كشف
تقرير تحليلي مطول نشره موقع كالكاليست التابع لمجموعة "يديعوت أحرونوت" تفاصيل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس
مادورو، التي نفذتها
الولايات المتحدة فجر الثالث من كانون الثاني/يناير، مستعرضا المراحل الدقيقة للعملية، والمخاطر التي رافقتها، والنقاط التي كادت تؤدي إلى فشلها.
وروى التقرير أن الولايات المتحدة أنجزت حينها عملية معقدة، انتهت بإلقاء القبض على مادورو خلال غارة جوية، في سيناريو وُصف بأنه أقرب إلى أفلام هوليوود، جمع بين الخداع المحكم، والتكنولوجيا المتقدمة، والعمل الاستخباراتي التقليدي، دون تسجيل خسائر بشرية أو آلية، فلا عجب أن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بدا سعيداً للغاية.
وأضاف التقرير أن الجميع يعلم كيف انتهى الأمر، حيث أُجبر مادورو على السفر جوًا إلى الولايات المتحدة، وسيحاكم قريبا ليكتشف بنفسه ما إذا كان السجن الأمريكي جحيمًا كما يُصوَّر، أم أن مسلسلات مثل "أوز" بالغت في تصويره.
وأوضح التقرير أن الاعتقال ليس تعسفيا، فقد استولى مادورو على السلطة في
فنزويلا عام ٢٠١٣، وبلغت أعمال العنف واضطهاد المعارضين والإرهاب الحكومي ذروتها. ما علاقة هذا بالولايات المتحدة؟ بحسب ترامب، مادورو مسؤول عن وباء المخدرات المروع الذي يُدمِّر شوارع الولايات المتحدة.
في صيف عام 2025، بدأت السفن الحربية الأمريكية تملأ البحر الكاريبي شمال فنزويلا، وبدأت الطائرات بتدمير قوارب مرتبطة بعصابات المخدرات.
أطلقت الولايات المتحدة على هذه العملية اسم "عملية الرمح الجنوبي"، ورافقتها تهديدات في وسائل الإعلام. ظاهريًا، يبدو أن ترامب يستعرض قوته مجددًا، لكنه لا يسعى إلى إثارة المشاكل؛ فكما تتذكرون، سحب أسطوله من أراضي الحوثيين بعد أن أدرك أنه في حال اعتراض السفن لصاروخ، سيجد نفسه مضطرًا لغزو اليمن.
لكن في الخفاء، كان الجيش الأمريكي يُحضّر لخطوة قوية ومفاجئة.
وانطلقت العملية في الثالث من يناير قبيل الساعة الثانية صباحا بقليل، عندما غطت كرات نارية برتقالية السماء في سبع مناطق مختلفة من فنزويلا، ورأى العالم أن الولايات المتحدة كانت جادة هذه المرة.
اظهار أخبار متعلقة
واستهل الهجوم بهجوم إلكتروني واسع النطاق عطّل الاتصالات ومراكز القيادة والسيطرة، ما صعّب تنسيق الدفاع. ثم تمثلت الخطوة التالية في تدمير رادارات ميدانية ضخمة، بعضها بصواريخ كروز أطلقتها سفن حربية، وبعضها بنيران قاذفات بي-1 الثقيلة.
وفي الوقت نفسه، هاجمت طائرات إف-18 التابعة للبحرية الأمريكية منظومة الدفاع الجوي الفنزويلية، فدُمرت بطاريات إس-300 بعيدة المدى وبطاريات بوك متوسطة المدى بصواريخ مضادة للرادار وقنابل كروز.
واتسعت الفجوة في سماء فنزويلا، وتدفقت طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة ومروحيات هجومية وطائرات استطلاع إضافية، ليتجاوز العدد مئة وخمسين طائرة، وفي غضون وقت قصير، أضاءت النيران الليل وتحولت قواعد عسكرية عدة إلى أنقاض.
وركزت هذه المراحل على هدف واحد، إذ لم تُنفذ لكسر قوة مادورو العسكرية، ولا لتهيئة الأرض لغزو، ولا لـ"إيصال رسالة"، بل لإيهام فنزويلا بأن الأمريكيين يشعلون حربا شاملة.
وتعزز هذا الإيهام لأن بداية أي حرب حديثة بدت متوقعة على هذا النحو. وهنا تجلت الحيلة، ففي خضم صفير صواريخ كروز وانفجارات القواعد وأصوات الإنذارات وإطلاق النار، غطى صوت شفرات المروحيات على كل شيء، وتسللت عشر طائرات هليكوبتر هجومية سريعة من طراز شينوك وبلاك هوك على ارتفاع منخفض، واندفعت عبر أحياء كاراكاس، قبل أن تنزلق كالأشباح إلى مخيم بورتا تيوني الحضري، حيث يقع مجمع مادورو السكني المحصن.
