سياسة عربية

كيف دمر الاحتلال مدينة غزة بناقلات جند ملغمة؟.. تقرير لرويترز يجيب

قال الدفاع المدني في غزة إن الجيش الإسرائيلي فجر المئات من ناقلات الجنود بما يصل إلى 20 يوميًا - جيتي
قال الدفاع المدني في غزة إن الجيش الإسرائيلي فجر المئات من ناقلات الجنود بما يصل إلى 20 يوميًا - جيتي
شارك الخبر
خلص تقرير لوكالة رويترز إلى أن دولة الاحتلال نشرت على نطاق واسع، في الأسابيع التي سبقت وقف إطلاق النار في غزة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، سلاحاً جديداً تمثل في تحميل ناقلات جنود مدرعة من طراز "إم113" بما يتراوح بين طن وثلاثة أطنان من المتفجرات بدلاً من الجنود.

وأظهرت لقطات من طائرات مسيرة وأقمار صناعية أنه مع تقدم قوات جيش الاحتلال الإسرائيلية نحو وسط مدينة غزة، دمرت هذه القنابل القوية، إلى جانب الغارات الجوية والجرافات المدرعة، مساحات شاسعة من المباني وسوتها بالأرض.

اظهار أخبار متعلقة


ونقلت الوكالة عن هشام محمد بدوي، قوله إن منزله المؤلف من خمسة طوابق في شارع الدولة بضاحية تل الهوا الراقية، والذي تضرر جراء غارة جوية في وقت سابق من الحرب، جرى تدميره بالكامل جراء انفجار ناقلة جند في 14 أيلول/سبتمبر، ما أدى إلى تشريده هو و41 من أفراد عائلته.

وأوضح بدوي، الذي كان على بعد بضع مئات الأمتار من المنزل، أنه سمع دوي انفجار خمس ناقلات جند مدرعة على الأقل على فترات زمنية مدتها خمس دقائق تقريبا. وأضاف أنه لم يتلق أي تحذير بالإخلاء قبل الهدم وأن أفراد أسرته نجوا بمعجزة في خضم الانفجارات وإطلاق النار الكثيف.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية هدم عدة مبان في نفس المربع السكني في الفترة نفسها تقريبًا. وقال بدوي إن أفراد العائلة يقيمون الآن مع أقارب آخرين لهم في أنحاء مختلفة من المدينة، بينما يعيش هو في خيمة بجوار منزله السابق.

وأضاف بدوي قائلًا إن الحي والشارع الذي يقطن به لحقه دمار كبير. وقال: "ما صدقناش إنو هذا الحي تبعنا.. هذا الشارع تبعنا.. هذا اللي كنا عايشين فيه لأكتر من 40 سنة".

أطنان المتفجرات سوت المنازل بالأرض
ولإعداد سرد مفصل لدور القنابل التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في تل الهوا وحي الصبرة المجاور في الأسابيع الستة التي سبقت وقف إطلاق النار، تحدثت رويترز إلى ثلاثة مصادر أمنية إسرائيلية، وبريغادير جنرال متقاعد في الجيش الإسرائيلي، وعسكري احتياط إسرائيلي، ومسؤولين في غزة، وثلاثة خبراء عسكريين.

قال سبعة من سكان مدينة غزة إن منازلهم أو منازل جيرانهم سُويت بالأرض أو تضررت بشدة جراء الانفجارات التي شبهها عدد منهم بالزلزال. وأكد تحليل للقطات رويترز أجراه خبيران عسكريان وجود حطام ناقلتي جند مدرعتين على الأقل بين الأنقاض في مواقع بمدينة غزة.


واستنادًا إلى مساحة المقصورة وحطام دروع المركبات، قدّر ثلاثة خبراء عسكريين أن إسرائيل حمّلت ناقلات الجند المدرعة بما يترواح بين طن وثلاثة أطنان من الذخائر. وقالوا إن بعض الذخائر كانت على الأرجح نترات الأمونيوم أو مستحلبات غير عسكرية، لكن هذا الاستنتاج لا يمكن تأكيده دون إجراء اختبارات كيميائية.

وقال الخبيران اللذان فحصا لقطات رويترز لمنطقة الانفجار وبقايا المركبة إن مثل هذا الانفجار الذي وقع باستخدام عدة أطنان من المتفجرات يمكن أن يعادل قوة أكبر القنابل الإسرائيلية المحمولة جوًّا، وهي القنبلة مارك 84 الأمريكية الصنع التي تزن 2000 رطل.

