صحراء بيوضة تدخل سباق الليثيوم.. هل يصبح السودان لاعبا في المعادن النادرة؟

أكثر من 1200 موقع أثري جديد اكتشف في بيوضة- جيتي
أكثر من 1200 موقع أثري جديد اكتشف في بيوضة- جيتي
شارك الخبر
أصبحت صحراء بيوضة في شمال السودان، بعد سنوات من التهميش محور ثروة مستقبلية يعول عليها لإحداث نقلة نوعية في اقتصاد البلاد.

وتخضع معادن الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، وهي مكونات أساسية في بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وأنظمة الطاقة المتجددة، لدراسات مكثفة في الخرطوم، التي صعدت من وتيرة المسوحات الجيولوجية واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد بحثا عن موارد يتوقع أن تدر مليارات الدولارات سنوياً وتضع السودان في قلب السباق العالمي للطاقة والتكنولوجيا.

من جانبه، أعلن وزير المعادن السوداني نور الدعاة طه، الأربعاء، دخول البلاد عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة بعد عقود من الاعتماد على الذهب كمصدر رئيسي للثروة، كاشفا بذلك عن مشروع تنقيب يعتمد الاستشعار عن بُعد للبحث عن الذهب والليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، مؤكداً وجود مؤشرات قوية تمنح السودان دوراً مؤثراً في الاقتصاد العالمي للمعادن الاستراتيجية.

وقال: "انتقل العالم اليوم من الذهب إلى المعادن الصناعية والاستراتيجية"، مضيفاً أن هذه الموارد أصبحت محوراً للتحالفات السياسية والاقتصادية، وأن البلاد أمام فرصة تاريخية لتصبح لاعباً رئيسياً في هذا النظام، مجددا دعمه الكامل للهيئة العامة للبحوث الجيولوجية، واصفاً إياها بـ"القلب النابض لقطاع التعدين"، ومشدداً على أن أي استثمار في المعادن دون معرفة وخبرة يُعد إهداراً للموارد الوطنية.

وبعد سنوات من الإهمال، خصصت الوزارة ميزانية كبيرة للمسح الجيولوجي، مع التزام كل فرع في القطاع بالمساهمة في أعمال البحث.

وصف مدير عام الهيئة العامة للبحوث الجيولوجية، الجيولوجي الاستشاري أحمد هارون التوم، المشروع بأنه ركيزة استراتيجية لتطوير قطاع التعدين الوطني، موضحا أن الهيئة تعمل على إعداد خريطة جيولوجية وجيوكيميائية شاملة للكشف الفعّال عن المعادن واستغلالها، بما يدعم الاقتصاد الوطني ومرحلة إعادة الإعمار المقبلة.

في ظل السباق الدولي المتسارع للحصول على الليثيوم والكوبالت، تبرز بيوضة كمرشح محتمل للاندماج في سلاسل التوريد العالمية، مع وعود بتحويل السودان إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة.

وتقع الصحراء شمال البلاد، وتمتد شمال مدينة الخرطوم، حيث تبدأ ضواحيها الجنوبية على بعد نحو 200 إلى 300 كيلومتر من العاصمة، غرب نهر النيل بين منطقة المناصر والمرابط وصحراء نووا، وتمتد غرباً نحو مناطق دبا.

تغطي بيوضة مساحة تقارب 100 ألف كيلومتر مربع، وتحيط بها أنهار كبيرة من ثلاث جهات، ويقسمها وادي أبو دوم ووادي المقدم، ويضم الجزء الشرقي منها حقلاً بركانياً، بينما تنتشر في الجزء الغربي رمال متفرقة تتخللها نتوءات صخرية داكنة، ما يمنحها أهمية جيولوجية واستراتيجية نادرة.

ولا تقتصر أهمية الصحراء على المعادن الاستراتيجية، إذ تحتضن ثروة أثرية واسعة، ففي حزيران/ يونيو، أعلن باحثون بولنديون اكتشاف بحيرة مالحة قديمة استُخرج منها معدن النطرون النادر، الذي استخدم في تحنيط الجثث وصناعة الزجاج والخزف، ويُعد النطرون، وهو شكل من كربونات الصوديوم، معدناً نادراً لا يتوافر إلا في مناطق محدودة جداً حول العالم.

يُذكر أن وادي النطرون في مصر يُعد من أبرز مصادر هذا المعدن تاريخياً، وهو ما يدفع علماء آثار إلى إعادة تقييم شبكات التجارة القديمة التي ربطت السودان ومصر آنذاك.

وتمكن الباحثون، بعد سنوات من العمل، من تحديد أكثر من 1200 موقع أثري جديد، بينها أكثر من 400 موقع ضمن مشروع المركز الوطني البولندي للعلوم، وفق ما ورد في المجلات العلمية.

وأظهرت الدراسات الأثرية والاكتشافات الأحفورية أن منطقة بيوضة كانت مأهولة منذ آلاف السنين، ما يعزز أهميتها التاريخية إلى جانب قيمتها الاقتصادية المحتملة.

يقف السودان اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستثمار في الكنوز المعدنية والأثرية لصحراء بيوضة، بما قد يفتح الباب أمام تنمية اقتصادية وجذب استثمارات أجنبية، أو إضاعة فرصة إدراج الصحراء ضمن خريطة المعادن الاستراتيجية العالمية.
التعليقات (0)