وتعلق نحو مئتي مقاتل من قوة
دلتا التابعة لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية بالحبال، واتخذوا مواقعهم حول المجمع، ثم ظهرت فرق عدة فجأة على شرفة مادورو وأخرجته من غرفة نومه، وفوجئ الفنزويليون بالغارة، لكنهم استعادوا توازنهم وفتحوا نيرانا كثيفة على الكوماندوز، ما أدى إلى إصابة سبعة منهم على الأقل.
وقدمت المروحيات المسلحة دعما ناريا إلى حين تنظيم قوة الهروب، بينما تولت الطائرات المسيرة مسح كل سطح وشرفة، ثم غادر المهاجمون حاملين نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في حقائبهم. واكتملت العملية التي حملت اسم "العزم المطلق" بنجاح.
عمل الأمريكيون بجهد لتحقيق ذلك، إذ حللت أجهزة الاستشعار بمختلف أنواعها كل بكسل في صورة الدفاع الفنزويلية، ونُشرت الأقمار الصناعية والموارد السيبرانية والعملاء السريون لدراسة روتين مادورو وشعبه، والقوات الموجودة في المنطقة المجاورة، والمنطقة التي تعرضت للهجوم، وصولا إلى مستوى المراقب الوحيد.
لم يتوفر خيار آخر، لأن عمليات اختطاف الشخصيات المهمة من خلف خطوط العدو عُدت من بين أكثر العمليات تعقيدا في التاريخ العسكري، وغالبا ما فشلت حتى مع التخطيط لها لسنوات ودراسة تفاصيلها بدقة.
ووفق ما ورد، كادت الخطة في الحالة المعروضة أن تفشل، وتوفرت عدة فرص لذلك، وأدرك مادورو وشريكته وقوع الهجوم، ونهضا بدافع الحذر واستعدا للنزول إلى مخبئهما الآمن، وهو ملجأ منزلي محصن جيدا، ولو كان الباب مغلقا لكان من شبه المستحيل إخراجهما أحياء، وتمكن المقاتلون من القبض عليهما قبل دخولهما مباشرة، إلى درجة أنهما أصيبا عندما دفعهما رجال رامبو بقوة نحو الباب المدرع.
دل ذلك على أنه لو تأخرت المروحيات حتى نصف دقيقة، لتعقدت العملية بشكل كبير، ولأعطى التأخير على الأرض للجنود الفنزويليين الوقت الكافي للتقدم نحو المعسكر المستهدف وسحق الأمريكيين جماعيا، ولم يشكل هذا سوى غيض من فيض.
وطرح التقرير احتمالا آخر، إذ كان يمكن أن تنفجر مروحيات ترامب عند دخولها سماء كاراكاس وتتحطم في أحد الأحياء، بما يستدعي عملية إنقاذ معقدة، وجاء ذلك لأن أي طرف في أي معركة لم يضمن التفوق الاستخباراتي، مهما بلغت الثروة والقوة والقدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني.
اظهار أخبار متعلقة
واستعرض التقرير عملية "الأفعى القوطية" التي نُفذت عام 1993 في الصومال، عندما أرسلت الولايات المتحدة قوة دلتا على متن مروحيات لاعتقال أحد كبار قادة ميليشيا "خبر غيدير" المحلية في مقديشو، وافتقرت تلك الميليشيا إلى التكنولوجيا المتقدمة والأقمار الصناعية وحتى الزي العسكري، ومع ذلك وُصف التفوق الاستخباراتي بأنه كان في متناول أيديهم، إذ كان المراقبون يبلغون القادة في المدينة بموعد وصول المروحيات ومن أي اتجاه وبأي سرعة.
انتظر المقاتلون على أسطح المنازل عند وصول القوة، وأُسقطت مروحيتان بنيران صواريخ آر بي جي، وهي أسلحة غير موجهة لا يمكن تعطيلها أو خداعها، وتحولت عملية الإنقاذ إلى واحدة من أكثر العمليات تعقيدا ومأساوية.
وأصيبت مروحيتان أخريان، لكنهما تمكنتا من الوصول إلى الأراضي الصديقة. وانتهت العملية بمقتل 18 شخصا وإصابة ما يقارب المئة وأسر طيار.
