ملفات وتقارير

هل تستطيع فنزويلا مواجهة أمريكا عسكريا؟.. قراءة في نقاط الضعف والقوة

كاراكاس تراهن على حرب شعبية طويلة لتعطيل التفوق الأمريكي- جيتي
كاراكاس تراهن على حرب شعبية طويلة لتعطيل التفوق الأمريكي- جيتي
شارك الخبر
مع تصاعد التواجد العسكري الأمريكي في البحر الكاريبي وتلويح واشنطن بـ"كل الخيارات" ضد حكومة نيكولاس مادورو، يبرز تساؤل محوري حول قدرة فنزويلا الفعلية على مواجهة الولايات المتحدة.

ووفق بيانات موقع Global Firepower لعام 2025، تصنف فنزويلا في المستوى المتوسط عالميا من حيث القوة العسكرية، بميزانية دفاع تقارب 4 مليارات دولار سنويا، مقابل نحو 900 مليار دولار تخصصها الولايات المتحدة في العام ذاته.

يجعل هذا التفاوت الهائل في التمويل والتكنولوجيا والخبرة العسكرية أي مواجهة تقليدية غير متوازنة تماما، لكنه لا يمنع كاراكاس من امتلاك القدرة على خوض حرب استنزاف دفاعية طويلة إذا فُرض عليها خيار المواجهة.

فنزويلا في ميزان القوة
تندرج فنزويلا ضمن الفئة المتوسطة في مؤشرات القوة العسكرية عالمياً، وغالباً ما تتموضع في منتصف ترتيب الجيوش، رغم أنها تُعد من أكبر القوى العسكرية من حيث العدد في أمريكا اللاتينية.

وتقدر مصادر تصنيف عسكرية أن حجم القوات المسلحة الفنزويلية يتراوح بين 100 و120 ألف عسكري في الخدمة، إضافة إلى أعداد كبيرة مسجلة على الورق ضمن قوات الاحتياط وميليشيا الدفاع الوطني البوليفاري.

وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من مليوني عسكري بين قوات عاملة واحتياط، إلى جانب خبرة عملياتية واسعة تمتد من العراق وأفغانستان إلى البلقان وآسيا.

وتشير صحيفة "نيوزويك" الأمريكية في تقرير، إلى الفرق الواضح في القدرات الجوية بين الجانبين، إذ تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 13 ألف طائرة عسكرية، مقابل ما بين 200 و230 طائرة فقط لدى فنزويلا، تضم مقاتلات سو-30 روسية وعددا محدودا من طائرات F-16 القديمة إضافة إلى طائرات تدريب ونقل.

اظهار أخبار متعلقة



ويرى الخبير الأمريكي إيفان إيليس، من معهد الدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني الأمريكية، أن الفجوة لا تتعلق بالعدد وحده، بل أيضا بغياب تدريبات معقدة لدى الجيش الفنزويلي تمكنه من تنسيق ما لديه من قدرات برية وبحرية وجوية ضمن عمليات مشتركة واسعة، وهو ما يقلص فاعليته في أي مواجهة كبيرة.

القوات البرية.. عتاد ثقيل تحت الضغط والاستنزاف
تعتمد فنزويلا على قوة برية ذات تسليح كثيف مقارنة بجيوش المنطقة، وتشمل مئات دبابات القتال الرئيسية، أبرزها T-72 الروسية، إلى جانب دبابات أقدم من طراز AMX-30 وعدد من النماذج الأخرى، كما تضم أيضا أسطولا كبيرا من ناقلات الجند المدرعة روسية وصينية الصنع، ومئات قطع المدفعية وراجمات الصواريخ.

وخلال العقدين الماضيين، أبرمت كاراكاس صفقات واسعة مع موسكو وبكين شملت دبابات ومنظومات مدفعية وصواريخ تكتيكية ومركبات مدرعة، بهدف تشكيل قوة برية في مواجهة الضغوط الأمريكية.

لكن هذه الكمية من العتاد تصطدم بواقع اقتصادي بالغ الصعوبة، فالأزمة المالية المستمرة والتضخم والعقوبات قلصت القدرة على توفير قطع الغيار والصيانة والتدريب.

وفي مواجهة قوة برية أمريكية مدعومة بتفوق جوي كامل وقدرات استطلاع متقدمة وأنظمة قيادة وسيطرة ذات كفاءة عالية، تبدو مهمة القوات الفنزويلية أقرب إلى الدفاع الموضعي وخوض حرب استنزاف داخل المدن والأدغال، أكثر من خوض معارك دبابات تقليدية مفتوحة.

سلاح الجو والدفاع الجوي: ردع موضعي لا تفوق استراتيجي
يشكل سرب مقاتلات سو-30 الروسية العمود الفقري لسلاح الجو الفنزويلي، ويقدّر عدد الطائرات العاملة منه بنحو 20 مقاتلة، تتكامل مع طائرات F-16 قديمة تعود لثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى طائرات هجوم خفيف وتدريب ونقل، فضلا عن مروحيات قتالية ومروحيات إسناد.

ويمنح فنزويلا هذا التنوع  قدرة محدودة على حماية مجالها الجوي وتنفيذ ضربات جو–أرض داخل حدودها أو في نطاقها القريب.