ويمكن أن يتسبب الانفجار في تناثر شظايا المركبة لمئات الأمتار وتدمير الجدران الخارجية وأعمدة المباني القريبة. وقال الخبيران إن موجة الانفجار قد تكون قوية بما يكفي لانهيار مبنى متعدد الطوابق.

أمر غير معتاد.. فقط لدى "إسرائيل"
تُستخدم ناقلات الجند المدرعة عادة في نقل القوات والمعدات في ساحة المعركة. وقال الخبراء العسكريون الثلاثة الذين استشارتهم رويترز إن استخدام هذه المركبات كقنابل أمر غير معتاد إلى حد بعيد وربما يؤدي إلى إلحاق أضرار جسيمة بمساكن المدنيين.

وفي رده على أسئلة مفصلة من رويترز خلال إعداد التقرير، زعم الجيش الإسرائيلي أنه ملتزم بقواعد الحرب. وفيما يتعلق بما تُرَدَّد عن تدمير البنى التحتية المدنية، قال الجيش الإسرائيلي إنه استخدم ما سماه معدات هندسية فقط "لأغراض عملياتية أساسية"، دون أن يكشف عن مزيد من التفاصيل.
وأضاف الجيش أن قراراته تستند إلى مقتضيات الضرورة العسكرية والتمييز والتناسب.

وفي مقابلة مع رويترز في غزة لهذا التقرير، قال المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم: "عمليات الهدم التي نفذتها إسرائيل باستخدام تلك الآليات المدرعة كانت تهدف إلى تهجير سكان المدينة على نطاق واسع".


ووصف البريجادير جنرال المتقاعد في الاحتياط أمير أفيفي، مؤسس منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، وهو مركز أبحاث، هذا السلاح بأنه أحد "ابتكارات حرب غزة". وقال مصدر أمني إن استخدامه المتزايد جاء في ظل التعامل مع قيود فرضتها الولايات المتحدة على نقل قنابل ثقيلة من طراز مارك 84 المحمولة جواً وجرافات كاتربيلر.

رويترز أكدت أيضاً عدم استجابة جيش الاحتلال ومكتب نتنياهو ووزارة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض ووزارة الحرب الأمريكية لأسئلة الوكالة بشأن أسباب هذا التحول التكتيكي.

وقبل الحرب كانت تل الهوا والصبرة، وهي منطقة تاريخية تضم منازل متواضعة في جنوب وسط مدينة غزة، تعج بالمخابز ومراكز التسوق والمساجد والبنوك والجامعات، أما الآن، فقد تحولت أجزاء كبيرة منها إلى أنقاض.

وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته رويترز أن نحو 650 مبنى في الصبرة وتل الهوا والمناطق المحيطة بها قد دمرت في الأسابيع الستة بين الأول من أيلول/سبتمبر وأيلول و11 تشرين الأول/أكتوبر.

هدم بزعم ضرورة عسكرية!
وقال اثنان من فقهاء القانون الدولي ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان واثنان من الخبراء العسكريين الذين راجعوا النتائج التي توصلت إليها رويترز، إن استخدام مثل هذه المتفجرات الكبيرة في مناطق حضرية سكنية كثيفة قد أخل بمبادئ القانون الإنساني التي تحظر مهاجمة البنية التحتية المدنية واستخدام القوة غير المتناسبة.


وقال أجيث سنغاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة لرويترز، إن التذرع "أساسًا بأن بعضها (المباني) قد يكون ملغومًا" أو استخدمته قناصة حماس في السابق لا يكفي لتبرير التدمير الشامل، في إشارة إلى ادعاء إسرائيل بأن حماس وضعت عبوات ناسفة بدائية في المنازل، وهو ما تنفيه حماس.

وقال سنغاي إن هدم البنية التحتية المدنية، إن لم يكن نتيجة لضرورة عسكرية، فإنه قد يرقى إلى مستوى التدمير الوحشي للممتلكات، وهو ما يعد جريمة حرب.

أما أفونسو سيكساس نونيس، الأستاذ المساعد في كلية القانون بجامعة سانت لويس، فقد حاول أن يبرر تلك الهجمات الوحشية، قائلاً: "المباني قد تفقد الحماية القانونية وتصبح أهدافاً في بعض الحالات إذا كان لدى إسرائيل أدلة على استخدام حماس لها لأغراض عسكرية"، ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلبات من رويترز لتقديم مثل هذه الأدلة.