كان الفنزويليون على دراية تامة بتلك القصة، وعلموا أن الولايات المتحدة ستلجأ على الأرجح إلى عمليات إنزال كوماندوز، وذهب كاتب التقرير إلى أنه لو كانوا أذكياء بما يكفي لربط أنظمتهم الدفاعية بتقارير وسائل التواصل الاجتماعي عن تحركات المروحيات، لكان بإمكانهم إنزال كارلوس وخوسيه رافائيل على السطح بأسلحة مضادة للطائرات بسيطة وإحباط عملية ترامب برمتها.
أظهرت اللقطات طائرات الهليكوبتر وهي تحلق فوق مناطق مضاءة، بما يعني أن البنية التحتية الكهربائية لم تُحيد بشكل كامل، كما حُمّل الفيديو على الشبكة في الوقت الحقيقي، لتكون اتصالات الإنترنت متاحة أيضا.
تطرق التقرير إلى عامل آخر كان يمكن أن يفشل الخطة الأمريكية، وهو مخاطر الحرائق على ارتفاعات منخفضة، من دون أن يتعلق الأمر ببطاريات صواريخ مادورو، لأنها لم تعد ضرورية لتهديد غارة جوية في عمق المدن.
وفي النهاية، حتى لو دمرت الولايات المتحدة جميع أجهزة الرادار في فنزويلا، لكفى جنود كاراكاس سماع اقتراب المروحيات ورؤيتها ورفع أسلحتهم.
أشار التقرير إلى أن مدافع عيار 23 ملم لم تكن مطلوبة، لأنها متوفرة بكثرة في الجيش المحلي، بل إن شاحنة صغيرة مزودة برشاش كانت قادرة على إسقاط مروحية بلاك هوك أو شينوك، وأضاف أن ذلك كاد يحدث فعلا، إذ أصيبت المروحيات برصاص الأسلحة الخفيفة وعادت مثقوبة كالمبشرات، ولم يُصب أي طيار أو نظام حيوي، ووُصف ذلك بأنه محض صدفة.
انتقل التقرير إلى نقطة أخرى، مفادها أن سياجا قد يحبط غارة جوية، من دون أن يكون المقصود اسما رمزيا، بل سياجا موجودا في كل حي، وكذلك الهوائي أو الشجرة أو الأسلاك الكهربائية أو أي عائق في منطقة سكنية قد يعترض طريق المروحية عند الهبوط أو الانخفاض، وكفى أن يكون الطاقم على دراية بوجود العائق، وهو ما لم يحدث دائما.
توقف التقرير عند عملية نبتون سبير عام 2011، عندما أُرسلت قوات كوماندوز لقتل أسامة بن لادن في فيلته بباكستان، وهبطت مروحيتان بقوات في فناء زعيم القاعدة، ولم تكونا مروحيتين عاديتين، بل كانتا بلاك هوك من طراز الشبح ذات بصمة رادارية وحرارية وضوضائية منخفضة.
كانت المهمة تتقدم، وكانت القوة على مقربة، عندما هبطت إحدى المروحيات داخل الجدار الحجري للفيلا، لأن فريق التصميم لم يأخذ في الحسبان انحراف شفرة الدوار عن جانب المبنى، ما أدى إلى تحريك مروحية بلاك هوك أثناء اقترابها من الأرض وانفصل الذيل وسقط، ولم يُقتل أي من المقاتلين.
ونفذت الفرقة مهمتها، وحملت جثة الإرهابي الخطير، ثم فجرت المروحية المزروعة في حديقته. وتحت الضغط، تزاحمت القوة في مروحيات الإنقاذ وفرّت قبل وصول قوات الأمن المحلية، كما عدّ التقرير أن أمرا مماثلا كان يمكن أن يحدث في فنزويلا، لأن كاراكاس مدينة مكتظة بالسكان، وكان يمكن أن تتحطم مروحية بلاك هوك بسبب اصطدامها بكابل كهربائي أو بسبب سرقة أحدهم كابلات من جار آخر.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار التقرير إلى أن أي شيء كان يمكن أن يحدث، واستشهد بعملية مخلب النسر في أبريل 1980، عندما أُرسلت قوة دلتا إلى إيران لإنقاذ الرهائن المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران. وانطلقت ثماني مروحيات، علقت اثنتان منها في عاصفة رملية وتأخرتا بشدة في طريقهما إلى منتصف الصحراء، بينما تعطلت الثالثة فنيا وعادت إلى قاعدتها.
