بعد مغادرته مصر ووصوله
بريطانيا يوم الجمعة الماضي، واجه الناشط المصري علاء عبدالفتاح وأسرته انتقادات
حادة وجرى وصفه بـ"المتطرف"، وتحولت لعاصفة سياسية بوجه رئيس الوزراء
البريطاني كير ستارمر، الذي طالب مرارا رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي،
بإطلاق سراح علاء، الذي جرى 23 أيلول/ سبتمبر الماضي، بعفو رئاسي بعد 6 سنوات
قضاها بسجون تعج بأكثر من 60 ألف معتقل.
الانتقادات والضجة الواسعة
التي تناولتها الصحف اللندنية الأحد والاثنين والثلاثاء، ومعها الإسرائيلية
والإماراتية، جاءت على خلفية إعادة نشر تغريدات سابقة للناشط المصري، ضد شرطة
لندن، وذوي البشرة البيضاء، والاحتلال الإسرائيلي، وسط مطالبات بسحب
الجنسية
البريطانية التي حصل عليها عام 2021، عن طريق والدته ليلى سويف المولودة بلندن.
من التكريم إلى الوصم
بالإرهاب
وطوال العام الجاري، ظلت
صورة عبدالفتاح، ووالدته، -اعتصمت أمام مبنى (داونينج ستريت) أيار/ مايو الماضي-
في الصحافة البريطانية أيقونة للحرية، ورمزا للنضال ضد نظام السيسي، ونموذجا
للمعتقلين السياسيين في مصر، فيما طالبت
الحكومة البريطانية بإخلاء سبيله ودعمته
الممثلتين: دام جودي دينش وأوليفيا كولمان، ما تبعه تتويجه بجائزة
"ماغنيتسكي" لحقوق الإنسان، والتي تسلمتها بدلا منه شقيقته سناء سيف في
تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
وبينما رحب به ستارمر ووزيرة
الخارجية البريطانية إيفت كوبر السبت، إلا أن صحيفة "
التليغراف" كشفت
الاثنين، عن ضغوط سياسية واسعة يتعرض لها ستارمر لسحب الجنسية البريطانية من علاء واصفة
إياه بـ"المتطرف الإسلامي".
وأشارت إلى أنه بعد وصوله
المملكة المتحدة ظهرت منشورات وصفتها بـ"البغيضة" من حسابه على وسائل
التواصل الاجتماعي كتبها بين عامي 2010 و2012؛ تدعو إلى "قتل الصهاينة"،
وتصف الشعب البريطاني بـ"كلاب وقرود"، ما أثار انتقادات لفشل
"الحكومات المتعاقبة في التحقق من خلفيته"، ملمحة لسحب ترشيحه لجائزة
"ساخاروف" لحرية الفكر من الاتحاد الأوروبي عام 2014 بسبب تغريدات تدعو
لقتل الإسرائيليين.
اظهار أخبار متعلقة
وكشفت أن "عبدالفتاح
حصل على الجنسية دون الخضوع لفحوصات (حسن السيرة) بسبب ثغرة قانونية أنشأتها
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان"، مشيرة إلى بعض أقواله التي كانت تستوجب
عدم حصوله على الجنسية وبينها: "حثه سكان لندن على حرق داونينج ستريت، وطلبه
من أنصاره قتل الشرطة، وقوله إنه يكره البيض".
وتضمنت التغريدات عبارات
مثل: "أعتبر قتل أي مستعمر، وخاصة الصهاينة، عملا بطوليا، وعلينا قتل المزيد
منهم"، بالإضافة إلى: "لم تكن هناك إبادة جماعية لليهود على يد
النازيين"، و الشرطة ليسوا بشرا، ليس لديهم حقوق، يجب أن نقتلهم جميعا".
ستارمر يتبرأ ومطالبات
بالترحيل
وبعد يومين من الترحيب
بعلاء عبدالفتاح، قال ستارمر: "لم أكن على علم بـ(التغريدات البغيضة)"،
لتطالب في المقابل زعيمة حزب (المحافظين) كيمي بادينوش، وزعيم حزب (الإصلاح)،
نايجل فاراج، وزيرة الداخلية شبانة محمود، بإلغاء جنسية علاء، وترحيله، بسبب آراء
عنصرية ومعادية لبريطانيا.
ودعت جماعة "العمال ضد
معاداة السامية" وحملة مكافحة معاداة السامية، إلى إلغاء جنسية عبد الفتاح، وقال
نائب رئيس مجلس نواب اليهود البريطانيين أدريان كوهين إن "خطابه المتطرف
والعنيف استهدف (الصهيونيين) والبيض، يشكل تهديدا لليهود البريطانيين وعامة الناس".