81 بالمئة من مباني غزة تعرضت لأضرار أو دمار 
ووفقًا لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، يعكس مستوى الدمار اتجاهًا أوسع نطاقًا؛ فقد تعرضت 81 بالمئة من مباني غزة لأضرار أو دمار خلال الحرب. وذكر المركز في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن المنطقة التي تضم مدينة غزة شهدت معظم الأضرار منذ شهر تموز/يوليو، إذ تضرر نحو 5600 مبنى جديد.

وفي آب/أغسطس الماضي، اعترف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للصحفيين بأن إسرائيل حمَّلت ناقلات جند مدرعة بأطنان من المتفجرات، بزعم أن حماس زرعت عبوات ناسفة في "كل مبنى تقريبًا" بالمناطق التي تم إخلاؤها.

وقال نتنياهو: "نحن نفجّرها، وهي تُفجّر جميع العبوات الناسفة. لهذا السبب ترون الدمار". وفي رده على أسئلة هذا التقرير، نفى قاسم، المتحدث باسم حماس، زرع عبوات ناسفة في المباني وقال إن حماس لا تملك القدرة على وضع عبوات ناسفة بالحجم الذي تدعيه إسرائيل.

اظهار أخبار متعلقة



القوات تدخل مدينة غزة
تقول رويترز في تقريرها، إن القوات الإسرائيلية دخلت مدينة غزة بهدف معلن هو القضاء على حماس وتحرير الرهائن الذين يحتجزهم المسلحون، وأمرت إسرائيل بإخلاء المدينة بالكامل في أيلول/سبتمبر.

ومع تقدم القوات مدعومة بالدبابات والغارات الجوية، ألحقت القوات أضرارًا جسيمة بالضواحي الشرقية قبل أن تقترب من المناطق المركزية للمدينة التي كان معظم النازحين يحتمون بها، حيث فر مئات الآلاف جنوبًا. وقدرت الأمم المتحدة أن ما بين 600 ألف و700 ألف شخص بقوا في المدينة.

أقر وزير الحرب الإسرائيلي بأن جنوده هدموا 25 برجًا، زعم الاحتلال أن تحتها أنفاقًا لحماس أو كانت تستخدم نقاطًا للمراقبة. ويقول مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن إسرائيل لم تقدم أي دليل على أن هذه المباني كانت أهدافًا عسكرية.

ومن بين الدمار الذي شوهد في الصبرة وتل الهوا والرمال الجنوبي بين الأول من أيلول/سبتمبر و11 تشرين الأول/أكتوبر، حددت رويترز برج الرؤيا الذي كان يضم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهو مكتب بارز لحقوق الإنسان كان يعمل مع منظمة كريستيان إيد الخيرية، وبرج الرؤيا 2 الذي كان يضم مزيجًا من مكاتب الشركات والشقق السكنية والذي أسقطته الغارات الجوية في السابع والثامن من أيلول/سبتمبر.

كما تم تدمير اثنين من مباني الجامعة الإسلامية في غزة ومسجد في الحرم الجامعي. وفي إحدى زوايا تل الهوا المكونة من ستة مربعات سكنية، هُدمت جميع المباني تقريباً، والتي يتجاوز عددها الإجمالي 60 مبنى.

وبخلاف واقعتي تفجير ناقلتي الجند اللتين تم تحليلهما بالتفصيل في هذا التقرير، والغارات الجوية على الأبراج التي تم تصويرها بالفيديو، لم تستطع رويترز تحديد الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل لهدم المباني أو العدد الإجمالي لناقلات الجند التي تم تفجيرها منذ آب/أغسطس وحتى وقف إطلاق النار.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن الجيش فجر المئات من ناقلات الجنود في تلك الفترة بما يصل إلى 20 يوميا.

وزن جزء واحد من ناقلة الجند الملغمة يصل إلى مئات الكيلوغرامات
من بين المباني التي تم تدميرها كان منزل عائلة بدوي الذي يعود تاريخه إلى أربعة عقود، إلى جانب أكثر من 20 مبنى مجاورًا في الفترة ذاتها، وقال بدوي إنهم لم يستطيعوا التعرف على منزل العائلة.