أدى نقص الأدوات والوقت والوقود إلى إلغاء العملية، وأثناء الاستعدادات للعودة اصطدمت مروحية بطائرة شحن. واعتُبر ذلك مثالا متطرفا، إذ كانت توقعات الطقس والترتيبات اللوجستية للعملية في فنزويلا أفضل بكثير، لكنه أظهر مدى الفوضى التي صاحبت مثل هذه العمليات الضخمة والمعقدة.
وأكملت العملية، رغم الصعوبات والمخاطر، وأصبح مادورو مكبلا بالأصفاد، واعتبر أن سقوطه أنصف الشعب الفنزويلي وأضعف حلفاءه في إيران بحسب التقرير، لكنه أبدى صعوبة في الشعور بالسعادة من منظور عالمي أوسع، لأن الغارة الأمريكية عُدت خطوة مقلقة للغاية.
أعاد التقرير التذكير بأن فنزويلا والولايات المتحدة كانتا شريكتين لسنوات عديدة، وأسهمت الشركات الأمريكية في تطوير احتياطيات النفط هناك إلى مستوى مناسب للتجارة، لكن السياسة عرقلت هذه الشراكة، وفي عام 2019 قرر مادورو طرد الشركات المذكورة، واعتُبر ذلك غير لائق وغير مناسب، لكنه من الناحية الفنية كان من حقه.
أفاد التقرير بأن الولايات المتحدة لجأت في البداية إلى الأسلوب المعتاد في بناء القضية، عبر خلق وضع سياسي يبرر إجراءات عدوانية، وزُعم أن فنزويلا مصدر آفة المخدرات الخطيرة التي تُنهك المجتمع الأمريكي، واستند هذا الزعم إلى أن مادورو يتمتع بعلاقات وثيقة مع عصابات المخدرات اللاتينية، وأن شحنات المخدرات تغادر أراضي فنزويلا.
أوضح التقرير أن هذه الكميات نادرا ما وصلت إلى الولايات المتحدة، لأن فنزويلا صدرت المخدرات بشكل رئيسي إلى أوروبا والبرازيل، وبيّن أن ما وصل إلى أمريكا الشمالية كان أقل من 10 بالمئة من الكوكايين، وكميات ضئيلة جدا من الهيروين والفنتانيل، ليخلص إلى أن المخدرات لم تكن ذريعة كافية هنا.
مع اقتراب كانون الأول/ديسمبر 2025، ركز ترامب بصورة متزايدة على الدافع الحقيقي، وفق التقرير، وهو النفط الذي تحبه الولايات المتحدة كثيرا.
أشار التقرير إلى أنه في منتصف ذلك الشهر، عندما أعلن ترامب أن مادورو "إرهابي مخدرات" وأن نظامه غير شرعي، صرح جهارا: نفطهم؟ نريده، وسنأخذه، ثم أعلن مجددا بعد انتهاء العملية: ستعود الشركات الأمريكية إلى صناعة النفط هناك، وستجلب أموالا طائلة لصالح الولايات المتحدة والشعب الفنزويلي.
وقال كاتب التقرير: "لا تفهموني خطا، فأنا لست ضد الإطاحة بمادورو وتغيير الحكومة في فنزويلا؛ فقد كان حليفا وثيقا لإيران، وأي خطوة تُضعف عدونا مرحب بها"، وطرح في المقابل تساؤلات حول العيش في عالم يستطيع فيه أي زعيم يملك السلطة والسلاح والجرأة أن يستيقظ صباحا ملهمًا بإلهام من الفايكنج، وحول قبول النهب كسياسة خارجية.
وحذر التقرير من أن الفوضى ستصل إلى مستوى العصور الوسطى، لأن الدول لن تسعى بعد الآن لخلق وضع سياسي يدعم ذريعة توحيد الثقافات والأراضي والمساحات المعيشية، بل ستغزو وتستولي على الموارد والأراضي بحرية. وربط ذلك بتضاعف ميزانيات الدفاع وما قد يسببه من تأثيرات على الاقتصاد، إذا تحولت تهديدات الغزو والضم إلى واقع حياة.
واختتم التقرير بالقول إن نجاح العملية في كاراكاس كان أمرا جيدا، مع التعبير عن أمل بأن تعلم الولايات المتحدة شركاءها بعض الأساليب التي استخدمتها، إلى جانب أمل آخر بألا يتحول ذلك إلى نهج سائد، ليس مع وجود أردوغان في حوض البحر الأبيض المتوسط، ولا مع وجود الصين وكوريا الشمالية في ركنهما من آسيا، ولا مع وجود روسيا في مواجهة أوروبا الشرقية، وبالتأكيد ليس في الشرق الأوسط المضطرب.