ثورة صامتة في الطب.. أدوية تُكتشف بالذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يبرز كأداة أمل حقيقية - CC0
الذكاء الاصطناعي يبرز كأداة أمل حقيقية - CC0
شارك الخبر
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، بل بدأ يفرض نفسه بقوة داخل واحد من أكثر القطاعات تعقيدا وحساسية، وهو قطاع صناعة الأدوية، وخلال السنوات الأخيرة، تحول الذكاء الاصطناعي إلى لاعب رئيسي في اكتشاف الجزيئات الدوائية، وتسريع مراحل البحث، وتقليل التكلفة والمخاطر التي طالما صاحبت تطوير العلاجات الجديدة.

وفتح هذا التحول الباب أمام سباق عالمي تشارك فيه شركات ناشئة وأخرى عملاقة، في محاولة لإعادة صياغة الطريقة التقليدية التي ظل العلماء يعتمدون عليها لعقود طويلة، وبينما كان تطوير دواء واحد يستغرق أكثر من عقد من الزمن، باتت الخوارزميات اليوم تعد بإحداث قفزة نوعية قد تغيّر مستقبل الطب بالكامل.

حبة خضراء تقود التحول من المختبر إلى الواقع

وكشف تقرير لشبكة "بي بي سي" أن عالم التكنولوجيا الحيوية أليكس زافورونكوف عرض في أحد المختبرات، حبة دواء صغيرة خضراء اللون، تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها تحمل دلالة استثنائية، هذه الحبة تم تطويرها لعلاج التليف الرئوي، وهو مرض نادر لم يتوصل الطب حتى الآن إلى علاج حاسم له.

وأضاف التقرير أنه رغم أن الدواء لم يحصل بعد على الاعتماد الرسمي، إلا أن نتائجه الأولية في التجارب السريرية المصغرة وصفت بأنها مشجعة، خاصة أنها جاءت ثمرة عملية اكتشاف قادها الذكاء الاصطناعي منذ بدايتها، ويعد هذا التطور أحد أوضح الأمثلة على انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التنظير إلى التطبيق العملي في مجال العلاج.

ويرى زافورونكوف، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة "إنسيليكو ميديسن"، أن ما تحقق لا يمكن وصفه باكتشاف أول دواء صمم بالكامل بالذكاء الاصطناعي، لكنه يمثل التقدم الأكبر حتى الآن في هذا المسار، ويؤكد أن ما هو قادم قد يكون أكثر تأثيرا.

من الكيميائي إلى الخوارزمية: تغيير قواعد اللعبة


واعتمد اكتشاف الأدوية على جهود فرق كبيرة من الكيميائيين والأطباء، يعملون على اختبار مئات الجزيئات يدويًا في محاولة للوصول إلى تركيبة فعالة، هذه العملية، رغم أهميتها، كانت بطيئة ومكلفة، وغالبًا ما تنتهي بالفشل في مراحل متقدمة.

ويسعى الذكاء الاصطناعي إلى قلب هذه المعادلة عبر تحليل كميات هائلة من البيانات البيولوجية والجزيئية، واستخلاص علاقات لم يكن من السهل على البشر رصدها. وبدلًا من سنوات من التجارب، تستطيع الخوارزميات اقتراح أهداف علاجية وجزيئات محتملة خلال أشهر قليلة.

هذا التحول لم يقتصر على الشركات الناشئة فقط، بل جذب أيضًا اهتمام شركات الأدوية الكبرى، التي باتت تستثمر في تطوير تقنياتها الخاصة أو تعقد شراكات مع شركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في محاولة للحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق سريع التغير.

شركات عملاقة تدخل السباق بقوة

في قلب هذا السباق، برزت شركات تكنولوجية كبرى كلاعبين جدد في مجال اكتشاف الأدوية، من بين هذه الشركات، أطلقت "ألفابت"، الشركة الأم لغوغل، شركة "إزومورفك لابز" المتخصصة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير العلاجات الدوائية.

وأضاف التقرير أن هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة بأن مستقبل الطب لن يُبنى فقط داخل المختبرات التقليدية، بل أيضًا داخل مراكز البيانات العملاقة. وقد عزز هذا المسار فوز ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لإحدى هذه الشركات، بجائزة نوبل في الكيمياء، تقديرًا لدوره في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي يُتوقع أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في مجال الأدوية.

اظهار أخبار متعلقة


ويرى خبراء في الاستشارات الطبية والتكنولوجية أن دخول هذه الشركات الكبرى يمنح المجال دفعة قوية، سواء من حيث التمويل أو البنية التحتية أو تسريع نقل الابتكارات من البحث إلى التطبيق.

أرقام صادمة.. وأمل في كسر القاعدة

وأضاف التقرير أن الإحصاءات تشير إلى أن تطوير أي دواء جديد يستغرق في المتوسط ما بين 10 و15 عامًا، بتكلفة قد تتجاوز ملياري دولار. والأسوأ من ذلك أن نحو 90 في المئة من الأدوية التي تدخل التجارب السريرية تفشل في إثبات فعاليتها.

وتابع أن هذا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة أمل حقيقية، إذ يُتوقع أن يقلل عدد التجارب الفاشلة عبر تحسين اختيار الأهداف العلاجية، والتنبؤ باحتمالات النجاح مبكرًا. ووفقًا لتحليلات حديثة، دخل ما لا يقل عن 75 جزيئًا تم اكتشافها باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى مراحل التجارب السريرية.

وتابع التقرير أن خبراء يرون أن هذا الرقم بحد ذاته يمثل إنجازًا، لكن التحدي الأكبر سيبدأ عندما تنجح هذه الجزيئات في تجاوز المراحل النهائية والوصول إلى المرضى، وهو ما قد يثبت بشكل قاطع جدوى هذا التحول.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي داخل صناعة الدواء؟

يعتمد الذكاء الاصطناعي في هذا المجال على مرحلتين أساسيتين، الأولى تتمثل في تحديد الهدف العلاجي، سواء كان جينًا أو بروتينًا يتسبب في المرض، وذلك عبر تحليل قواعد بيانات ضخمة واستخلاص روابط دقيقة بين التغيرات الجزيئية والأمراض.

أما المرحلة الثانية، فهي تصميم الجزيئات القادرة على التأثير في هذا الهدف، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي، القادر على تخيّل تركيبات جزيئية جديدة، بدلًا من الاعتماد على المحاولات اليدوية المكلفة.

وتؤكد شركات مثل "إنسيليكو ميديسن" أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي في المرحلتين معًا، بل ووسّعت استخدامه للتنبؤ بفرص نجاح الدواء في التجارب السريرية، ما يجعل العملية أكثر تكاملًا ودقة.

التعليقات (0)