قال الكاتب "الإسرائيلي" نير كوفينس إن صورة طوابير الآلاف من "الإسرائيليين" على طريق جليلوت أمام
السفارة البرتغالية، وهم ينتظرون لساعات طويلة للحصول على الجنسية البرتغالية أو تجديد جوازات السفر، تمثل دليلًا كافيًا على أن دولة (إسرائيل) بدأت تنزف من أهم شريان رئيسي لها.
وأوضح كوفينس أن المشهد يعكس تراجع الروح الوطنية وتفاقم حالة الإحباط والشعور باليأس لدى الإسرائيليين، لا سيما الشباب الذين يبحثون عن مكان ومستقبل أفضل لهم خارج البلاد، وأشار كوفينس إلى أن القضية تتجاوز الخلافات بين وزير الأمن ورئيس هيئة الأركان، أو الأزمات المتعلقة بمحاكمة نتنياهو، أو تشكيل لجنة تحقيق رسمية، أو قانون التهرب من التجنيد للخدمة العسكرية، مؤكدًا أنها مسألة وجودية بامتياز.
طوفان "إسرائيلي" يعكس يأس جيل كامل
وشرح كوفينس أن صورة الطوابير هذه المرة تختلف عن سابقتها، حيث كانت الطوابير تتكرر سابقًا عند السِّفَارة لإضافة أحفاد المواطنين على الجنسية البرتغالية، لكن هذه المرة، يقول الكاتب، امتدت الطوابير الطويلة لعدة شوارع وحتى داخل الأقبية تحت الأرض، ما يشير إلى مرحلة جديدة وخطر قادم، وهي من مرحلة التنقيط والتجزئة إلى طوفان بشري كبير يعكس يأس جيل كامل ورغبته في الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل.
وأكد كوفينس أنه ليس هناك حاجة لتشكيل لجنة تحقيق رسمية أو استدعاء شهود لمعرفة المسؤولين عن هذه الظاهرة التي وصها بالخطيرة، موضحًا أن من دفع عشرات الآلاف من الشبان للتفكير في الهجرة هم وزراء الحكومة اليمينية: وزير العدل ياريف ليفين الذي شن حربًا على السلطة القضائية، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي حول الشرطة إلى قوات ظلامية، وزير المالية بتسلئيل سموترتش الذي يحلم بترحيل الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي لا يبخل بأي وسيلة للتهرب من المحكمة.
مؤشر على تصاعد الهجرة
وكانت صحيفة "
يديعوت أحرونوت" العبرية قد سلطت الضوء على اصطفاف آلاف الإسرائيليين في طوابير طويلة أمام مبنى السفارة البرتغالية، عقب إعلانها عن إمكانية الحصول على موعد لإصدار أو تجديد جواز السفر دون حجز مسبق، مع استئناف العمل بنظام المواعيد حضوريًا، وإلغاء المواعيد الافتراضية نتيجة الإقبال الكبير خلال العامين الماضيين، وهو ما عد مؤشر على تصاعد الهجرة ورغبة الإسرائيليين في مغادرة دولة الاحتلال، ويأتي ذلك بعد إعلان السفارة البرتغالية
وفي إعلان لها، قالت السفارة إنها أطلقت حملة سمتها "العودة إلى الماضي"، تتيح للمتقدّمين الوقوف في طابور مباشر للحصول على موعد خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير المقبلين لتجديد جواز السفر أو بطاقة الهوية البرتغالية، وهو ما أدى إلى ظهور طوابير ضخمة غير مسبوقة، حيث قال بعض الحاضرين إنهم انتظروا ساعات طويلة، في حين اختار آخرون المغادرة بعد رؤية حجم الطابور.
وقالت ريشون لتسيون "وصلت عند 08:00 صباحا، والآن أصبحت 10:20 دقيقة. الوضع جنوني. فكرت في العودة لكن أقنعوني بالبقاء. هناك نحو 500 شخص قبلي"، من جانبه، قال إسرائيلي آخر للصحيفة "جئت لأجدد الجواز (البرتغالي).. أحب بلدي، لكن الجواز البرتغالي يفتح فرصا عديدة، خصوصا في أوروبا، سواء للدراسة أو السفر دون قيود"، وأعلنت السلطات البرتغالية أنه ابتداءً من أيار/مايو 2026، ستتغير صلاحية جواز السفر البرتغالي من خمس سنوات إلى عشر سنوات، ومن المرجح أن يحصل المتقدمون حاليًا على جواز سفر لمدة خمس سنوات، بدلاً من عشر.
الوزير سابق في مجلس الوزراء الحربي وعضو الكنيست، غادي آيزنكوت علق على مشاهد الطوابير الطويلة أمام السفارة البرتغالية، قائلا: "يصطف الإسرائيليون الآن أمام السِّفَارة البرتغالية بدلًا من اصطفاف الإسرائيليين في طوابير طويلة أمام القنصليات الإسرائيلية حول العالم، هو أمر معيب وسنحاول إصلاح ذلك".
منح "السفارديم" حق اللجوء
وكانت البرتغال قد أقرت عام 2015 قانونًا يمنح اليهود من أصول أندلسية (السفارديم)، حق التقدم للحصول على جنسيتها “تقديرًا للاضطهادات التي تعرضوا لها من محاكم التفتيش” في القرن السادس عشر، وبسبب الإقبال الكبير على ما وصف بـ"الحق"، فرضت البرتغال عام 2023، قيوداً على المتقدمين، بدعوى أن القانون "حقق هدفه الأساسي"، واعتبارَا من منتصف القرن الخامس عشر، جرت عمليات منظمة لطرد المسلمين واليهود من إسبانيا والبرتغال، بعد 8 قرون من التعايش في ظل حكم إسلامي.