أما الدفاع الجوي، حصلت فنزويلا على منظومات روسية متوسطة وبعيدة المدى مثل نسخ من S‑300 إضافة إلى أنظمة "بوك" و"بيتشورا" مطوّرة، إلى جانب منظومات قصيرة المدى محمولة على الكتف من نوع "إيغلا" وأنظمة أخرى محلية النشر قرب المواقع الحساسة.

تستطيع هذه الشبكة من الناحية النظرية زيادة تعقيد أي هجوم جوي معاد، وفرض قيود إضافية على الطائرات المهاجمة فيما يتعلق بالارتفاعات والمسارات المحتملة.

وبالمقابل، تشير المقارنة مع الولايات المتحدة إلى أن هذا المستوى من الدفاع الجوي لا يرقى إلى مستوى الردع الاستراتيجي، فسلاح الجو الأمريكي يمتلك مئات الطائرات الشبحية من طراز F‑35 وF‑22، وقدرات تشويش إلكتروني متقدمة، وأسطولا ضخماً من طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود جواً، فضلاً عن صواريخ كروز تُطلق من مسافات بعيدة من البحر والجو.

اظهار أخبار متعلقة



يتفق غالبية المحللين العسكريين على أن الولايات المتحدة قادرة، في حال اتخاذ قرار سياسي، على تدمير الجزء الأكبر من سلاح الجو والقواعد الجوية الفنزويلية خلال الأيام الأولى من أي حملة بمزيج من الضربات الصاروخية والجوية، كما فعلت في العراق سابقا.

من جانبه، قال الباحث العسكري الأمريكي جوناثان ماركز في تحليل نشرته "نيوزويك" إن "القوات المسلحة الفنزويلية قد تتمكن من إلحاق خسائر تكتيكية أمريكية في حال وقوع مواجهة، لكنها لا تملك أي وسيلة حقيقية لمنع سيطرة واشنطن على الجو والبحر خلال أيام".

وأضاف ماركز أن "أهم ما يملكه مادورو ليس الدبابات ولا الطائرات، بل احتمال تحويل أي تدخل إلى حرب استنزاف طويلة في الأدغال والمدن، على غرار ما واجهته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ولكن في بيئة جغرافية مختلفة".

البحرية وحدود الكاريبي
مع التصعيد الأخير، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في البحر الكاريبي على نحو غير مسبوق. تقرير تحليلي نشره موقع "Defense One" الأمريكي أن البنتاغون نشر بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025 أكثر من 10 آلاف جندي في مسرح العمليات البحري المحيط بفنزويلا، ترافقهم حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" ومدمرات من فئة "أرلي بيرك" مزودة بصواريخ "توماهوك"، إضافة إلى سفن هجومية برمائية تحمل وحدات من مشاة البحرية وطائرات هجومية، وغواصات هجومية تقوم بمهام استخباراتية قرب الساحل الفنزويلي.

العقيدة العسكرية.. حرب شعبية
في ظل هذا الاختلال الفادح في موازين القوة، تتبنى كاراكاس على مستوى الخطاب السياسي والعقيدة العسكرية فكرة الحرب الشعبية الطويلة والدفاع غير المتماثل.

وكثيرا ما يلوح الرئيس نيكولاس مادورو بأرقام تعبئة تصل إلى ثمانية ملايين مواطن مقاتل ضمن ميليشيا الدفاع الوطني البوليفاري، مع رسائل إعلامية متكررة بأن أي تدخل أمريكي سيفتح أبواب "فيتنام جديدة" في أمريكا اللاتينية، مع ذلك، تشير تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن الرقم الواقعي للقوات القادرة على القتال المنظم أقل بكثير.

مع ذلك، يبقى تأثير عقيدة الحرب الشعبية عاملا لا يمكن تجاهله في رفع كلفة أي احتلال بري محتمل، فقد أظهرت تجارب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان أن التفوق التكنولوجي لا يمنع انزلاق العمليات إلى حرب استنزاف قاسية داخل المدن والأطراف والريف، متى توفرت قيادة محلية قادرة على تنظيم المقاومة، وحاضنة اجتماعية مستعدة لتحمل كلفة المواجهة.

الاقتصاد والقدرة على الاستمرارية
رغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم، تعاني من تراجع حاد في إنتاج النفط وصادراته بسبب العقوبات وسوء الإدارة وتدهور البنية التحتية، ما يحدّ من قدرتها على تمويل سباق تسلح طويل.

اظهار أخبار متعلقة



وتشير بيانات "Global Firepower" إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الشرائية لفنزويلا يقدّر بنحو 296 مليار دولار، مع دين خارجي يتجاوز 110 مليارات دولار، وميزانية دفاعية لا تتعدى 4.1 مليارات دولار، وهي أرقام تجعل هامش المناورة المالي في أي حرب محدودا للغاية.

يتفق معظم المحللين على أن فنزويلا لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة بمعنى خوض حرب تقليدية متكافئة تنتصر فيها أو تمنع خلالها التفوّق الجوي والبحري الأمريكي من فرض وقائعه.

الفارق في عدد الجنود، وحجم العتاد، والتكنولوجيا، وإمكانية التدريب والقتال، جميعها تصب في مصلحة واشنطن بشكل كاسح، كما تظهر الأرقام الصادرة عن قواعد البيانات العسكرية المفتوحة وتصنيفات القوة العالمية.
التعليقات (0)