عندما كنت يافعا عثرت على كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون"، فالتهمته
التهاما، وكان ذلك الكتاب أول علاقة لي بفلسطين وبالعالم. وعندما تقدمت في السن،
اطلعت على روايات متعددة حول صحة هذا الكتاب، فتجنبت الاعتماد عليه حتى أتجنب سوء فهم
تاريخ الصراع وأسسه السياسية والأيديولوجية، وتوصلت بعد ذلك إلى ضرورة التمييز بين
اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجية استعمارية. لكن ما يجري اليوم على مرأى
ومسمع من الجميع يثير الدهشة، ويخلط المفاهيم، ويرفع الستار عن مشهد مربك. فالحديث
عن
إسرائيل الكبرى لم يعد مجرد رواية تلمودية، وإنما تحول إلى خطة قائمة يعمل على
تنفيذها جيش وساسة وأحبار ومخابرات ودعم أمريكي وأموال تنفق ودماء تسيل. فهل الأمر
مجرد تهديد سياسي أم هو اختيار استراتيجي سيفرض نفسه في المرحلة القادمة؟
اعتبر
نتنياهو نفسه مكلفا بمهمة "مقدسة"، لن تقف فقط عند احتلال
مدينة غزة بعد طرد سكانها، وإنما تمتد نحو توسيع جغرافية الكيان وفق الحدود التي
يدعي اليهود بأن التلمود قد نص عليها، ومنحها الله لهم لتكون "مملكتهم".
هذه الخريطة الوهمية يطلقون عليها "إسرائيل الكبرى"، وتضم لبنان والأردن
وأجزاء واسعة وحيوية من سوريا والعراق ومصر. وهناك من يضيف إلى هذه السردية مناطق شاسعة
من السعودية وضم بقية دول الخليج.
اعتبر نتنياهو نفسه مكلفا بمهمة "مقدسة"، لن تقف فقط عند احتلال مدينة غزة بعد طرد سكانها، وإنما تمتد نحو توسيع جغرافية الكيان وفق الحدود التي يدعي اليهود بأن التلمود قد نص عليها، ومنحها الله لهم لتكون "مملكتهم"
عندما يستمع المرء إلى هذه الرواية قد يراها خيالية وغير واقعية، رغم أن
الواقع بدأ يمهد لها تدريجيا وبشكل حثيث. فقادة الكيان يتحدثون عن شرق أوسط "جديد"؛
هذا الكيان الذي يرفض حتى الآن رسم حدوده نهائيا، ويعيش مستوطنوه في هيجان مستمر، إذ
تتعاظم استفزازاتهم، وتتسع دائرة اغتصابهم لأراضي
الفلسطينيين، وقد تضاعفت وتيرة اقتحام
حرمة المسجد الأقصى حتى اكتسحه الآلاف منهم دفعة واحدة وبقيادة وزرائهم. هم
يتحدثون عن اقتراب موعد بناء هيكلهم على أنقاض المسجد الأقصى المهدد، معلنين لأول
مرة بأن المسجد اليوم أصبح تحت قبضتهم، شأنه في ذلك شأن الضفة الغربية. وعندما سئل
بعض قادتهم: ألا تخشون رد فعل مليار ونصف مسلم في حال الإقدام على هدم المسجد
الأقصى؟ أجابوا: "لم يعد يخيفوننا هؤلاء، سيغضبون ويحتجون، ثم ينسون
ويتعاملون مع الواقع الجديد".
عندما استعمل مجرم الحرب نتنياهو كلمة "إسرائيل الكبرى" لأول مرة،
أصدرت 31 دولة إسلامية بيانا مشتركا للتنديد بذلك، وهو موقف لا يتجاوز البعد الرمزي
دون أن يغير أي شيء على أرض الواقع، وهنا يكمن الفارق بين ما يفعله الكيان وما
يسير عليه العالم
العربي والإسلامي. هم يخططون وينفذون أهدافهم عبر مراحل، في حين
يتحدث المسلمون كثيرا وسرعان ما ينسون ما تحدثوا عنه. يعمل العدو على تحقيق التراكم
وتغيير الجغرافيا، ويستثمر عناصر القوة من فكر ومال وحيلة وميزان قوى وتخطيط بعيد
المدى وتعبئة مستمرة، في حين يتعامل العرب والمسلمون مع الأحداث والوقائع بارتجال،
واستخفاف، ورعونة، وأحيانا بلا مبالاة.
سارع الكيان منذ اللحظة الأولى نحو استغلال الوضع المتدهور في سويا، لم
يعبأ بفرحة السوريين بسقوط نظام الأسد، وإنما سارع نحو القضاء على ما تبقى من سلاح
ومخابر ومستودعات. كما استغل النعرات الطائفية، وهيمن على شريط استراتيجي ممتد
داخل سوريا،
إذا كانت الأنظمة العربية والإسلامية عاجزة عن حماية فلسطين والفلسطينيين، هل فكرت فيما سيحصل لأوطانها خلال السنوات القليلة القادمة؟
وسمح لقطعان المستوطنين باقتحام الأراضي السورية لزيارة ما اعتبروا
قبر النبي يوسف، ثم وضعوا حجر الأساس لمستوطنة ينوون إقامتها في الفترة القادمة. وفي
هذا السياق يخطئ النظام الجديد في دمشق إذا ظن بأن التطبيع مع الكيان والدخول في
شراكة قد يبعد عنه الخطر، فهذا الكيان لا يحسن سوى سياسة الابتلاع والافتراس، ولا
شيء غير ذلك.
لنستمع جيدا لما صرح به المبعوث الأمريكي إلى لبنان عندما أكد أن إسرائيل
ستتوسع، وتعتبر أن اتفاق سايس بيكو قد انتهى، ولن تلتزم به، وتعتبر أن الحدود التي
تم رسمها لم يعد لها معنى، وستتحرك بكل حرية. وبرر توم باراك هذا النزوع
الاستعماري بقوله إن إسرائيل مضطرة إلى ذلك، وهو ما تدعمه الإدارة الأمريكية
الحالية، أو على الأقل لن تنوي التحفظ على هذه السياسة.
إذا كانت الأنظمة العربية والإسلامية عاجزة عن حماية فلسطين
والفلسطينيين، هل فكرت فيما سيحصل لأوطانها خلال السنوات القليلة القادمة؟ الأسوأ
قادم، وما أقدمت عليه تركيا عندما أوقفت تعاونها الاقتصادي مع تل أبيب، وأغلقت
أجوائها في وجه طيران العدو، قد يكون خطوة أولى نحو إجراءات أكثر حزما يحتمل أن
تقدم عليها بعض الدول.