وفي حين وصف وزير الداخلية
بحكومة الظل كريس فيليب، عبدالفتاح بأنه "حقير وضيع" رافضا اعتذاره،
ومطالبا بترحيله، وإلغاء جنسيته بموجب "قانون الهجرة" لعام 1971، قال
وزير العدل بحكومة الظل روبرت جينريك إنه يجب "إجبار عبدالفتاح على العيش في
مصر أو أي مكان آخر"، مؤكدا لـ"بي بي سي"، أنه "كان من الخطأ
منحه الجنسية".
ويقلل مخاوف ترحيل علاء
عبدالفتاح، إلى مصر، تصريح رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان عن "حزب
العمال" إميلي ثورنبيري، التي ورغم تأكيدها أن محتوى التغريدات "محزن
ولا يمكن التغاضي عنه"، لكنها شددت على أن "ذلك لا يبرر إعادته لمصر،
حيث قضى معظم سنوات سجنه بسبب نضاله لأجل حقوق الإنسان والديمقراطية".
كما لاقى الناشط المصري،
دعما حقوقيا من نائب المدير التنفيذي لمنظمة "ريبريف" الحقوقية، دان
دولان، بقوله إن "الدعوة إلى تجريد أي شخص من جنسيته بسبب منشورات تمثل
تجاوزا استبداديا خطيرا"، مؤكدا أن "سيادة القانون لا ينبغي أن تتيح
للسياسيين سلب الأفراد حقوقهم القانونية".
اعتذار علاء
وإزاء الضجة الواسعة، اعتذر
عبدالفتاح، في بيان له الاثنين، عن التغريدات القديمة، وأكد أن بعض المنشورات قد
تم "تحريفها"، موضحا أنه يدعم حقوق "المثليين"، ولم ينكر
"محرقة اليهود"، مؤكدا أنه "يشعر بالصدمة للتشكيك في نزاهته وقيمه"،
بينما يلتقي بعائلته لأول مرة منذ 12 عاما، وبابنه خالد (14 عاما) والذي يعيش في
برايتون.
بداية الضجة وعلاقة دبي
وحول من يقف خلف تلك
الحملة، أشار الحقوقي المصري أسامة رشدي، إلى أنها بدأت عبر قناة ""GB News، المملوكة لشركة مقرها دبي،
حيث جرى الترويج لاتهامات بمعاداة السامية، وتم تمرير هذه السردية إلى لوبيات
صهيونية هاجمت كير ستارمر، لترحيبه بعلاء في بريطانيا.
و""GB News، انطلقت عام
2021، كقناة مملوكة لمدير صندوق التحوط بول مارشال، وشركة الاستثمار ليجاتوم، التي
يملكها كريستوفر تشاندلر، ومقرها في دبي.
رشدي عبر موقع
"إكس"، أكد أن الحملة "توظيف سياسي قذر تقوده أنظمة عربية متصهينة،
باتت في ممارساتها وخطابها (نتنياهوية) أكثر من نتنياهو، تستخدم أدوات الإعلام
واللوبيات الغربية لتصفية حسابات مع معارض عربي، حتى بعد نجاته من سجون الاستبداد".
ويؤكد مراقبون أن الحملة ضد
علاء عبدالفتاح، تفجرت عقب مطالبة شقيقته منى سيف، كير ستارمر، بالإفراج عن
المحبوسين الداعمين لفلسطين بالسجون البريطانية وبينهم 8 من حركة "فلسطين
أكشن"، وذلك في تعليق لها على تدوينة ترحيب ستارمر بشقيقها، ليبدأ مدونون
داعمون للاحتلال حملتهم ونشر تغريدات علاء القديمة.
ووفقا لـ"صحيح
مصر"، فقد نشر حساب "prudent rose firefinch"، الداعم
لإسرائيل ردا على تعليق منى سيف، متهما شقيقها بمعادة السامية واليهود ودعم
المقاومة الفلسطينية، ناشرا تدوينة تعود إلى تموز/ يوليو 2010، تقول: "أعتبر
قتل أي مستعمر، وخاصة الصهاينة، عملا بطوليا، ونحن بحاجة إلى قتل المزيد منهم".
اظهار أخبار متعلقة
وفي حين لاقت تغريدة ستارمر
5 آلاف مشاركة و23 ألف تعليق حتى ظهر الثلاثاء، أغلبها تطالب بسحب جنسية
عبدالفتاح، وترحيله؛ انتقلت الحملة إلى نشر تغريدات سابقة لمنى سيف، دعما للمقاومة
الفلسطينية، وسط مطالبات بترحيلها ونزع الجنسية البريطانية عنها هي الأخرى.