وقال خبيران عسكريان إن لقطات رويترز للمنطقة أظهرت بقايا ناقلة جند واحدة على الأقل تم تفجيرها، كما قال عسكري متقاعد، وكان من كبار ضباط الجيش البريطاني في مجال إبطال القنابل، إن الانفجار فصل أحد أجزاء ناقلة جند مدرعة واحدة عن أجهزة تشغيلها و"قذفها فعليًا إلى أعلى سطح" مبنى متعدد الطوابق، مشيرًا إلى أن وزن الجزء الواحد من ناقلة الجند المدرعة "إم113" يصل إلى مئات الكيلوغرامات.

وقال جاريث كوليت، وهو عسكري بريطاني متقاعد برتبة بريغادير جنرال وخبير بارز في مجال المتفجرات وإبطال القنابل، إن قطعة معدنية سميكة مكسورة وعجلة مشطورة إلى نصفين، وكلاهما مبعثران في العقار، يتوافقان مع تفجير من داخل ناقلة الجنود المدرعة، وقال إن الحجم الكبير للشظايا يدل على وجود متفجرات تجارية منخفضة الطاقة.

"عودة إم113"
قال المؤرخ العسكري ياجيل هينكين إن الآلاف من آليات "إم113" التي تم شراؤها من الولايات المتحدة بعد حرب يوم الغفران في السبعينيات، اعتُبرت غير كافية لحماية الجنود وتم إيقافها.

ولم ترد شركة "إف.إم.سي كورب"، وهي في الأصل الشركة المصنعة الرئيسية للمركبة "إم113"، على طلبات من رويترز للتعليق على استخدامها سلاحًا وما يرتبط بذلك من مخاوف محتملة تتعلق بحقوق الإنسان، كما لم ترد شركة "بي.إيه.إي سيستمز"، التي توفر حاليًا صيانة هذه المركبة عالميًا، على أسئلة رويترز حول استخدام إسرائيل الجديد لها مكتفية بقول إنها لا تنفذ حاليًا أي مبيعات عسكرية مباشرة إلى إسرائيل.

وأظهرت وثائق منشورة أن إسرائيل طرحت عطاءً دوليًا علنيًا في أيار/مايو لبيع عدد غير محدد من مركبات "إم113"، كما أظهر منشور بدون تاريخ على موقع وزارة الحرب الإسرائيلية إلغاء هذا العطاء لاحقًا، وقال أحد المصادر الأمنية لرويترز إن الإلغاء سمح لإسرائيل بتوسيع نطاق إعادة استخدام "إم113".

ويعود تاريخ أول تقارير إعلامية عن تفجير ناقلة جند مدرعة في غزة إلى منتصف عام 2024، وقال المصدر إن استخدام إم113 كأداة تفجير تسارع هذا العام عندما حدّت إسرائيل من استخدامها لنقل الجنود، وذلك بعد أن أوقفت الولايات المتحدة تسليم قنابل مارك 84 بسبب مخاوف من استخدامها في المناطق السكنية.

جرافة "كاتربيلر دي9"
قال أحد المصادر الأمنية إن الاستخدام المتزايد لناقلات الجنود المدرعة كقنابل تزامن أيضًا مع نقص في إسرائيل في الجرافة العملاقة "دي9" التابعة لشركة كاتربيلر الأمريكية والتي يستخدمها الجيش الإسرائيلي منذ فترة طويلة في عمليات الهدم.

وقال المصدر إن حماس استهدفت بكثافة الجرافات "دي9" في وقت سابق من الحرب، مما أسفر عن مقتل أو إصابة عسكريين وإلحاق أضرار بالمركبات. وبسبب انزعاجها من استخدامها في هدم المنازل، أوقفت الولايات المتحدة مبيعات "دي9" إلى إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مما زاد من حدة النقص في هذه الآليات لكن جرى استئناف نقلها بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي.

اظهار أخبار متعلقة


ولم ترد كاتربيلر على أسئلة رويترز حول الاستخدام العسكري لآلياتها في عمليات الهدم في غزة، ولم تعلق من قبل علنا على هذا الأمر، وقال مصدر أمني آخر إنه في ظل هذا النقص، بدأ الجيش في استخدام وسائل أخرى للهدم، منها ناقلات الجند المدرعة.

وقال داني أورباخ، وهو مؤرخ عسكري إسرائيلي، لرويترز إن عمليات الهدم أمر طبيعي خلال الحرب وصارت ضرورية في غزة بسبب الأنفاق ونصب الكمائن. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدًا بشكل كافٍ لهذا النوع من القتال المعقد، ما أدى إلى استنتاج أنه "لا سبيل آخر لخوض مثل هذه الحرب سوى تدمير جميع المباني فوق الأرض".
التعليقات (0)