأن موقف الهند التفاوضي. ففي الدبلوماسية الدولية، يُعرف "الاتفاق" بأنه تفاهم بين أنداد، أما "الإكراه" فهو أن يملي طرف شروطه التي يجب على الآخر قبولها لتفادي مزيد من العقاب.

وبالموافقة على وقف التجارة مع روسيا، وفتح أسواقها بجمارك صفرية بينما لا تزال تواجه ضريبة 18 في المئة في أمريكا، يبدو أن الهند قد قبلت ترتيبا غير متكافئ. وقد بدأ النقاد والخبراء التجاريون في الداخل يصفون ذلك بـ"التخلي عن السيادة"، محذرين من أن سياسات الهند التجارية والطاقية باتت تُصاغ في واشنطن بدلا من نيودلهي.

قد يكون الاتفاق التجاري لعام 2026 بين الولايات المتحدة والهند قد ساهم في استقرار أسواق الأسهم وأزاح "الغيوم القاتمة" لرسوم الـ50 في المئة، لكن ثمن هذا الاستقرار باهظ جدا؛ لقد قايضت الهند استقلاليتها السياساتية طويلة الأمد بفرصة للبقاء الصناعي على المدى القصير.

ومع الكشف عن "الدُفعة الأولى" من البيان المشترك في الأيام المقبلة، سيراقب العالم عن كثب لمعرفة ما إذا كانت هناك أي ضمانات مخفية. أما الآن، فإن الصفقة تبدو أقرب إلى "استسلام رفيع المستوى" منها إلى شراكة بين أنداد.
التعليقات (0)