وفي الوقت الذي تشاركت فيه
بعض التدوينات عبارة: "يبدو أن جميع أفراد العائلة أشرار ويكرهوننا".
مطالبين بـ"الترحيل"، قالت منى سيف في تغريدة منفصلة دفاعا شقيقها:
"من المحزن والمثير للغضب أن نشهد هذه الحملة البغيضة ضده وضد عائلتنا".
لوبي إماراتي ولجان مصرية
وعن سر التحول المفاجئ في
الرأي العام البريطاني تجاه علاء عبدالفتاح، تحدث الحقوقي والإعلامي المصري هيثم
أبوخليل لـ"
عربي21"، عن من يقف خلف تلك الحملة، نافيا أن تكون
الحملة والتغريدات القديمة سببا لتوقيفه ومحاكمته وعقابه بسحب الجنسية البريطانية،
منه، وأكد أن هذا يحدث بـ"جمهوريات الموز"، على حد وصفه.
وأوضح أن "من لفت
الانتباه إلى تغريدات علاء عبدالفتاح، ليس البريطانيين، فقضيته مثارة منذ فترة
بينهم، وحصل على الجنسية البريطانية عام 2021، بينما كان في السجن، ولاقى دعم
وزارات متعاقبة تعرف من هو علاء عبدالفتاح وليلى سويف وسناء ومنى سيف، كما حدث
تواصل بين أفراد العائلة وأعضاء بمجلس العموم البريطاني".
ويرى أبوخليل، أن "هذه
الحملة لن تخرج عن اللوبي والقوى الموجودة والعلاقات العامة الخاصة بدولة
الإمارات، واللجان الإلكترونية الموجهة من بعض الأجهزة المصرية، وفي النهاية وهذا
شغل معروف من يقوم به، ولفت انتباه شخصيات بحكومة الظل ببريطانيا إلى تغريدات
قديمة لعلاء، وبعض المعادين للقضايا العربية وضد القضية الفلسطينية نفخوا في النار".
وأشار إلى أن "البعض
يرى أن بريطانيا من جمهوريات الموز، ولا يدركون أنها دولة ذات مؤسسات، وأنه لن يتم
سحب جنسية علاء، وهذه هوجة تأخذ وقتها، ولكن الموقف سبب حرجا وضررا بسيطا لعلاء،
ويؤثر عليه لو أراد ممارسة العمل السياسي ببريطانيا مستقبلا، وهم يحسبون أنها
معركة تشويه لصورته انتصروا فيها".
اظهار أخبار متعلقة
واستدرك بقوله: "نختلف
أو نتفق مع علاء، فهو قدم اعتذارا ولي تحفظ عليه، وكناشط حقوقي لا أرى أنه يخطئ
عندما هاجم الاحتلال الإسرائيلي والظلم والقتل، وكان يجب ألا يعتذر، ولكن في
النهاية هو شخص مناضل له مواقف، وقضى سنوات ظلما في الحبس".
يستند لقوانين أوروبية
وحول وضعه القانوني، قال
المحامي المصري أحمد مختار، لـ"
عربي21"، إن "علاء عبدالفتاح، أخذ
حقه من دعمنا كمصريين ونشطاء ومعارضين، وأن الضجة حوله طوال عامين ماضيين جاءت على
حساب حقوق أكثر من 60 ألف معتقل مصري، ولا يعقل مواصلة الضجة حول علاء مجددا بينما
هو آمن وسط قوانين لن تظلمه، بينما مئات الآلاف من المظلومين يحتاجون تسليط الضوء
على معاناتهم".
ويرى أن "عائلته تستند
إلى قوانين أوروبية بحقوق الإنسان يجري احترامها، بينما هو بريطاني الجنسية وله
حقوق مهما كانت الضجة والضغوط الإسرائيلية والإماراتية والمصرية بهذا الملف، سيُعامل وفقها، لكن تبقى المشكلة الأكبر هنا في مصر هي هذا العدد الهائل من
المصريين بالسجون بلا حقوق ولا قانون يدافع عنهم أو ينصفهم".
وعلى الجانب الآخر، رأى
البعض أن أزمة علاء عبدالفتاح الجديدة، تمثل خسارة لملف المعتقلين في مصر، وذلك
بعد أن أحدثت تهنئة رئيس وزراء بريطانيا، ووزيرة الخارجية بوصول عبد الفتاح
لبريطانيا، صدى جيدا، ودعت البعض وبينهم القاضي وليد شرابي، لمطالبة عبد الفتاح أن
يتذكر 100 ألف معتقل، والدفاع عنهم، لينالوا حريتهم.