حيث أجبرت محاكم التفتيش من بقي من المسلمين واليهود في إسبانيا على تغيير الدين واعتناق الكاثوليكية، أو الانقياد لعمليات طرد جماعي.
وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهد عدد المتقدمين الإسرائيليين للحصول على جواز سفر ثانٍ أو الجنسية البرتغالية ارتفاعًا كبيرًا بالتزامن مع مغادرة بعض الإسرائيليين لدولة الاحتلال.
"خطر استراتيجي كبير"
يأتي هذا الإقبال وسط تزايد رغبة الإسرائيليين بالحصول على جوازات أوروبية، وخاصة البرتغالية، التي تمنح حاملها حرية حركة في دول الاتحاد الأوروبي وامتيازات تعليمية ومهنية، وسبق أن كشفت صحيفة كالكاليست العبرية أن
موجة هجرة آخذة بالاتساع داخل دولة الاحتلال، إذ يكشف بحث جديد أعدّه 3 من كبار الباحثين في جامعة تل أبيب، أن نحو 90 ألف إسرائيلي غادروا بين كانون الثاني/يناير 2023 وأيلول/سبتمبر 2024، منهم 50 ألفا عام 2023 بالإضافة إلى 40 ألفا حتى أيلول/سبتمبر 2024، وبحسب الصحيفة، تتمثل النتيجة الأخطر في خسارة خزينة "إسرائيل" 1.5 مليار شيكل (395 مليون دولار) من الإيرادات الضريبية خلال الفترة المذكورة، وهي خسارة سنوية ما كانت ستتكرر لو بقي هؤلاء داخل دولة الاحتلال.
نزيف العقول.. أطباء وأكاديميون
بحسب "Revelio Labs" هي شركة متخصصة في استخبارات التوظيف، تجمع وتُدمج مليارات سجلات التوظيف العامة من جميع أنحاء الإنترنت، وتتضمن سجلاتها معلومات متاحة للعامة من مواقع الملفات الشخصية المهنية مثل LinkedIn، يتضح من خلال تتبع حركة العمال بين مختلف المواقع، بما في ذلك دخولهم إلى إسرائيل ومغادرتهم لها مع مرور الوقت، أنه بعد سنوات من التوازن الإيجابي (2020-2022)، أي دخول عدد أكبر من العمال إلى دولة الاحتلال مقارنة بالخروج منها، انعكس الاتجاه في عام 2023 وتفاقم بشكل كبير في عام 2024، ومن المتوقع أن يستمر توازن الهجرة السلبي في عام 2025، فيما تبرز تحديدا ظاهرة "هجرة الأدمغة" بشكل خاص في قطاع التكنولوجيا والهندسة - أي التكنولوجيا الفائقة، وفق تقرير
لموقع "ماكو" العبري.
وتكشف الهجرة العكسية، أن النسبة الكبيرة لرحيل الأطباء من دولة الاحتلال باتت مثيرة للقلق بشكل خاص، حيث غادر 875 طبيبًا إسرائيليًا البلاد بين كانون الثاني/يناير 2023 وأيلول/سبتمبر 2024، وهو رقم مقلق للنظام الصحي في بلد مثل إسرائيل، الذي يعاني من نقص حاد في الأطباء.
كما تُسلّط الدراسة التي نشرها موقع "ماكو" الضوء على أبعاد "هجرة الأدمغة" في مجالات العلوم والتكنولوجيا، فقد غادر دولة الاحتلال أكثر من 19,000 إسرائيلي حاصل على درجة البكالوريوس أو أعلى، منهم أكثر من 6,600 خريج من تخصصات العلوم والهندسة. وتشمل هذه المجموعة أيضًا حاملي الشهادات العليا، كما أن الهجرة الأعلى من المعتاد واضحة أيضًا في قطاعي الهندسة والتكنولوجيا الفائقة، حيث غادر أكثر من 3000 مهندس إسرائيلي البلاد بين بداية عام 2023 وسبتمبر 2024، ليضاف العدد لرصيد هجرة سلبي يبلغ حوالي 2330 مهندسًا غادروا إسرائيل خلال هذه الفترة.
اظهار أخبار متعلقة
ويكشف الموقع العبري بالقول إن استمرار رحيل العديد من الإسرائيليين قد يُشعل حلقة مفرغة سلبية: فكل رحيل لطبيب أو مهندس يُضعف النظام الذي ينتمي إليه؛ ويصبح النظام الضعيف أقل جاذبية للعمال الآخرين؛ وهؤلاء بدورهم يفكرون في المغادرة؛ وتتسارع هذه العملية بفعل أي صدمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية. بمعنى آخر، كل شخص يغادر يزيد من حافز الآخرين على اتباعه. ويحذر الباحثون من أنه إذا استمر اتجاه الهجرة المتزايدة، فبمجرد أن يتجاوز عدد المغادرين عتبة حرجة معينة، سيكون من الصعب للغاية عكس مسار الأمور. وسيكون هذا الوضع مصحوبًا بعواقب اقتصادية كلية وخيمة على الاقتصاد الإسرائيلي، بسبب فقدان رأس المال البشري الحيوي في القطاعات الرئيسية.